Tabyin al-Haqa'iq Sharh Kanz al-Daqa'iq wa-Hashiyat al-Shalabi
تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي
Penerbit
المطبعة الكبرى الأميرية
Edisi
الأولى
Tahun Penerbitan
1314 AH
Lokasi Penerbit
القاهرة
مَا لَمْ يَنْتَهِ إلَى الْحَجَرِ وَفِي السَّعْيِ يَتِمُّ بِالْمَرْوَةِ فَيَكُونُ مَا بَعْدَهُ تَكْرَارًا مَحْضًا ثُمَّ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَاجِبٌ عِنْدَنَا، وَلَيْسَ بِرُكْنٍ وَمَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ فِي الْحَجِّ لِمَا رُوِيَ عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تُجْزَأَةَ أَنَّهَا قَالَتْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالنَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهُوَ وَرَاءَهُمْ يَسْعَى حَتَّى أَرَى رُكْبَتَيْهِ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ يَدُورُ بِهِ إزَارُهُ، وَهُوَ يَقُولُ اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] فَرَفَعَ الْجُنَاحَ وَالتَّخْيِيرُ يَنْفِي الْفَرِيضَةَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠]. وَقَوْلُهُ ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٥٨] كَقَوْلِهِ ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطُوفَ بِهِمَا، وَهُوَ إنْ لَمْ يَثْبُتْ قُرْآنًا لَا يَنْزِلُ عَنْ الْخَبَرِ الْمَسْمُوعِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةِ يَا ابْنَ أُخْتِي «طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَطَافَ الْمُسْلِمُونَ فَكَانَتْ سُنَّةً، وَإِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]» الْآيَةَ فَقَدْ نَصَّتْ عَلَى أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَهُمَا سُنَّةٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مَكْتُوبًا أَنْ يَكُونَ رُكْنًا أَوْ فَرْضًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] الْآيَةَ وَالرُّكْنِيَّةُ لَا تَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ بِخِلَافِ الْوُجُوبِ ثُمَّ قِيلَ، إنَّ سَبَبَ شَرْعِيَّةِ السَّعْيِ بَيْنَهُمَا أَنَّ إبْرَاهِيمَ ﵊ لَمَّا تَرَكَ هَاجَرَ وَإِسْمَاعِيلَ هُنَاكَ عَطِشَ فَصَعِدَتْ الصَّفَا تَنْظُرُ هَلْ بِالْمَوْضِعِ مَاءٌ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا فَنَزَلَتْ فَسَعَتْ فِي بَطْنِ الْوَادِي حَتَّى خَرَجَتْ مِنْهُ إلَى جِهَةِ الْمَرْوَةِ؛ لِأَنَّهَا تَوَارَتْ بِالْوَادِي عَنْ وَلَدِهَا فَسَعَتْ شَفَقَةً عَلَيْهِ فَجُعِلَ ذَلِكَ نُسُكًا إظْهَارًا لِشَرَفِهَا وَتَفْخِيمًا لِأَمْرِهَا وَعَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ إبْرَاهِيمَ ﵊ لَمَّا أُمِرَ بِالْمَنَاسِكِ عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ عِنْدَ السَّعْيِ فَسَابَقَهُ فَسَبَقَهُ إبْرَاهِيمُ ﵊» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ. وَقِيلَ، إنَّمَا سَعَى بَيْنَ الْمِيلَيْنِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إظْهَارًا لِلْجَلَدِ وَالْقُوَّةِ لِلْمُشْرِكَيْنِ النَّاظِرِينَ إلَيْهِ فِي الْوَادِي.
