إعلام الموقعين عن رب العالمين

إعلام الموقعين عن رب العالمين

خپرندوی

دار عطاءات العلم (الرياض)

شمېره چاپونه

الثانية

د چاپ کال

١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)

د خپرونکي ځای

دار ابن حزم (بيروت)

سیمې
سوریه
•
سلطنتونه او پېرونه
مملوک
مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد، فإن هذا الكتاب العظيم الذي نقدمه اليوم في نشرة علمية جديدة ضمن مشروع «آثار الإمام ابن القيم الجوزية» من الكتب الأصول للإمام ابن القيم، وهو في مرتبة «زاد المعاد»، و«الصواعق المرسلة»، و«مدارج السالكين»، و«طريق الهجرتين»، و«إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان»، ونحوها. فهذه كلها منظومة علمية واحدة، غايتهاالدعوة إلى التمسك بالكتاب والسنةفي العقائد والأعمال، وإصلاح ما أصاب حياة المسلمين العلمية والعملية من زيغ أو فساد على أيدي الفلاسفة والمتكلمين ومقلدي الفقهاء والمتصوفة المنحرفين. وذلك عنوان مهمة التجديد والإصلاح التي قام بها شيخ الإسلام ابن تيمية، وآزره فيها وسار على خطاه تلاميذه، ومن أبرزهم تلميذُه الإمام ابن القيم.
وكتابنا هذا بما احتواه من مباحث الرأي والقياس والتقليد وحكمة التشريع وتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان وسدّ الذرائع وأدب المفتي والمستفتي وما إلى ذلك=يُعَدُّ من كتب أصول الفقه، ولكنه يختلف عنها في ترتيبه ومنهجه وأسلوبه، بل في مادته الغزيرة من الاحتجاجات والردود في أبواب من الكتاب لا تلقاها مجموعة في كتاب آخر، ومسائل فقهية كثيرة جدًّا جاءت للتمثيل والتدليل، وخصّ بعضها بإطالة البحث والتفصيل. ثم الكتاب معرض آراء شيخ الإسلام وترجيحاته، وقد سماه المؤلف فيه في أكثر من مائة موضع، وبنى كثيرًا من المباحث على قواعده، وساق في أثنائه فصولًا طويلة من كلامه. فأصبح

المقدمة / 3

الكتاب بذلك كلِّه فريدًا في بابه، ومنهلا عذبًا لورّاده. ولم يبالغ السيد رشيد رضا إذ قال في وصفه: «لم يؤلِّف مثلَه أحد من المسلمين في حكمة التشريع ومسائل الاجتهاد والتقليد والفتوى وما يتعلق بذلك، كبيان الرأي الصحيح والفاسد، والقياس الصحيح والفاسد، ومسائل الحيل، وغير ذلك من الفوائد التي لا يستغني عن معرفتها عالم من علماء الإسلام» (^١).
وقد طبع الكتاب أول طبعة في دهلي (الهند) سنة ١٣١٣ - ١٣١٤ عن ثلاث نسخ خطية في مجلدين، ثم طبع في القاهرة سنة ١٣٢٥ في ثلاثة مجلدات على نفقة فخر التجار مقبل بن عبد الرحمن الذكير ﵀. وصدرت بعدهاعدّة طبعات أشهرها طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ﵀ سنة ١٣٧٤. ثم حقق الكتاب الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان، وصدرت نشرته سنة ١٤٢٣ في سبعة مجلدات عن دار ابن الجوزي بالدمام، وقد بذل جهدًا كبيرًا في إعداد هذه النشرة التي جمع فيهامقدمات الطبعات السابقة وقراءاتها وتعليقاتها، مع تصحيح أخطاء كثيرة من أخطائها. ولكن المحقق لم يوفَّق آنذاك للحصول على نسخ قديمة صحيحة، فاعتمد على نسخ متأخرة لا تصلح للاعتماد، ومن ثم لم يتمكن من إخراج نص الكتاب سليمًا من آفات التصحيف والتحريف. ويبدو للقارئ أحيانًا أن عناية المحقق بالتعليق والتخريج طغت على عنايته بتصحيح النص، فبقي المتن في مواطن كثيرة على خطئه مع وروده صحيحًا في نسخه الخطية أومصادرتخريجه. وبصرف النظر عما ذكرنا كانت خدمته للكتاب جيدة مشكورة، فجزاه الله خيرًا لقاء ما بذل واجتهد.

