The Correct Opinion on Marrying the Mothers of Missing Men's Children
القول الصواب في تزويج أمهات أولاد الغياب
Editor
أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني
Penerbit
الفاروق الحديثة للطباعة والنشر
Edisi
الأولى
Tahun Penerbitan
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
القول الصواب في تزويج أمهات أولاد الغياب
2 / 571
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله نحمده ونستعينه ونستهديه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
هذه حادثة حدثت في الفتاوى وهي: أم ولد لرجل غاب عنها من نحو ثمان سنين أو أكثر، ولم يوقف له عَلَى خبر، وكان سفره من الشام إِلَى العراق في قافلة نهبت، وأُخذ أكثر أموال أهلها، وقتل منهم عدد كثير، فهل يجوز أن تتزوج أم ولده والحالة هذه أم لا؟
فالجواب عن هذه المسألة مبني عَلَى أصلين:
أحدهما: تزويج امرأة المفقود، وفيها قولان مشهوران:
أحدهما: أنها تتربص أربع سنين أكثر مدة الحمل، ثم تعتد للوفاة، ثم تتزوج، وهذا مروي عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وسعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن وقتادة والزبير والأوزاعي، ومالك، وابن الماجشون، وأهل المدينة، وأحمد، وإسحاق. وأبي عبيد والشافعي في القديم، وأبي خيثمة، وسليمان بن داود الهاشمي، وعلي بن المديني، وفقهاء الحديث.
والقول الثاني: تنتظر أبدًا حتى يتبين خبره، وروي عن علي ﵁، وأنكر الإمام أحمد صحته عنه، وهو قول الكوفيين كالنخعي وابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبي حنيفة وأصحابه والثوري، إليه ذهب الشافعي في الجديد، وروي ﴿عن﴾ (١) أبي قلابة، وحكي رواية عن أحمد، ومن أصحابه من لم يثبتها عنه؛ فإن المشهور عنه القول الأول، وقد أنكر قول من حكى عن خلافه.
(١) سقطت من "الأصل"، والصواب إثباتها.
2 / 573
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: إِنَّ إنسانًا قال: إِنَّ أبا عبد الله ترك قوله في المفقود، فضحك وقال: ومن ترك هذا القول فبأي شيء يقول؟ !
قال: وقال لي أبو عبد الله: ما أعجب من لا يفتي هنا! يذهبون بأقوال الناس ويحبسون المرأة المسيكينة أبدًا لا تتزوج؟ ! قيل: يَقُولُونَ: يطمع. قال: من يطمع بعد هذا الأجل؟ قال: وقال خمسة من أصحاب النبي ﷺ يفتون يَقُولُونَ: تزوج امرأة المفقود. قال: وهو مروي من عمر ﵁ من ثمانية أوجه.
قِيلَ لَهُ فروي عن عمر خلاف هذا؟ قال: لا، إلا أن يكون إنسان يكذب.
وقال أبو داود في "مسائله": سمعت أحمد قِيلَ لَهُ: في نفسك من المفقود شيء، فإن فلانًا وفلانًا لا يفتيان به؟
فَقَالَ: ما في نفسي منه شيء، هذا خمسة من أصحاب النبي ﷺ أمروها بالتربص، قال أحمد: هذا من ضيق العِلْم.
قال أبو داود: يعني ضيق علم الرجل أن لا يتكلم في المفقود. قال: وسمعته يقول: هذا عندي من ضيق العِلْم أن لا يتكلم في المفقود، وفيمن ليست عنده نفقة -يعني: في الفسخ.
والكلام في أدلة هذه المسأله من الجانيين واستيعاب تفاريع القولين يطول جدًّا، وليس غرضنا الآن تقرير ذلك، لكن القائلون بتزويج امرأة المفقود منهم من يقول: صرنا إِلَى ذلك متابعة لقضاه الخلفاء الراشدين، وإن كان عَلَى خلاف القياس.
ومنهم من يقول: بل هو عَلَى وفق القياس.
2 / 574
ثم منهم من يقول: لما ظهرت أمارات موته حكم عليه بحكم الميت واكتفي بذلك، كما يكتفى باشتهار موته بالاستفاضة وشهادة عدلين، ونحو ذلك مما لا يوقف معه عَلَى القطع، وهذا قول كثير من أصحابنا وغيرهم.
