وقد قال «أنبادقليس»: إن ملوحة البحر بسبب أن البحر عرق الأرض. وهذا كلام شعرى ليس بفلسفى. لكنه مع ذلك يحتمل التأويل. فإن العرق رطوبة من البدن تملحت بما يخالطها من المادة المحترقة من البدن. وماء البحر قد يملح بقريب من ذلك.
فإذا كانت ملوحة البحر لهذه العلة ولغاية هى حفظ مائه عن الأجون، ولولاه لأجن، وانتشر فساد أجونه فى الأرض، وأحدث الوباء العام. على أن ماء البحر يأجن إذا خرج من البحر أيضا، وإنما ينحفظ بعضه بمجاورة بعض وبمدد التمليح الذى يصل إليه.
فلهذه الأسباب كان الغالب فى البحر مالحا. إنما العذب منه قليل. وطبيعته حارة تلهب النارفوق أن تطفئها، ثقيلة لذاعة للمغتسل به، أكالة. وإذا تميز منه العذب فليس بسبب الأرض؛ بل بسبب عيون ذكرناها، وإلآ لأصلحتها الأرض الطيبة إذا جعل فيها له مصانع.
فبين من هذا أن جميع أجزاء الماء قابل للاختلاط بما يتصعد من الأراضى، ومنفذ لما ينفذ من القوى السماوية. فليس للبحر طبقات.
وأما اختصاص البحر فى طباعه بموضع دون موضع فأمر غير واجب؛ بل الحق أن البحر ينتقل فى مدد لا يضبطها الأعمار، ولا تتوارث فيها التواريخ والآثار المنقولة من قرن إلى قرن إلا من أطراف بسيرة وجزائر صغيرة؛ لأن البحر لا محالة مستمد من أنهار وعيون تفيض إليه، وبها قوامه. ويبعد أن يكون تحت البحر عيون ومنابع هى التى تحفظه دون الأنهار. وذلك لأنها لو كانت لوجب أن يكون عددها جدا، وأن لا تخفى على ركاب البحر؛ بل إنما تستحفظ البحار بالأنهار التى مصبها من نواحى مشرفة عالية بالقياس إلى البحر.
Halaman 208
الفن الرابع من الطبيعيات فى الأفعال والانفعالات
مقالتان
المقالة الأولى من هذا الفن تسعة فصول
الفصل الأول فى طبقات العناصر
الفصل الثانى فصل فى أحوال كلية من أحوال البحر
الفصل الثالث فصل فى تعريف سبب تعاقب الحر والبرد
الفصل الرابع فصل فى تعريف ما يقال من أن الأجسام كلما ازدادت عظما ازدادت شدة وقوة
الفصل الخامس فصل فى تعديد الأفعال والانفعالات المنسوبة إلى هذه الكيفيات الأربع
الفصل السادس فصل فى لنضج والنهوة والنهوءة والعفونة والاحتراق
الفصل السابع فصل فى الطبخ والشي والقلي والتبخير، والتدخين، والتصعيد والذوب والتليين والاشتعال، والتجمير والتفحم ما يقبل ذلك وما لا يقبله
الفصل الثامن فصل فى الحل والعقد
الفصل التاسع فصل فى أصناف انفعالات الرطب واليابس
المقالة الثانية من الفن الرابع فى الطبيعيات هذه المقالة نصف فيها جملة القول فيما يتبع المزاج من الأحوال المختلفة، وهي فصلان.
الفصل الأول فصل فى ذكر اختلاف الناس فى حدوث الكيفيات المحسوسة التى بعد الأربع، وفى نسبتها إلى المزاج، ومناقضة المبطلين منهم