Tafsiran Masalah Al-Quran

تأويل مشكل القرآن

Editor

إبراهيم شمس الدين

Penerbit

دار الكتب العلمية

Lokasi Penerbit

بيروت - لبنان

Wilayah-wilayah
Iraq
•
تقديم
تاويل مشكل القران بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحبه الكرام المنتجبين.
وبعد، يقول الله تعالى في كتابه العزيز: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) [الإسراء: ٩]، ويقول تعالى:
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسارًا (٨٢) [الإسراء: ٨٢]، ويقول تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) [الإسراء: ٨٨]، ويقول تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) [القمر: ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠] .
للقرآن الكريم أكبر شأن في أمر الإسلام والمسلمين، فهو هديهم في شريعتهم، وهو المنار الذي يستضاء به في أساليب البلاغة العربية، بل هو المنبع الصافي الذي ينهلون منه فلسفتهم الروحية والخلقية، وهو بالجملة الموجّه لهم في الحياة والمعاملات وشتى مظاهر الحياة.
فلا عجب أن يكون القرآن الكريم موضع عناية المسلمين منذ القدم، فقد تتابعت أنواع التآليف في أحكامه وفي تفسيره وفي بلاغته وفي لغته وفي إعرابه، حتى لقد ازدهرت في الثقافة الإسلامية ضروب من العلوم والفنون حول القرآن الكريم وتحت رايته.
هذا كتاب «تأويل مشكل القرآن» للإمام أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المتوفى سنة ٢٧٦ هـ. وهو كتاب فريد في بابه ويعتبر من أوائل الكتب

1 / 3

التي بحثت في مشكل القرآن الكريم، والشكوك التي تثار حوله، والمطاعن التي تسدد نحوه.
يقول ابن قتيبة: «قد اعترض كتاب الله بالطعن ملحدون، ولغوا فيه وهجروا، واتبعوا ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ بأفهام كليلة، وأبصار عليلة، ونظر مدخول، فحرّفوا الكلام عن مواضعه، وعدلوه عن سبله، ثم قضوا عليه بالتناقض، والاستحالة في اللحن، وفساد النظم، والاختلاف، وأدلوا في ذلك بعلل ربما أمالت الضعيف الغمر، والحدث الغر، واعترضت بالشبه في القلوب، وقدحت بالشكوك في الصدور ... فأحببت أن أنضح عن كتاب الله، وأرمي من ورائه بالحجج النيرة، والبراهين البينة، وأكشف للناس ما يلبسون، فألّفت هذا الكتاب جامعا لتأويل مشكل القرآن، مستنبطا ذلك من التفسير بزيادة في الشرح والإيضاح، وحاملا ما أعلم فيه مقالا لإمام مطلع على لغات العرب، لأري المعاند موضع المجاز، وطريق الإمكان، من غير أن أحكم فيه برأي، أو أقضي عليه بتأويل، ولم يجز لي أن أنص بالإسناد إلى من له أصل التفسير، إذ كنت لم أقتصر على وحي القوم حتى كشفته. وعلى إيمائهم حتى أوضحته، وزدت في الألفاظ ونقصت، وقدّمت وأخّرت، وضربت لذلك الأمثال والأشكال، حتى يستوي في فهمه السامعون» .
أما عملنا في هذا الكتاب فهو:
أولا: وضع ترجمة وافية للمؤلف.
ثانيا: حرصنا بقدر الطاقة على تنقية النص من الأخطاء المطبعية.
ثالثا: شرحنا في حواشي الكتاب ما في متنه من غريب اللغة أو صعب المتناول منها، وذلك استنادا إلى المعاجم اللغوية المشهورة.
رابعا: وضعنا في حواشي الكتاب تعريفا وافيا- مع ذكر المراجع- لجميع الأعلام، وما أهملناه من ذلك إما معروف مشهور، ولم نجد ضرورة لنافل القول فيه، وإما لم نهتد إليه فيما بين أيدينا من المصادر والمراجع. وقد أشرنا إلى ذلك أيضا.
خامسا: خرّجنا جميع الأحاديث النبوية والآثار تخريجا وافيا، وضبطنا نص الحديث استنادا إلى كتب الحديث المعتبرة.
سادسا: خرّجنا جميع الشواهد الشعرية في مظانها.