ومنهم من يقول: إِنَّمَا فسخ لرفع الضرر الحاصل بحبس الزوجة أبدًا، وهو قول مالك وبعض أصحابنا.
ومنهم من يقول: بل لما جهل بقاؤه جاز التصرف في أهله، وماله موقوف عَلَى إجازته عند ظهوره، كما لو جهل عين رب المال ابتداء كاللقطة ونحوها.
﴿الأصل الثاني﴾ (١): أن مال المفقود هل يقسم إذا حكم بجواز تزوج زوجته أم لا؟ وفيه قولان:
أحدهما: أنه يقسم بين مستحقيه من الورثة وغيرهم -وهو قول الحسن وقتادة، والزهري وأحمد وإسحاق- لحكمهم بموته ظاهرًا.
والثاني: لا يقسم ماله؛ بل يوقف، وهو قول من يقف الزوجة كما سبق، وقول من يبيح المزوجة النكاح لتضررها بانتظار زوجها أبدًا، كمالك والشافعي في القديم.
والأوّل ﴿هو﴾ (٢) المأثور عن الصحابة ﵁ أيضًا.
وروى الإمام أحمد -فيما نقله عنه ابنه صالح- في "مسائله" (٣) ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرني ابن جريج، قال: أخبرني عطاء الخراساني، عن الزهري: "أن عمر وعثمان قالا في امرأة المفقود: تتربص أربع سنين ثم تعتد أربعة أشهر وعشرًا، ويقسم ميراثه".
وخرَّج الجوزجاني، من طريق عمر بن هبيرة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: "إِنَّ امرأة المفقود تستقرض وتنفق؛ فإن جاء زوجها قضى ذلك، وإن لم يأت فهو من نصيبها".
(١) بياض بالأصل والمثبت يناسب السياق.
(٢) في "الأصل": و.
(٣) (٣/ ١٢٠).
2 / 575
وهذا يدل عَلَى أنه يرى قسمة ماله بين الورثة.
إذا تقرر هذان الأصلان فلنرجع إِلَى الكلام عَلَى أم ولد المفقود فنقول: من قال بوقف مال المفقود وأزواجه؛ فلا شك في أنه يوقف أم ولده أيضًا.
وأما من أباح التزويج لأزواجه ولم يقسم ماله كمالك؛ فإنه يحتمل عَلَى أصله أن يقف أم ولده؛ لأنها مال، ويحتمل أن لا يقفها؛ لأنّ في إيقافها عن النكاح من الضرر كالزوجة، ولهذا يغلب عنده عَلَى أم الولد حكم الحرة، فلا تضمن عنده بغصب، ولا بالعقد الفاسد.
وأما من أباح نكاح زوجاته وقسمة ماله كأحمد، فلا وجه عنده للتوقف في نكاح أم ولده، وذلك لأنّ المغلب عند أصحابنا فيهم حكم المال، ولهذا يضمن عندهم بالغصب، ومن متأخريهم من قال: وبالعقد الفاسد أيضًا.
وعلى تقدير تغليب حكم الأحرار عليها فليلحق بالزوجة لما في انتظارها لسيدها أبدًا من الضرر.
وقد ذكر أبو داود في "مسائله" باب المفقود، ثم ذكر عن أحمد في زوجة المفقود أنها تتربص أربع سنين ثُم تعتد وتتزوج، ثم قال: سمعت أحمد سئل عن المفقود يقدم وقد تزوج أمهات ولده قال: يردون إِلَيْهِ، ثم ذكر كلام أحمد في قسمة مال المفقود بعد هذا.
فانظر إِلَى ترتيب أبي داود، كيف أدخل حكم أمهات ﴿أولاده﴾ (١) بين الزوجات والمال لترددها بينهما، ولو كان أحمد لا يرى جواز تزويج أمهات أولاده لأنكر تزويجهن، وقال: لم يكن يجوز ذلك، أو ما يدل عَلَى هذا المعنى.
وأيضًا فأبو داود لما ساق من كلام أحمد جواز تزويج زوجة المفقود كان تقريرًا منه لجواز تزويج أمهات أولاده، فلم يحتج إِلَى التصريح بجوازه، وإنما ساق أحكامه التي يحتاج إِلَى معرفتها لمخالفتها حكم تزويج الزوجة.
