بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإن من توفيق الله ﷾ أن يسَّر لفضيلة شيخنا -تغمده الله بوامع رحمته ورضوانه- تفسير سورة "يس" في دروسه العلمية التي كان يعقدها رحمه الله تعالى بالجامع الكبير في مدينة عنيزة.
وقد عهدت مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية إلى فضيلة الشيخ فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان، أثابه الله، بالعمل لإعداد هذا الكتاب للنشر، وتخريج أحاديثه وآثاره، فجزاه الله خيرًا.
نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، موافقا لمرضاته، نافعًا لعباده، وأن يجزي فضيلة شيخنا عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ويضاعف له المثوبة والأجر، ويعلي درجته في المهديين، إنه سميع قريب.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللجنة العلمية
في مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
1 / 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
قال المؤلف (^١) -رحمه الله تعالى-[سورة (يس) مكية، أو إلا قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾ الآية، أو مدنية].
المكي ما نزل قبل الهجرة، وليس ما نزل بمكة، إذ قد ينزل بمكة بعد الهجرة ويكون مدنيًّا، فما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني، وهذا القول هو الراجح من أقوال أهل العلم، والأقوال في هذه السورة ثلاثة:
الأول: أنها مكية.
الثانية: أنها مدنية.
الثالثة: أنها مكية إلا قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾.
والذي يظهر أنها مكية؛ لأن أسلوبها أسلوب المكي، والسور المكية تمتاز عن السور المدنية: بقوة الأسلوب، وجزالة
(^١) أخي الكريم: إذا مر بك: قال المؤلف. فالمراد به جلال الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد المحلي رحمه الله تعالى، المتوفي سنة ٨٦٤ هـ. في تفسيره المسمى "تفسير الجلالين" وقد جعلت كلامه ﵀ بين معكوفتين هكذا [].
1 / 3
اللفظ، بخلاف السور المدنية فإن أسلوبها ألين؛ لأنه يخاطب قومًا آمنوا، ويخاطب أيضًا قومًا فيهم أهل كتاب، ليس عندهم من البلاغة في اللغة العربية ما عند العرب، فالظاهر -والله أعلم- أنها مكية، وإذا جعلناها مكية فإننا لا نقول باستثناء شيء منها؛ لأن الأصل أن السورة المكية كلها مكية، وأن السورة المدنية كلها مدنية، فمن ادعى استثناء آية، أو آيتين، أو أكثر فعليه الدليل، أما مجرد أن المعنى يليق بأهل المدينة في آية مثلًا، فهذا لا يكفي في الاستثناء؛ لأن الله تعالى قد يذكر معنًا يليق بأهل المدينة توطئة وتمهيدًا حتى يكون الناس على بصيرة، ولهذا يذكر الله تعالى في الآيات المكية قصص موسى ﵊ مع أن العناية بقصص موسى في المدينة أولى؛ لأن فيها اليهود، أما مكة فليس فيها يهود، فبعض العلماء إذا نظر إلى أن المعنى يليق بالسور المدنية، أو بالأحكام المدنية ذهب يستثني ويقول: إلا آية كذا، إلا آية كذا، وهذا غير مسلم.
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ البسملة آية من كتاب الله مستقلة، يؤتى بها في ابتداء كل سورة، ما عدا سورة براءة، وليست البسملة من الفاتحة ولا من غيرها، هذا هو القول الراجح، وأما من قال: إنها من الفاتحة وليست من غيرها، فقوله ضعيف لوجهين:
الأول: للتفريق بدون دليل.
والثاني: أن حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيح وهو قول الله تعالى: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي
1 / 4
نصفين" (^١)، يدل على أن البسملة ليست من الفاتحة؛ لأنها لم تذكر في هذا الحديث؛ ولأن النبي ﷺ كان لا يجهر بالبسملة في صلاته، وهذا يدل على أنها ليست من الفاتحة، وإلا لجهر بها كما يجهر في بقية الآيات.
