وحلت بهذا حلة ثم أصبحت ... بهذا فطاب الواديان كلاهما
خاطبها في البيت الأول معتمدًا عليها بأنه كما آثرها على أهله وعشيرته، آثر بلادها على بلاده، فذكر طرفيى محالها فقال: " أحب لك وفيك شغبًا إلى بدا، وبلادي " بلاد غيرها. ثم أخبر عنها في البيت الثاني فقل: ونزلت بهذا - يشير إلى شغب - نزلة، ثم أصبحت ببدا، ففاح الوديان وتضوعها برياها. ومثله قول الآخر:
استودعت نشرها الرياض فما ... تزداد إلا طيبًا على القدم
ومثله أيضًا:
تضوع مسكًا بطن نعمان أن مشت ... به زينب في نسوة خفرات
وقال نصيب
لقد هتفت في جنح ليل حمامة ... على فنن وهنا وإني لنائم
كذبت وبيت الله لو كنت عاشقًا ... لما سبقتني بالبكاء الحمائم
هتفت: صاحت. في جنح الليل، أي فيما مال من الليل. والفنن: الغصن. وهنا: بعد ساعة من الليل. يقول: جددت لي حمامة بتغريدها وجدًاوصبابة. وهي على غصن فيما مال من الليل، وإني لساكن نائم، ولوكنت عاشقًا وحق بيت الله لما سبقتني الحمائم بالبكاء، لكني كاذب في دعواي متزيد. وهذا كلام مستقصر فيما هو عليه، مستزيد لنفسه فيما يجري إليه، يصورها بصورة المتشبع بما ليس فيه. وهذه الطريقة زائدة على طريقة الملتذ بالهوى. وقوله " لما سبقتني "، على عادتهم فيما يعتقدون من شجو الحمام. لذلك قال أبو تمام:
لاتشجين لها فإن بكاءها ... ضحك وإن بكاءك استغرام