(١) في "الأصل": "أوده" وهو تصحيف.
2 / 576
وممن روي عنه جواز تزويج أم ولد المفقود صريحًا: الحسن البصري.
قال حرب: ثنا عبد الله بن معاذ، ثنا أبي، ثنا أشعث بن عبد الملك، عن الحسن قال: إِن تزوجت أم ولد المفقود فهو أحق بها، وولدها بمنزلتها، ولا تتزوج هي حتى يمضي لها أربع سنين.
وقد روي عن عثمان وعلي أنهما قضيا في أم الولد إذا تزوجت لفقد سيدها ثم جاء سيدها أن الزوج يفدي ولده.
فروى الجوزجاني، ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن أبي المليح، عن، سهيمة ابنة عميرة "أن زوجها صيفي بن قتيل أسر في خلافة عثمان، فتزوجت هي وأمهات أولاده، فجاءوا عثمان وهو محصور، فسألوه، فَقَالَ: ألا ترون عَلَى أي حال أنا؟ ! فقلنا: بلى يا أمير المؤمنين، فَقَالَ: أرى أن يخير بين الصداق وبين امرأته، وترد عليه أمهات أولاده، وعلى الآباء أن يفادوا أولاده، فلما قتل عثمان ﵁ وقام علي أتيناه فسألناه، فَقَالَ مثل ذلك، فأعطيته ألفين وأعطاه زوجي ألفين".
وروى هذا الحديث سعيد عن قتادة، عن أبي المليح "أن الحكم بن أيوب بعثه إِلَى سهيمة فسألها، فحدثت أن زوجها صيفيًّا قُتل، فتزوجت بعده العباس بن طريف القيسي، ثم إِنَّ الزوج الأول قدم، فأتينا عثمان بن عفان وهو محصور فأشرف علينا ثم قال: كيف أقضي بينكم وأنا عَلَى هذه الحال؟ ! فقلنا: قد رضينا بقولك، فقضى أن يخير الزوج الأول بين المرأة وبين الصداق فرجعنا، فلما قتل عثمان أتينا عليًّا فخير الزوج الأول بين الصداق وبين المرأة فاختار الصداق، وكانت له أم ولد فتزوجت بعده وولد لها أولاد من زوجها الآخر، فردها عليه وأولادها، وجعل لأبيهم أن يَفْتكّهُم (١) إِنَّ شاء".
وقال أيوب: "جعل أولادها لأبيهم".
خرجه الأثرم ومحمد بن سعد في "الطبقات" (٢)، وخرّجه الخلال في
(١) أي: يعتقهم، من الفكاك وهو العتق.
(٢) (٨/ ٤٧١).
2 / 577
"العلل" وذكر عن الميمونى، عن أحمد أنه قال: حماد بن زيد يجوده ويفسره.
وهذا يدل عَلَى ترجيح أحمد رواية حماد بن زيد، عن أيوب عَلَى رواية قتادة هذه.
وقد عد أحمد في رواية الأثرم هذا الحديث من جملة أحاديث امرأة المفقود، فدل عَلَى أنه رأى أن نعي هذه المرأة (لها هو أثرها وانقطاع خبره) (١) الَّذِي فسره حماد بن زيد في روايته، وهذه بلغها مع ذلك موته من وجه لا يثبت مجرده فانضم ذلك إِلَى انقطاع خبره، وهذا القضاء من عثمان وعلي ﵄ يدل عَلَى أنهما رأيا الحكم بحرية ام الولد عند فقد سيدها ظاهرًا، فلذلك قضيا بفداء الزوج ولده منها، كما يفدي المغرور بحرية أمته ولده منها عند ظهور سيدها، فإن من تزوج أمة يعلم رقها كان ولده منها رقيقًا لا يفدون إلا باختيار سيد الأمة بخلاف المغرور، وهذا الاستدلال ظاهر عَلَى رواية حماد عن أيوب أن عليًّا وعثمان قضيا بفداء الأولاد حتمًا.
وأما سعيد عن قتادة؛ فإنه جعل عليًّا وحده هو القاضي في ذلك، وأنه رد الأولاد عَلَى سيد أم الولد، وجعل لأبيهم أن يَفْتَكَّهم إِنَّ شاءوا، وهذا عَلَى تقدير أن يكون محفوظًا؛ فإنه قد يحمل عَلَى أن المغرور لا يحكم بحرية ولده إلا فكاكهم، وهو رواية عن أحمد.