أما إعرابها فهي: جار ومجرور، وصفة وموصوف، وهذا الجار والمجرور متعلق بمحذوف، وهذا المحذوف يقدر فعلًا متأخرًا مناسبًا، وقدرناه فعلًا، لأن الأصل في العوامل الأفعال، ولذلك تعمل الأفعال فعلها بدون شرط، والأسماء التي تعمل عمل الفعل لابد فيها من شروط، وقدرناه مناسبًا أو خاصًّا؛ لأنه أدل على المقصود، وقدرناه متأخرًا لفائدتين:
الأولى: الترك بتقديم اسم الله ﷿.
الثانية: إفادة الحصر، فعندما تسمي على الوضوء فالتقدير: باسم الله أتوضأ، ولو قلت: باسم الله أبتديءُ فيصح، لكن ابتدائي عام، وأتوضأ أخص، والإتيان بالأخص أدل على المقصود، ولو قلت: أبتديء بسم الله، صح لكن فاتك التأخير، والتخصيص، والفعلية؛ لأنك قلت: أبتديء، وإذا قلت: "أبتديء باسم الله" فاتك التأخير والتخصيص، وإذا قلت: "أتوضأ باسم الله" فاتك التأخير فقط.
ولو قال قائل: هل يمكن أن نستدل لهذا القول بشيء من النص؟
نقول: نعم، قال النبي ﵊ وهو يخطب
(^١) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ٣٨ (٣٩٥).
1 / 5
الناس في عيد الأضحى: "من لم يذبح فليذبح باسم الله" (^١)، أو "فليذبح على اسم الله" (^٢)، فخص الفعل.
لفظ الجلالة: (الله) اسم لله رب العالمين، وهو أعلم الأعلام، أعلم حتى من الضمير؛ لأنه اسم يختص بالله لا يمكن أن يشاركه فيه أحد، ولهذا قالوا: أعرف المعارف على الإطلاق اسم الله؛ لأنه لا يشاركه فيه أحد، والضمير إذا قلت "قمت" فلا يشاركني أحد فيه، لكن صالح أن يستعمله غيري، أما الله فلا الشركة فيه.
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ صفتان لله، والرحمن، والرحيم معناهما ذو الرحمة، لكن الرحمن باعتبارها وصفًا لله، والرحيم باعتبارها فعلًا له، ولهذا كان الرحمن عامًّا، والرحيم خاصًّا، قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ فالرحمن لوحظ فيه الوصف، والرحيم لوحظ فيه الفعل، ولهذا لما لوحظ في الرحمن الوصف جاء على الأوزان التي تدل على الامتلاء والسعة، فصارت على وزن (فعلان).
والرحمة صفة من صفات الله ﷾ الحقيقية الثابتة له على وجه الحقيقة لا المجاز، وقد أنكرها أهل التعطيل، ومنهم الأشاعرة، وقالوا: إنه ليس لله صفة هي الرحمة؛ لأن الرحمة رقة ولين، وهذا لا يليق بالله ﷿، وفسروها إما
(^١) أخرجه البخاري، كتاب العيدين، باب كلام الإمام والناس في خطبة العيد (٩٨٥) ومسلم كتاب الأضاحي، باب وقتها ١ (١٩٦٠).
(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب قوله ﷺ: "فليذبح على اسم الله" (٥٥٠٠)، ومسلم، كتاب الأضاحي، باب وقتها (١٩٦٠).
1 / 6
بالإرادة، لأنهم يؤمنون بالإرادة، وإما بالفعل؛ لأن الفعل منفصل عن الفاعل، -يعني المفعول منفصل عن الفاعل- فهم يفسرونها: إما بالإحسان وهو مخلوق منفصل، وإما بإرادة الإحسان؛ لأنهم يقرون بالإرادة، ولا شك أن قولهم هذا باطل، وأنه إنكار صفة من أعظم صفات الله ﷿ وهي من أبرز صفاته، فقد قال الله تعالى: "إن رحمتي سبقت غضبي" (^١) والعجب كل العجب أنهم يقولون: إن الإرادة دل عليها العقل، والرحمة دل العقل على انتفائها، قالوا: لأن التخصيص دال على الإرادة، فمثلًا هذه سماء، وهذه أرض، وهذه شمس، وهذا قمر، إلى آخره، يدل على الإرادة لأنه لا مخصص إلا بإرادة، أما الرحمة فيقولون: إن العقل لا يدل عليها، بل يدل على انتفائها.