1 / 4

سابعا: خرّجنا جميع الأمثال في مظانها.
ثامنا: خرّجنا جميع الآيات القرآنية الكريمة على المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم.
وأخيرا، نرجو أن يكون عملنا هذا خالصا لوجهه تعالى، ولله الكمال وحده، وهو ولي التوفيق.
إبراهيم شمس الدين

1 / 5

ترجمة ابن قتيبة الدينوري
«١» هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة بن مسلم، المروزي الدينوري، أصله من أسرة فارسية كانت تقطن مدينة «مرو»، ولد سنة ٢١٣ هـ. في أواخر خلافة المأمون، ونشأ في بغداد، وتتلمذ على يد عدد كبير من العلماء وأعلام عصره، منهم:
١- أحمد بن سعيد اللحياني.
٢- أبو عبد الله، محمد بن سلّام الجمحي البصري، المتوفى سنة ٢٣١ هـ.
٣- أبو يعقوب، إسحاق بن إبراهيم، المعروف بابن راهويه المتوفى سنة ٢٣٨ هـ.
٤- حرملة بن يحيى التجيبي، المتوفى سنة ٢٤٣ هـ.
٥- القاضي يحيى بن أكتم المتوفى سنة ٢٤٢ هـ.
٦- أبو عبد الله، الحسين بن الحسين بن حرب السلمي المروزي المتوفى سنة ٢٤٦ هـ.
٧- دعبل بن علي الخزاعي، المتوفى سنة ٢٤٦ هـ.
٨- أبو عبد الله، محمد بن محمد بن مرزوق بن بكير بن البهلول الباهلي البصري، المتوفى سنة ٢٤٨ هـ.
٩- أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان الزيادي، المتوفى سنة ٢٤٩ هـ.
١٠- أبو حاتم، سهل بن محمد السجستاني، المتوفى سنة ٢٤٨ هـ.

(١) انظر ترجمته في: كشف الظنون ٥/ ٤٤١، البداية والنهاية ١١/ ٥٢- ٥٣، الأعلام للزركلي ٤/ ١٣٧، الأنساب للسمعاني، التهذيب للأزهري ص ١٣، مراتب النحويين لأبي الطيب الحلبي ص ١٣٧، ميزان الاعتدال للذهبي ٢/ ٧٧، لسان الميزان ٣/ ٣٥٨، النجوم الزاهرة ٣/ ٧٥، الفهرست لابن النديم، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ٣٩٢- ٤٦٣، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي ٥/ ١٠٢، وفيات الأعيان لابن خلكان ٢/ ٢٤٦.

1 / 6

١١- محمد بن زياد بن عبيد الله الزيادي البصري، المقلب ببؤبؤ، المتوفى سنة ٢٥٢ هـ.
١٢- أبو يعقوب، إسحاق بن إبراهيم بن محمد الصواف الباهلي البصري، المتوفى سنة ٢٥٣ هـ.
١٣- أبو عثمان الجاحظ، عمرو بن بحر بن محبوب، المتوفى سنة ٢٥٤ هـ.
١٤- أبو طالب، زيد بن أخزم الطائي البصري، المتوفى سنة ٢٥٧ هـ.
١٥- أبو الفضل، العباس بن الفرج الرياشي، المتوفى سنة ٢٥٧ هـ.
١٦- أبو سهل الصفار، عبدة بن عبد الله الخزاعي، المتوفى سنة ٢٥٨ هـ.
وقد تتلمذ على يدي ابن قتيبة عدد كبير من العلماء، منهم:
١- ابنه أحمد، أبو جعفر أحمد بن عبد الله بن مسلم الدينوري، المتوفى سنة ٣٢٢ هـ.
٢- أحمد بن مروان المالكي، المتوفى سنة ٢٩٨ هـ.
٣- أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان، المتوفى سنة ٣٠٩ هـ.
٤- أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن أيوب بن بشير الصائغ، المتوفى سنة ٣١٣ هـ.
٥- أبو محمد، عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عيسى السكري، المتوفى سنة ٣٢٣ هـ.
٦- أبو القاسم، عبيد الله بن أحمد بن عبد الله بن بكير التميمي، المتوفى سنة ٣٣٤ هـ.
٧- الهيثم بن كليب الشامي، المتوفى سنة ٣٣٥ هـ.
٨- قاسم بن أصبغ الأندلسي، المتوفى سنة ٣٤٠ هـ.
٩- عبد الله بن جعفر بن درستويه الفسوي، المتوفى سنة ٣٥٥ هـ.
١٠- أبو القاسم، عبيد الله بن محمد بن جعفر بن محمد الأزدي، المتوفى سنة ٣٤٨ هـ.
١١- أبو بكر، أحمد بن الحسين بن إبراهيم الدينوري.