(^١) مجلة «المنار» المجلد ١٢ (١٩٠٩) ص ٧٨٦.

المقدمة / 4

أما هذه النشرة التي بين أيديكم، فأخرجناها عن سبع نسخ قديمة مكتوبة في القرن الثامن أو التاسع، وعُنينا حسب منهجنا بتحرير النص عناية بالغة، واستفدنا في خدمة الكتاب من جهود من سبقنا، ونرجو أن تكون هذه النشرة أصح وأقرب إلى ما وضعه المؤلف ﵀. ونأمل من العلماء والباحثين إذا وقعوا على زلل في قراءة النص أو التعليق عليه أن لا يُسْبِلوا عليه ذيل العفو، بل حقُّ الكتاب عليهم التنبيه والتصحيح، وحقُّهم علينا الشكر والتقدير. والحمد لله الذي وفّق وأعان على إنجاز هذه النشرة، وهو المسؤول أن يتقبلها بقبول حسن، وأن ينفع بها. وقد قدّمنا بين يدي النص دراسة للكتاب تشتمل على الفصول الآتية:
- توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف
- تحرير عنوان الكتاب
- زمن التأليف
- بناء الكتاب وموضوعاته
- منهج المؤلف فيه
- أهمية الكتاب وقيمته العلمية
- موارد الكتاب
- أثره في الكتب اللاحقة
- مؤلفات ودراسات عن الكتاب
- النسخ المعتمدة في هذه النشرة
- الطبعات السابقة
- منهجنا في هذه النشرة

المقدمة / 5

توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف
كتابنا هذا من أشهر مؤلفات ابن القيم، ولم نر من دفع نسبته إليه أو شكّك فيها. وكيف يتطرق إليها الريب، وهي محفوفة بأدلة قاطعات وشواهد مؤكدات من داخل الكتاب وخارجه جميعًا؟ وإليك جملة منها:
١ - النسخ الخطية التي وصلت إلينا من الكتاب لم تختلف في اسم المؤلف، سواء ورد الاسم في صفحة عنوانها، أو في فاتحتها، أو خاتمتها.
٢ - الذين ذكروه في ثبت مؤلفات ابن القيم، بعضهم معدود من أصحابه وتلامذته، مثل صلاح الدين الصفدي الذي ذكره في كتابيه: «الوافي بالوفيات» (٢/ ٢٧١) و«أعيان العصر وأعوان النصر» (٤/ ٣٦٩)، ومثل شهاب الدين ابن رجب، وابنه زين الدين ابن رجب، ذكره أولهما في معجم شيوخه كما في «المنتقى» منه (ص ١٠١) والآخر في «ذيل طبقات الحنابلة» (٥/ ١٧٥). ومن أصحاب كتب التراجم الذين عدّوا الكتاب من مؤلفات ابن القيم غير تلامذته: الحافظ ابن حجر في «الدرر الكامنة» (٣/ ٤٠٢)، والسيوطي في «بغية الوعاة» (١/ ٦٣) ومجير الدين العليمي في «المنهج الأحمد» (٥/ ٩٤) والداوودي في «طبقات المفسرين» (٢/ ٩٦) وابن العماد في «شذرات الذهب» (٨/ ٢٨٩).
٣ - أفاد من الكتاب علماء كثيرون من الحنابلة وغيرهم، وكلهم عزاه إلى ابن القيم، وسيأتي ذكر بعضهم في المبحث القادم ومبحث الصادرين عنه.
٤ - وقد أحال عليه ابن القيم نفسه في ثلاثة كتب من مؤلفاته، وهي «إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان» (١/ ٣٢)، و«التبيان في أيمان القرآن»