فنقول: عجبًا لكم، دلالة العقل على الرحمة أبلغ وأظهر وأوضح من دلالته على الإرادة، ولهذا جعلتم دلالة العقل على الإرادة بالتخصيص، وهذا لا يفهمه إلا خواص النالس، فلو سألت طالب العلم بدون أن يعرف البحث ما استدل بالتخصيص على الإرادة وهو طالب علم، لكن الرحمة كل يعرف أن لله تعالى رحمة، ويستدل عليها بالعقل، تأتي العامي في السوق فنقول: نزل المطر، واخضرت الأرض، ورويت الزروع، وما أشبه ذلك، من أين هذا؟ فيقول لك مباشرة: من رحمة الله، فيستدل بالنعم
(^١) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١)﴾ (٧٤٥٣) ومسلم، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها تغلب غضبه (١٥) (٦٩٧٠).
1 / 7
التي هي من آثار الرحمة على الرحمة، ولكن نسأل الله لنا ولهم الهداية، من لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.
قال الله تعالى: ﴿يس (١)﴾ قال المؤلف ﵀: [﴿يس (١)﴾ الله أعلم بمراده به]، ولا شك أن الله أعلم بمراده ومراد غيره، وأعلم بكل شيء، ولكن ما المراد بهذين الحرفين الهجائيين؟ في هذا خلاف بين العلماء -رحمهم الله تعالى-:
القول الأول: ما ذهب إليه المؤلف، ﵀: "الله أعلم بمراده به" أي: لا ندري ماذا أراد الله ﷿.
القول الثاني: أن معنى "يس" يا إنسان فـ "يا" حرف نداء على زعمهم، و"س" كلمة يعبر بها عن الإنسان.
وبعضهم أتي بغير ذلك أيضًا مما لا طائل تحته ولا دليل عليه، لكن يبقي النظر، هل نقول كما قال المؤلف: [الله أعلم بمراده] بجميع الحروف الهجائية التي ابتدأت بها السور، أو نقول إنه لا معنى لها بمقتضى قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾. فإن مقتضى اللسان العربي المبين أن هذه الحروف ليس لها معنى، فإذا حكمنا بهذه القضية العامة ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ على كل كلمة أو حرف في القرآن الكريم فإننا نعلم أن "يس" ليس لها معنى بمقتضى اللسان العربي المبين، فـ "يا"حرف هجاء ليس له معنى، و"س" حرف هجاء ليس له معنى أيضًا، وهذا القول ذكره ابن كثير ﵀ عن مجاهد ﵀ وهو قول قوي، ويشهد له الآية التي استشهدت بها، إذن نقول: لا معنى لهذه الحروف.
1 / 8
فيرد علينا إشكال: إذا قلنا لا معنى لها، فكيف يأتي الله ﷿ في كتابه العظيم بكلام لغو لا معنى له؟
والجواب على هذا أن يقال: إن له مغزىً عظيمًا، هذا المغزى هو أنكم أيها العرب الذين عجزتم عن معارضة القرآن والإتيان بمثله عجزتم عن ذلك، لا لأن القرآن أتى بحروف جديدة، أو كلمات جديدة، بل هو من الكلمات التي تكونون منها كلامكم، حروف هجائية، ولهذا قلَّ أن تجد سورة مبدوءة بهذه الحروف الهجائية إلا وبعدها ذكر القرآن، مما يدل على أن هذا هو المراد بها، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقبله الزمخشري أيضًا في تفسيره، وغيرهم من العلماء، على أن هذه حروف هجائية جيء بها لأجل إظهار عجز العرب عن معارضة هذا القرآن، مع أنه لم يأت بجديد في كلامهم.
﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ الواو للقسم فلها معنى، ولها عمل، عملها الجر، ومعناها التأكيد، والقسم: تأكيد الشيء بذكر معظم على صورة مخصوصة، ولابد أن يكون المحلوف به معظمًا ولو تقديرًا في ذهن المقسم، كأن المقسم المعظم يقول: بقدر تعظيمي لهذا الشيء وتأكدي منه وإثباتي له أؤكد المحلوف عليه.