1 / 7

١٢- أبو العباس محمد بن علي بن أحمد الكرجي، المتوفى سنة ٣٤٣ هـ.
١٣- أبو رجاء، محمد بن حامد بن الحارث البغدادي، المتوفى سنة ٣٤٣ هـ.
مؤلفات ابن قتيبة
ذكر أصحاب كتب التراجم لابن قتيبة الكثير من المصنفات، وهي:
١- آداب العشرة.
٢- آداب القراءة.
٣- أدب الكاتب.
٤- اختلاف الحديث.
٥- استماع الغناء بالألحان.
٦- إصلاح غلط أبي عبيدة.
٧- إعراب القرآن.
٨- تأويل الرؤيا.
٩- تأويل مختلف الحديث.
١٠- تأويل مشكل القرآن (وهو الكتاب الذي بين أيدينا) .
١١- تقويم اللسان.
١٢- تفسير القرآن.
١٣- جامع الفقه.
١٤- جامع النحو الكبير.
١٥- جامع النحو الصغير.
١٦- الجوابات الحاضرة.
١٧- حكم الأمثال.
١٨- خلق الإنسان.
١٩- دلائل النبوّة.

1 / 8

٢٠- ديوان الكتاب.
٢١- طبقات الشعراء.
٢٢- عيون الأخبار، في الأدب والمحاضرات.
٢٣- عيون الشعر، يحتوي على عشرة كتب.
٢٤- غريب الحديث.
٢٥- غريب القرآن.
٢٦- فرائد الدرر.
٢٧- كتاب آلة الكتابة.
٢٨- كتاب الاختلاف في اللفظ.
٢٩- كتاب الأشربة.
٣٠- كتاب الأنواء.
٣١- كتاب الحكاية والمحكي.
٣٢- كتاب التسوية بين العرب والعجم.
٣٣- كتاب التفقيه.
٣٤- كتاب الجراثيم.
٣٥- كتاب الخيل.
٣٦- كتاب الرد على المشبهة.
٣٧- كتاب الرد على القائل بخلق القرآن.
٣٨- كتاب صناعة الكتابة.
٣٩- كتاب الشعر والشعراء.
٤٠- كتاب الصيام.
٤١- كتاب العلم.
٤٢- كتاب فضل العرب والتنبيه على علومها.
٤٣- كتاب القراءات.

1 / 9

٤٤- كتاب المراتب والمناقب من عيون الشعر.
٤٥- كتاب المسائل والأجوبة.
٤٦- كتاب المعارف، في التاريخ.
٤٧- كتاب الميسر والقداح.
٤٨- كتاب الوحش.
٤٩- كتاب الوزراء.
٥٠- مختلف الحديث.
٥١- مشكلات القرآن.
٥٢- معاني الشعر، يحتوي اثني عشر كتابا، ٥٣- معجزات النبي ﵌.
توفي ابن قتيبة، فيما يقول تلميذه أبو القاسم إبراهيم الصائغ: أنه أكل هريسة، فأصاب حرارة، ثم صاح صيحة شديدة، ثم أغمي عليه إلى وقت صلاة الظهر، ثم اضطرب ساعة، ثم هدأ، فما زال يتشّهد إلى وقت السحر، ثم مات، وذلك أول ليلة من رجب سنة ٢٧٦ هـ.

1 / 10

مقدمه المؤلف
بسم الله الرّحمن الرّحيم قال عبد الله بن مسلم بن قتيبة:
الحمد لله الذي نهج لنا سبل الرّشاد، وهدانا بنور الكتاب، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا [الكهف: ١] بل نزّله قيّما مفصّلا بيّنا لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) [فصلت: ٤٢] وشرّفه، وكرّمه، ورفعه وعظّمه، وسماه روحا ورحمة، وشفاء وهدى، ونورا.
وقطع منه بمعجز التّأليف أطماع الكائدين، وأبانه بعجيب النّظم عن حيل المتكلّفين، وجعله متلوّا لا يملّ على طول التّلاوة، ومسموعا لا تمجّه الآذان، وغضّا لا يخلق على كثرة الرد، وعجيبا.
لا تنقضي عجائبه، ومفيدا لا تنقطع فوائده، ونسخ به سالف الكتب.
وجمع الكثير من معانيه في القليل من لفظه، وذلك معنى
قول رسول الله، ﵌: «أوتيت جوامع الكلم» «١» .
فإن شئت أن تعرف ذلك فتدبر قوله سبحانه: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) [الأعراف: ١٩٩] كيف جمع له بهذا الكلام كل خلق عظيم، لأن في (أخذ