قال أحمد في رواية حنبل في أمة قالت: إني حرة، فتزوجها فولدت منه أولادًا قيل للأب: أفتكَّ ولدك هؤلاء وإلا هم يتبعون الأم.
فظاهر هذه الرواية أن ولد المغرور بالحرية ينعقدون أرقاء، وإنما الأب يفتكهم بالفداء فيعتقون عليه، وظاهر ما روي عن علي يدل عَلَى أن الأب لا يجب عليه الافتداء، كما لا يجب عليه شراء ولده إذا رآه يباع، وقد يحمل عَلَى وجه آخر وهو أن من تزوج أم ولد فقد (....) (٢) سيدها؛ فإنه أقدم عَلَى نكاح أمة حكم بعتقها بسبب ظاهر، مع جواز ظهور بقاء رقها
(١) كذا! !
(٢) بياض بالأصل.
2 / 578
بظهور سيدها. فلم يدخل عَلَى نكاح حرة في نفس الأمر، فلهذا كان ولدها منه تبعًا لها في حريتها الظاهرة ورجوعهم إلي الرق بظهور السيد، وهذا بخلاف الغرور الَّذِي لم يشعر برق المرأة المغرور بحريتها بالكلية، وبخلاف من شهد بموته اثنان، فحكم بعتق أم ولده ثم ظهر حيًّا؛ لأنّ العتق هنا استند إِلَى بينة شرعية، يجب العمل بها، بخلاف الحكم بعتق أمهات أولاد المفقود، فإنه إِنَّمَا استند عليه ظن مجرد.
وعلى هذين المحملين يحمل كلام الحسن البصري في قوله: ولدها بمنزلتها.
ونقل مهنا عن أحمد في أم ولد غاب عنها، فمكثت سنتين، ثم جاءها الخبر أنه قد مات. فزوجها، أخوها، فدخل بها وولدت منه، ثم جاء سيدها، لمن يكون الولد؟ قال: للآخر، ﴿وعلى﴾ (١) الَّذِي زوجها قيمة الولد، يدفعه إِلَى السيد. فقلت له: وترجع إِلَى سيدها؟ قال: نعم".
فهذه المسألة إِن حملت عَلَى أنها زوجت بخبر ثبت به الموت شرعًا كانت مما نحن فيه.
وإن حملت عَلَى أعم من ذلك دخلت فيه أم ولد المفقود، وأيضًا فقصة عثمان وعلي ﵄ تدل عَلَى جواز نكاح أم ولد المفقود عند إباحة نكاح نسائه ﴿لأنّ﴾ (٢) وقوع ذلك في كلام عثمان إِنَّمَا يكون بعلمه وإذنه غالبًا، فإن مثل هذه القضايا المشكلة لا يفتات فيها عَلَى الإمام، وقد تنازع العُلَمَاء في توقيفها عَلَى إذن الإمام عَلَى قولين مشهورين، هما روايتان عن أحمد.
ولو قدر أنها لم تكن بإذن عثمان فالظاهر أنها كانت عن فتاوى أعيان علماء الصحابة. وأسوأ ما تقدر أن ذلك وقع عن غير فتيا ولا حكم، لكنه لم ينكر مع ظهوره واشتهاره.
(١) في "الأصل": "وعن" والمثبت أنسب للسياق.
(٢) في "الأصل": "لا" والمثبت أنسب للسياق.
2 / 579
والمعنى في جواز نكاح أمهات أولاد المفقود أنه إما أن يشبهن بالزوجات فلا يحبسن عَلَى مولاهن؛ لما فيه من الضرر كضرر الزوجات، فيتعين أنه يجوز لهن النكاح؛ دفعًا عن الضرر، ويوضح هذا أن الإماء يجب عَلَى سيدهن إعفافهن، إما بالوطء إِن أمكن، وإما بالتزويج، وإما أن يبيعهن لمن يقوم مقامه في ذلك إِن أمكن البيع.
وأمهات الأولاد لا يمكن فيهن البيع فيتعين إعفافهن بأحد الأمرين الأولين، والغائب قد يتعذر الإعفاف منه بالوطء فيتعين وجوب إعفافهن بالنكاح إِن طلبنه، وهذا ينقضي جواز إنكاح الحاكم لهن مع الغيبة المطلقة.