ولهذا لابد أن يكون المحلوف به معظمًا، وإلا لكان الحلف لا فائدة منه. ثم قد يكون عظيمًا في ذاته حقيقة، وقد يكون معظمًا باعتبار المقسم به، فالذين يحلفون باللات والعزى يحلفون بمعظم لا بعظيم؛ لأنه معظم عندهم، لكنه ليس بعظيم في نفسه، والذين يقسمون بالله وآياته، يحلفون بعظيم وبمعظم في قلوبهم،
1 / 9
وهو معظم في نفسه. ﴿وَالْقُرْآنِ﴾، القرآن المراد هذا القرآن الذي نقرأه كلام الله ﷿، وهو مشتق من قرأ بمعنى تلا لأنه متلو، أو من قرى بمعنى جمع؛ لأنه مجموع وجامع، فهو مشتق من المعنيين، من القراءة بمعنى التلاوة، ومن قرى بمعنى جمع، ومنه القرية لأنها مجتمع الناس، فالقرآن جامع بين المعنيين فهو متلو، وجامع ومجموع، كلمات مجموع بعضها إلى بعض، كلام جامع لكل ما فيه الخير والصلاح.
قوله: ﴿الْحَكِيمِ﴾ صفة للقرآن وهي بمعنى محكِم، أو بمعنى مُحْكَم، أو بمعنى حاكم كلها تحتمل، فالقرآن حاكم لأنه يجب الرجوع إليه ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (^١) ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾ (^٢) على القول بأن القرآن مُحْكِم، لأنه متقن للأشياء ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ (^٣) وكذلك أيضًا مُحْكَم؛ لأن الله تعالى أحكمه وأتقنه، فليس فيه تناقض ولا تعارض ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (^٤) وهو أيضًا مشتمل على الحكمة، ففيه معنى الحكمة والحكم، وإذا كان حكيمًا فإننا نعلم أنه:
أولًا: حكيم في ترتيبه، فكل آية إلى جنب الأخري حتى وإن ظننا أنه لا ارتباط بينهما، فإنما ذلك إما لقصورنا أو
(^١) سورة النساء، الآية: ٥٩.
(^٢) سورة الجاثية، الآية: ٢٩.
(^٣) سورة الأنعام، الآية: ١١٥.
(^٤) سورة النساء، الآية: ٨٢.
1 / 10
لتقصيرنا، فمثلًا لو قال قائل: قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ (^١) جاء في سياق آيات العدد فما هو الارتباط؟
نقول: إنه لابد أن هناك حكمة، لكن قصرت أفهامنا عنها، أو قصرنا في التدبر لطلبها ومراجعة كتب أهل العلم.
ثانيًا: حكيم في أحكامه، فأحكامه كلها عدل، موافقة للفطرة وللعقل الصريح، ولهذا لا تجد شيئًا من أحكام القرآن مناقضًا للفطرة أبدًا، بل هو موافق للفطرة، ولا تجد شيئًا في القرآن يكذبه العقل، أو يحيله أبدًا، بل إن العقل يقرر في الجملة ما جاء به القرآن.
ثالثًا: حكيم في أسلوبه يشتد في مواضع الشدة، ويلين في مواضع اللين، ويأتي بأساليب غريبة ما كانت معروفة في أساليب العرب، فبينما الآية سياقها خبري إذا بها تنتقل إلى سياق إنشائي من استفهام، أو نهي، أو أمر، أو ما أشبه ذلك، وكل هذا من الحكمة، بينما القرآن يتحدث بصيغة الغائب إذا به ينتقل إلى صيغة الحاضر، فينتقل من أسلوب إلى آخر، وهو ما يسمي بالالتفات، وأنواع هذا كثيرة في القرآن.
فالقرآن حكيم بكل معنى الحكمة، وبكل معنى الإحكام، وبكل معنى الحكم.
قال المؤلف -مقتصرًا على واحد منها-: [المُحْكَم بعجيب النظم، وبديع المعاني]، فأتى بمعنى واحد من معاني الحكيم،
(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.
1 / 11