(١) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في المساجد حديث ٧، ٨، وأحمد في المسند ٢/ ٢٥٠، ٣١٤، ٤٤٢، ٥٠١، وابن كثير في تفسيره ٤/ ٧٢، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٧/ ١١٣، وأبو نعيم في دلائل النبوة ١/ ١٤، وسعيد بن منصور في سننه ٢٨٦٢، وابن أبي شيبة في مصنفه ١١/ ٤٨٠، والمتقي الهندي في كنز العمال ٣٢٠٦٨، والعجلوني في كشف الخفا ١/ ١٤، ٣٠٨. وأخرجه بلفظ: «بعثت بجوامع الكلم ونصرت بالرعب» . البخاري ٤/ ٦٥، ٩/ ٤٧، ١١٣، ومسلم في المساجد حديث ٦، والنسائي في المجتبى ٦/ ٣، ٤، وأحمد في المسند ٢/ ٢٦٤، ٤٥٥، والشهاب في مسنده ٥٧٠، ٥٧١، والسيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٥٦، وابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق ٤/ ٤٥٦، وابن كثير في البداية والنهاية ٤/ ١٠٢، ٦/ ٤٨، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٧/ ١١٣، وابن حجر في فتح الباري ١٢/ ٣٩١، ٤٠١، ١٣/ ٢٤٧، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار ٢/ ٣٦٥، والتبريزي في مشكاة المصابيح ٥٧٤٩، وأبو عوانة في المسند ١/ ٣٩٥، وابن عبد البر في التمهيد ٥/ ٢١٩، والمتقي الهندي في كنز العمال ٣١٨٩٩، والقرطبي في تفسيره ١٠/ ٤٩.

1 / 11

العفو): صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين.
وفي (الأمر بالعرف): تقوى الله وصلة الأرحام، وصون اللّسان عن الكذب، وغضّ الطّرف عن الحرمات.
وإنما سمّي هذا وما أشبهه (عرفا) و(معروفا)، لأن كل نفس تعرفه، وكل قلب يطمئنّ إليه.
وفي (الإعراض عن الجاهلين): الصبر، والحلم، وتنزيه النفس عن مماراة السّفيه، ومنازعة اللّجوج.
وقوله تعالى: إذ ذكر الأرض فقال: أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) [النازعات: ٣١] كيف دلّ بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للأنام، من العشب والشجر، والحب والثمر والحطب، والعصف واللّباس، والنّار والملح، لأن النار من العيدان، والملح من الماء.
وينبئك أنه أراد ذلك قوله: مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣) [النازعات: ٣٣] .
وفكّر في قوله تعالى حين ذكر جنات الأرض فقال: يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [الرعد: ٤] كيف دلّ على نفسه ولطفه، ووحدانيته، وهدّى للحجّة على من ضلّ عنه، لأنه لو كان ظهور الثمرة بالماء والتّربة، لوجب في القياس ألا تختلف الطعوم، ولا يقع التّفاضل في الجنس الواحد، إذا نبت في مغرس واحد، وسقي بماء واحد، ولكنّه صنع اللطيف الخبير.
ونحو قوله: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ [الروم: ٢٢] يريد اختلاف، اللّغات، والمناظر، والهيئات.
وفي قوله تعالى: وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [النمل: ٨٨] يريد:
أنها تجمع وتسيّر، فهي لكثرتها كأنها جامدة واقفة في رأي العين، وهي تسير سير السحاب.
وكل جيش غصّ الفضاء به، لكثرته، وبعد ما بين أطرافه، فقصر عنه البصر- فكأنه في حسبان الناظر واقف وهو يسير.
وإلى هذا المعنى ذهب الجعديّ في وصف جيش فقال «١»:

(١) البيت من الطويل، وهو للنابغة الجعدي في ديوانه ص ١٨٧، ولسان العرب (صرد)، وتاج العروس (صرد) والمعاني الكبير ص ٨٩١.

1 / 12