المقدمة / 7

(ص ٣٤٥)، و«الفوائد» (ص ١٠). أما «إغاثة اللهفان»، فذكر فيه قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٧ - ١٩]، ثم قال: «وقد ذكرنا الكلام على أسرار هذين المثلين وبعض ما تضمَّناه من الحكم فى كتاب (المعالم) وغيره». والمقصود بكتاب المعالم كتابنا هذا كما سيأتي في المبحث القادم، والكلام على المثلين المذكورين وارد فيه (١/ ٣١٦ - ٣٢١).
وأما كتاب «التبيان»، فجاء فيه قوله: «وقد بينا في كتابنا (المعالم) بطلان التحليل وغيره من الحيل الربوية بأسماء الرب وصفاته». وانظر هذا المبحث في كتابنا ه ذا (٣/ ٤٩١ - ٥٠٧، ٦٠٠ وما بعدها).
وأما كتاب «الفوائد»، فافتتحه ابن القيم بقاعدة جليلة تكلم فيها على تفسير سورة ق والقرآن المجيد، فلما انتهى إلى قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [١١] قال: «أي مثل هذا الإخراج من الأرض الفواكه والثمار والأقوات والحبوب خروجكم من الأرض بعدما غُيِّبتم فيها. وقد ذكرنا هذا القياس وأمثاله من المقاييس الواقعة في القرآن في كتابنا (المعالم)، وبينّا بعض ما فيها من الأسرار والعبر». وستجد كلامه على القياس المذكور في كتابنا هذا في (١/ ٣٠٥) وما بعدها.
٥ - كما أحال ابن القيم على هذا الكتاب في كتبه الأخرى، أشار فيه أيضًا إلى كتابين من مؤلفاته، وهما: كتاب «الفروسية»، و«بيان الاستدلال على بطلان اشتراط محلل السباق والنضال»، وذلك في قوله (٤/ ٤٣٥، ٤٣٦): «إذا أخرجَ المتسابقان في النضال معا جاز في أصح القولين،

المقدمة / 8

والمشهور من مذهب مالك أنه لا يجوز. وعلى القول بجوازه فأصح القولين أنه لا يحتاج إلى محلل، كما هو مقتضى المنقول عن الصديق وأبي عبيدة بن الجراح، واختيار شيخنا وغيره. والمشهور من أقوال الأئمة الثلاثة أنه لا يجوز إلا بمحلل، على تفاصيل لهم في المحلل وحكمه. وقد ذكرناها في كتابنا الكبير في «الفروسية الشرعية»، وذكرنا فيه وفي كتاب «بيان الاستدلال على بطلان اشتراط محلل السباق والنضال» بيان بطلانه من أكثر من خمسين وجها، وبينّا ضعف الحديث الذي احتج به من اشترطه، وكلام الأئمة في ضعفه، وعدم الدلالة منه على تقدير صحته».
قلت: كتاب «الفروسية» معروف ومطبوع، والبحث المشار إليه استغرق منه نحو مائتي صفحة (٨٨ - ٢٨٤). أما الكتاب الآخر فذكره الصفدي بهذا الاسم في كتابيه: «الوافي بالوفيات» (٢/ ١٩٦) و«أعيان العصر» (٤/ ٣٧٠). وسماه ابن رجب في «ذيل طبقات الحنابلة» (٥/ ١٧٥) «بيان الدليل على استغناء المسابقة عن التحليل»، وأبوه من قبل في معجم شيوخه، كما في «المنتقى» (ص ١٠١).
وقد أحال ابن القيم في موضع (٥/ ٤١٧) على كتاب لم يسمه، فقال: «وأبعد الناس من الأخذ بذلك الشافعي رحمه الله تعالى مع أنه اعتبر قرائن الأحوال في أكثر من مائة موضع. وقد ذكرنا منها كثيرا في غير هذا الكتاب». ويظهر أن المقصود به كتابه «الطرق الحكمية في السياسة الشرعية» (١/ ٤٨ - ٦٣).
٦ - سمّى المؤلف فيه شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أكثر من مائة مرة، ونقل من أقواله وأخباره وأحواله، وأشار إلى بعض مصنفاته، بل ساق