وإن لم يكن السيد مفقودًا؛ بل حصل لهن الضرر بترك الوطء، فقد صرح بذلك القاضي أبو يعلى في "الجامع الكبير" وإن الحاكم يزوج إماء الغائب إذا طلبن ذلك، وكانت غيبته منقطعة بحيث يجوز للولي الأبعد تزويج الحرة مع غيبة الولي الأقرب، فَإِذَا كان هذا في الغائب دون المفقود، فالمفقود أولى وأحرى أن يزوج أمهات أولاده.
وأما إِن تشبهت -أعني أمهات الأولاد- بالإماء القن (١) تغليبًا للمالية فيهن وهو مقتضى كلام أصحابنا في تضمينهن بالغصب ﴿والعقد﴾ (٢) كما سبق ذكره، فيجب حينئذ أن يحكم فيهن بحكم المال، ومعلوم أن ماله يقسم عند الإمام أحمد إذا مضت مدة انتظاره كما سبق ذكره.
وإذا وجب قسمته فإنه يجب قسمته عَلَى مقتضى قسمة سائر التركات، فيبدأ بإخراج ما يخرج من رأس المال من ديون ونحوها، ثم بما يخرج من الثلث من الوصايا ونحوها، ثم يقسم الباقي بين الورثة عَلَى حكم الميراث.
(١) العبد القنّ: الَّذِي وُلد عندك، ولا يستطيع أن يخرج عنك. والأنثى: قنّ بغير هاء. قال الأصمعي: القن: الَّذِي كان أبوه مملوكًا لمواليه، وكأن القن مأخوذ من القنية. "اللسان" مادة: (قنن).
(٢) في "الأصل": "اليد".
2 / 580
وقول الأصحاب: يقسم ماله بين ورثته مرادهم به أنه يقسم عَلَى حكم سائر المواريث، لم يريدوا أنه يقسم جميعه عَلَى الورثة، ولا يخرج منه ما يخرج من رءوس الأموال، فإن هذا لا يقوله عاقل، وبعضهم صرح به يقسم بين الغرماء والورثة، منهم ابن عقيل وغيره، وهذا واضح لا خفاء به، ومعلوم أن عتق أمهات الأولاد يتعين إخراجه من رأس المال قبل الديون وغيرها، ولهذا لو مات المفلس وعليه ديون، ولم يخلف غير أم ولده لعتقت ولم يتخلص فيها الغرماء، فكيف يتوهم متوهم أن مال المفقود يوفى منه ديونه، ويترك أمهات أولاده يعتقن، وعتقهن يقدم عَلَى الديون؟ أم كيف يتوهم متوهم أن ماله يقسم بين ورثته ولا تخرج منه ديونه ولا تنفذ منه وصاياه؟
فإن قيل: ما الفرق بين توريث المال والحكم بالعتق؟
أما توريث المال لم يشترط له تعين حياة الوارث ولا الموروث عند أحمد بدليل أنه يورث الغرقاء والهدماء بعضهم من بعض، ويورث المفقود من مال مورثه الَّذِي مات في مدة انتظاره في أحد الوجهين لأصحابه وقد قيل: إِنَّ في كلامه إيماء إِلَيْهِ، فلذلك لا يعتبر له تعين وفاة الموروث.
وأما العتق فلا يحكم به مع الشك في وقوعه، كما لا يحكم بالطلاق مع الشك فيه.
قيل: قسمة مال المفقود عند الإياس من قدومه مشبه بملك اللقطة بعد حول التعريف للإياس من الاطلاع عَلَى مالكها، وكلاهما جائز لما في قسمة المال والتصرف فيه من المصلحة، ولما في ﴿إمساكه﴾ (١) وحبسه من الفساد وتعرضه لاستيلاء الظلمة عليه، وذلك هو الواقع في هذه الأزمان لا محالة، وكلاهما يجوز من غير استئذان حاكم، وقد نص عليه أحمد في رواية أبي داود في مال المفقود، مع تردده في رفع أمر زوجته إِلَى الحاكم، وكلاهما
(١) في "الأصل": "إنفاقه" والمثبت أنسب للسياق.
2 / 581