قَالَ ﵀ (ثُمَّ أَقِمْ بِمَكَّةَ حَرَامًا)؛ لِأَنَّهُ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ فَلَا تَتَحَلَّلْ قَبْلَ الْإِتْيَانِ بِأَفْعَالِهِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إذَا طَافَ لِلْقُدُومِ وَتَحَلَّلَ؛ لِأَنَّهُ ﵊ «أَمَرَ بِذَلِكَ أَصْحَابَهُ إلَّا مَنْ سَاقَ مِنْهُمْ الْهَدْيَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْأَحَادِيثُ فِيهِ كَثِيرَةٌ بَعْضُهَا يَنُصُّ بِفَسْخِ الْحَجِّ وَبَعْضُهَا يَجْعَلُ الْحَجَّ عُمْرَةً ثُمَّ التَّحَلُّلَ وَالْأَحَادِيثُ صِحَاحٌ وَنَحْنُ نَقُولُ كَانَ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِهِمْ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ «الْحَارِثِ بْنِ بِلَالٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسْخُ الْحَجِّ لَنَا خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً قَالَ بَلْ لَنَا خَاصَّةً» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلَّا لِلرَّكْبِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ كَانَتْ الْمُتْعَةُ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ خَاصَّةً وَفِي بَعْضِ شُرُوحِ الْمَبْسُوطِ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ مَشْرُوعًا ثُمَّ نُسِخَ وَقَالَ فِيهِ قَالَ عُمَرُ ﵁ مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا الْيَوْمَ أَنْهَى عَنْهُمَا وَأُعَاقِبُ عَلَيْهِمَا مُتْعَةُ النِّسَاءِ وَمُتْعَةُ الْحَجِّ فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ الْيَوْمَ كَمُتْعَةِ النِّكَاحِ؛ وَلِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ «عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ فَأَمَّا مَنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فَأَحَلُّوا حِينَ طَافُوا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَلَمْ يَحِلُّوا إلَى يَوْمِ النَّحْرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مُعَارِضًا لِلْأَحَادِيثِ الْمُثْبِتَةِ لِلتَّحَلُّلِ قَالَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
لِإِبْطَالِ مَذْهَبِ الطَّحَاوِيِّ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ طَوَافِهِ بِالْمَرْوَةِ فَهُوَ آخِرُ الشَّوْطِ السَّابِعِ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ آخِرُ وُقُوفِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ، فَإِنَّهُ، إنَّمَا يَخْتِمُ بِالصَّفَا عِنْدَهُ فَكَانَ قَوْلُهُ ﷺ ذَلِكَ فِي آخِرِ وُقُوفِهِ بِالْمَرْوَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ بِنْتُ أَبِي تُجْزَأَةَ) الَّذِي شَاهَدْتُهُ فِي نُسْخَةِ الْمُؤَلِّفِ ﵀ بِخَطِّهِ شَجَرَةً، وَهُوَ تَحْرِيفٌ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الْإِصَابَةِ وَمِنْ خَطِّ تِلْمِيذِهِ الْحَافِظِ السَّخَاوِيِّ ﵀ نَقَلْت مَا نَصُّهُ حَبِيبَةُ بِنْتُ أَبِي تُجْزَأَةَ الْعَبْدَرِيَّةُ ثُمَّ الشَّيْبِيَّةِ رَوَى حَدِيثَهَا الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمِّلِ وَابْنِ سَعْدٍ عَنْهُ مُعَاذُ بْنُ هَانِئٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَجَزٍ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ وَابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ النُّعْمَانِ كُلِّهِمْ عَنْ ابْنِ الْمُؤَمِّلِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيْصِنٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ حَدَّثَتْنِي صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ «عَنْ امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا حَبِيبَةُ بِنْتُ أَبِي تُجْزَأَةَ قَالَتْ دَخَلْت دَارَ أَبِي حُسَيْنٍ فِي نِسْوَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَتَّى أَنَّ ثَوْبَهُ لَيَدُورُ بِهِ، وَهُوَ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ اسْعَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ» قَالَ أَبُو عُمَرَ قِيلَ اسْمُهَا حَبِيبَةُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَقِيلَ بِالتَّصْغِيرِ وَقَالَ غَيْرُهُ تُجْزَأَةُ ضَبَطَهَا الدَّارَقُطْنِيّ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ اهـ (قَوْلُهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ إلَخْ) وَالْكِتَابَةُ تَدُلُّ عَلَى الرُّكْنِيَّةِ وَكَذَا الْأَمْرُ اهـ كَاكِيٌّ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاعْلَمْ أَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّعْيِ الْمَكْتُوبِ الْجَرْيُ الْكَائِنُ فِي بَطْنِ الْوَادِي إذَا رَاجَعْته لَكِنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّعْيِ الطَّوَافُ بَيْنَهُمَا اتَّفَقَ أَنَّهُ ﷺ قَالَهُ لَهُمْ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الْجَرْيِ الْمَسْنُونِ لَمَّا وَصَلَ إلَى مَحَلِّهِ شَرْعًا أَعْنِي بَطْنَ الْوَادِي وَلَا يُسَنُّ جَرْيٌ شَدِيدٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ بِخِلَافِ الرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ، إنَّمَا هُوَ مَشْيٌ فِيهِ شِدَّةٌ وَتَصَلُّبٌ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ فَرَفَعَ الْجُنَاحَ وَالتَّخْيِيرَ) أَيْ الْمُسْتَفَادَ مِنْ قَوْلِهِ وَمَنْ تَطَوَّعَ. اهـ. (قَوْلُهُ وَقِيلَ، إنَّمَا سَعَى بَيْنَ الْمِيلَيْنِ إلَخْ) وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَغَلُ بِطَلَبِ الْمَعْنَى فِيهِ وَفِي نَظَائِرِهِ مِنْ الرَّمْيِ وَغَيْرِهِ بَلْ هِيَ أُمُورٌ تَوْقِيفِيَّةٌ يُحَالُ الْعِلْمُ بِالْحَالِ فِيهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى. اهـ. فَتْحٌ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ ثُمَّ أَقِمْ بِمَكَّةَ حَرَامًا) أَيْ مُحْرِمًا وَالْحَرَامُ وَالْمُحْرِمُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ اهـ كَاكِيٌّ
2 / 21