المقدمة / 9

بعض قواعده وأجوبته بنصها، وسيأتي تفصيلها في مبحث موارد الكتاب.
٧ - تضمن الكتاب مباحث كثيرة وآراء واجتهادات للمؤلف ذكرها في كتبه الأخرى أيضا وبلفظ قريب مما جاء هنا بعض الأحيان؛ وقد نبهنا عليها في تعليقاتنا، فنكتفي هنا بالإشارة إلى بعضها:
- التعليل في كتاب الله العزيز: ذكر المؤلف في (١/ ٣٩٠ - ٣٩٢) الأدوات والطرق التي استعملت في القرآن الكريم لبيان الأسباب والعلل مع أمثلتها. وترى هذا البحث في «الداء والدواء» (ص ٣١ - ٣٤) و«مفتاح دار السعادة» (٢/ ٩١٣ - ٩١٥) و«مدارج السالكين» (٣/ ٤٦١) و«شفاء العليل» (ص ١٨٨ - ١٩٨).
- كلام المؤلف في حكومة داود وسليمان ﵉ في الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم، وأقوال العلماء في المسألة وترجيح الحكم السليماني في ضمان النفش والمثل، تراه بلفظ مقارب في كتابنا هذا (٢/ ١٣٣ - ١٣٦) و«تهذيب السنن» (٣/ ١٣٦ - ١٣٨). وانظر أيضا: «مفتاح دار السعادة» (١/ ١٥٥).
- ذهب في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] إلى أن الله سبحانه رتب فيها المحرمات أربع مراتب وبدأ بأسهلها، فالقول على الله بغير علم أشد المحرمات (١/ ٨٠ - ٨١) ونجد هذا التفسير نفسه في «مدارج السالكين» (١/ ٣٧٨).
- كثير من أمثال القرآن الكريم التي فسرها في كتابنا هذا، تكلم عليها في مؤلفاته الأخرى أيضا بنحو ما جاء هنا، كالمثلين المائي والناري في قول

المقدمة / 10

الله تعالى في سورة الرعد [١٧]: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ فسرهما في هذا الكتاب (١/ ٣١١ - ٣١٣) و«طريق الهجرتين» (١/ ٢٢٢ - ٢٢٣) و«مفتاح دار السعادة» (١/ ١٦٤ - ١٦٦) و«الوابل الصيب» (ص ١٣٣ - ١٣٤) و«إغاثة اللهفان» (١/ ٣١).
وكذلك تكلم في (١/ ٢٩٤ - ٢٩٧) على الآيات الأخيرة (٧٨ - ٨٣) من سورة يس، فقال: «فتضمنت هذه الآيات عشرة أدلة»، ثم فصّلها. وفسّر هذه الآيات في «الصواعق المرسلة» (٢/ ٤٧٣ - ٤٧٧) أيضا، وذكر سبعة أدلة من هذه دون تصريح بعددها.
وقول الله سبحانه في سورة النور [٣٩ - ٤٠]: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ فيه مثلان لأعمال الكفار، وقد شرحهما المؤلف في كتابِنا (١/ ٣١٦ - ٣٢١) و«اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ٢٧ - ٣٩)، ولا فرق بين الموضعين إلا في الإجمال والتفصيل، أما التفسير فهو هو.
ونكتفي بهذا القدر، والحق أن إفاضة القول في باب النسبة تحصيل حاصل، فإن الكتاب بمقاصده ومباحثه ومنهجه وأسلوبه ينادي باسم مؤلفه، ولا يخطئ في ذلك من له شيء من الأنسة بكتبه.
* * * *

