ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ الشفعاءُ الذين كُنْتُمْ تزعمونَ أنهم شركاءُ لنا فيكم، وَأَنَّ نصيبًا لهم مِنْ حُقُوقِنَا، وتعبدونَهم معنا، وتزعمونَ أنهم يشفعونَ لكم، ما نَرَاهُمْ معكم. وهذا توبيخٌ لهم - والعياذُ بِاللَّهِ - كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: آية ١٨].
وقولُه: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ فيه قِرَاءَتَانِ (^١): ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾، ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنُكُمْ﴾ فَعَلَى قراءةِ: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنُكُمْ﴾ فـ (البَيْنُ) من الأضدادِ يُطْلَقُ على البُعْدِ وعلى الوصلِ. والمعنَى: تَقَطَّعَ وَصْلُكُمْ، والوصالاتُ: الاتصالاتُ التي كانت بينَكم، كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة: آية ١٦٦]، الوصلاتُ التي كانت بينَهم في الدنيا تَنْقَطِعُ يومَ القيامةِ، كما قَالَ اللَّهُ في سورةِ العنكبوتِ: ﴿مَوَدَّةً بَيْنَكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وفي القراءةِ الأُخْرَى: ﴿مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: آية ٢٥] (^٢). وعلى قراءةِ: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ فبعضُ العلماءِ يقولُ: فاعلُ الفعلِ هو المصدرُ (لَقَدْ تَقَطَّعَ هُوَ) أي: التقطعُ، أي: وَقَعَ التقطعُ بينَكم، وبعضُ العلماءِ يقولُ: أَصْلُهُ (لقد تقطع ما بينَكم)، وهو في بعضِ القراءاتِ الشاذةِ (^٣).
(^١) انظر: المبسوط لابن مهران ١٩٩.
(^٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص٣٤٤. وفي الآية قراءات أخرى غير ما ذُكر.
(^٣) انظر: حجة القراءات ٢٦١ - ٢٦٢، ابن جرير (١١/ ٥٤٩)، القرطبي (٧/ ٤٣)، البحر المحيط (٤/ ١٧٢)، الدر المصون (٥/ ٤٨).