* هِمَّةٌ عَجِيبَةٌ:
هَلْ تَرَوْنَ كُلَّ هَذِهِ المَصَائِبَ والأَهْوَالَ أثَّرَتْ في عَزِيمَةِ الرَّسُولِ ﷺ؟ أَوْ نَقَصَتْ مِنْ إيمَانِهِ بِدَعْوَتِهِ وحَمَاسَتِهِ لَهَا؟
. . . واسْتَمَرَّ هَذَا البَلَاءُ، وامْتَدَّ، لَا يَوْمًا وَلَا يَوْمَيْنِ، وَلَا أُسْبُوعًا، وَلَا شَهْرًا، امْتَدَّ سَنَوَاتٍ طِوَالًا، وَلَوْ أَنَّ رَجُلا غَيْرَ الرَّسُولِ ﷺ، لقالَ: حَسْبِي. لَقَدْ عَمِلْتُ مَا عَلَيَّ، وبَذَلْتُ الجُهْدَ، فَإِذًا النَّجَاحُ مُسْتَحِيلٌ، وَقَدْ آنَ لِي أَنْ أَنْسَحِبَ، وَأَقْعُدَ في بَيْتِي.
ولَكِنَّ الِانْسِحَابَ لَا مَكَانَ لَهُ في مَنْهَجِ الرَّسُولِ ﷺ، وكَلِمَةُ مُسْتَحِيلٌ لَا وُجُودَ لَهَا في مُعْجَمِهِ ﷺ، وَإِذَا لَمْ يَنْجَحْ في مَكَّةَ فَلْيَنْتَقِلْ إِلَى غَيْرِهَا. فَإِنَّ الدَّعْوَةَ لِلدُّنْيَا كُلِّهَا، وَلِلْعُصُورِ كُلِّهَا (١).
* تَضَرُّعٌ وَدُعَاءٌ:
وَهُنَا وَقَدْ بَلَغَ الهَوْلُ هَذَا المَبْلَغَ، دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دُعَاءً، مَا تَلَوْتُهُ مَرَّةً إِلَّا فَاضَتْ عَيْنَايَ، ومَا أَحْسَبُ أَحَدًا يَسْمَعُهُ ويَفْهَمُهُ، يَمْلِكُ قَلْبَهُ أَنْ يَسِيلَ مِنَ الرِّقَّةِ دَمْعًا مِنْ عَيْنَيْهِ (٢).
فَلَمَّا اطْمَأَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الْحَائِطِ تَوَجَّهَ إِلَى رَبِّهِ ﷾ بِهَذَا
(١) انظر كتاب رجال من التاريخ للشيخ علي الطنطاوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ٢٦.
(٢) انظر كتاب رجال من التاريخ للشيخ علي الطنطاوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ٢٦.