المقدمة / 11

تحرير عنوان الكتاب
لم ينص المؤلف على عنوان كتابه في مقدمته، ولكنه أحال عليه في ثلاثة كتب من مؤلفاته باسم «المعالم» يعني: «معالم الموقعين عن ربِّ العالمين»، كما سبق في المبحث السابق. أما كتب التراجم ومخطوطات الكتاب فورد فيها هذا العنوان وعنوان آخر اشتهر به الكتاب، ولا فرق بينهما إلا في الكلمة الأولى، ولا شك أن كليهما من تسمية المؤلف. ولكن قبل أن نتكلم على العنوان المشهور، نبدأ بالجزء الثاني منه الذي لا خلاف فيه، فمن الموقِّعون عن رب العالمين؟
للإجابة عن هذا السؤال نرجع إلى كتاب المؤلف: «التبيان في أيمان القرآن» الذي يقول فيه، وهو يذكر أنواع الأقلام (ص ٣٠٦، ٣٠٧): «والقلم الثالث: قلم التوقيع عن الله ورسوله، وهو قلم الفقهاء والمفتين. وهذا القلم أيضًا حاكم غير محكوم عليه، فإليه التحاكم في الدماء والأموال والفروج والحقوق. وأصحابُه مخبِرون عن الله بحكمه الذي حكم به بين عباده». والقلم السابع عنده: «قلم الحكم الذي تثبت به الحقوق، وتنفَّذ به القضايا، وتراق به الدماء، وتؤخذ به الأموال والحقوق من اليد العادية، فتُرَدُّ إلى اليد المحقّة، وتثبت به الأنساب، وتنقطع به الخصومات». فهذا قلم القضاة. ثم يذكر النسبة بين القلمين، فيقول: «وبين هذا القلم وقلم التوقيع عن الله عموم وخصوص: فهذا له النفوذ واللزوم، وذاك له العموم والشمول».
وفي مقدمة كتابنا هذا قسم المؤلف علماء الأمة إلى ضربين: أحدهما حفاظ الحديث وجهابذته، والثاني: فقهاء الإسلام ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام. ثم قال في علو منزلتهم وما يشترط وصفهم به (١/ ١٧):

المقدمة / 13

«ولما كان التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلمَ بما يبلغ والصدقَ فيه، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق؛ فيكون عالمًا بما يبلِّغ، صادقًا فيه. ويكون مع ذلك حسن الطريقة، مرضيَّ السيرة، عدلًا في أقواله وأفعاله، متشابه السرِّ والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله. وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحلِّ الذي لا يُنكَر فضله، ولا يُجهَل قدرُه، وهو من أعلى المراتب السنيَّات، فكيف بمنصب التوقيع عن ربِّ الأرض والسماوات؟ ... وَلْيعلم المفتي عمن ينوب في فتواه، وَلْيوقن أنه مسؤول غدًا وموقوف بين يدي الله».
وقال في آخر الكتاب في الفائدة الثامنة عشرة من الفوائد المتعلقة بالفتوى (٥/ ٥٩): «فخطرُ المفتي عظيم، فإنه موقِّع عن الله ورسوله، زاعم أن الله أمر بكذا، وحرّم كذا، وأوجب كذا».
نصوص المؤلف هذه صريحة في أن المقصود بالموقِّعين عن ربِّ العالمين في عنوان الكتاب: الفقهاء والمفتون. وإذا دخل فيهم القضاة، فإنما يدخلون للنسبة المذكورة بين قلمهم وقلم المفتين.
فإذا ألقينا نظرة خاطفة على المطالب العظيمة التي دار عليها الكتاب، مثل تحريم الإفتاء في دين الله بغير علم وبالرأي المخالف للنص، وأقسام الرأي والاستصحاب والقياس، وبيان أنه ليس في الشريعة ما يخالف القياس، وشمول النصوص للأحكام، وشرح كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري، وتفصيل القول في التقليد، وتغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة وغيرها، وسدّ الذرائع، والكلام على الحيل وغيرذلك، ثم ختم الكتاب بفوائد بلغ عددها تسعين فائدة تتعلق بالفتوى والمفتي، ثم أورد

المقدمة / 14

إعلام الموقعين عن رب العالمين | اصول