٣٨
سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني
_
صلاة الكسوف
مَفهُومٌ، وَأسبابٌ، وَآدَابٌ، وَآياتٌ، وَحِكَم، وَأحْكامٌ
في ضوء الكتاب والسنة
Halaman tidak diketahui
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد.
فهذه رسالة مختصرة في: «صلاة الكسوف» وما يتعلق بها من أحكام، بيَّنت فيها بتوفيق الله تعالى: مفهوم الكسوف والخسوف، وأن ذلك من آيات الله التي يُخوِّف بهما عباده، وبيَّنت أسباب الكسوف الحسّيَّة والشرعيَّة، وفوائد الكسوف وحِكمه، وحُكم صلاة الكسوف، وآداب صلاة الكسوف: الواجبة والمستحبة، وصفة صلاة الكسوف، ووقتها، وأنها لا تُدرَك الركعة إلا
1 / 3
بإدراك الركوع الأول، وذكرت خلاف العلماء في الصلاة للآيات، وقد قرنت كل مسألة بدليلها أو تعليلها على قدر الإمكان، وقد استفدت كثيرًا من تقريرات وترجيحات شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله تعالى.
والله أسأل أن يجعل هذا العمل مباركًا، نافعًا، خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه سبحانه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله، وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أبو عبد الرحمن
سعيد بن علي بن وهف القحطاني
حرر بعد عصر يوم الإثنين
الموافق ١٨/ ١/١٤٢٣هـ
1 / 4
أولًا: مفهوم الكسوف، والخسوف:
الكسوف لغة: التغير إلى سواد، يقال: كسفت حاله إذا تغيرت، وكسف وجهه إذا تغير، وكسفت الشمس: اسودَّت، وذهب شعاعها (١).
والخسوف لغة: النقصان، يقال: خسف المكان يخسف خسوفًا، إذا ذهب في الأرض، ويقال: عينٌ خاسفة: إذا غابت حدقتها، منقول من خسف القمر، وبئر مخسوفة: إذا غاب ماؤها ونزف، منقول من خسف الله القمر، وتُصوِّرَ من خسف القمر مهانة تلحقه فاستعير الخسف للذل، فقيل: تحمل فلان خسفًا (٢).
فكسوف الشمس والقمر وخسوفهما: تغيرهما ونقصان ضوئهما فهما بمعنى واحد وكلاهما صحت به الأحاديث، وجاء القرآن بلفظ الخسوف للقمر (٣).
(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٢/ ٥٤٩، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لابن الملقن، ٤/ ٢٦٤، وفتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٢٦.
(٢) انظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ٤/ ٢٦٤، والمفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٢/ ٥٤٩، ومفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني، ص٢٨٢.
(٣) المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم،٢/ ٥٤٩،والمغني لابن قدامة، ٥/ ٣٢١.
1 / 5
الكسوف أو الخسوف في الاصطلاح: احتجاب ضوء الشمس أو القمر أو بعضه بسبب معتاد يخوف الله به عباده، فعلى هذا يكون الكسوف والخسوف مترادفين أي بمعنى واحد، فَيُقال: كسفت الشمس وخسفت، وكسف القمر وخسف (١)، وقيل: الكسوف للشمس، والخسوف للقمر (٢).
(١) الشرح الممتع على زاد المستقنع، ٥/ ٢٢٩.
(٢) اختلف في الكسوف والخسوف هل هما مترادفان أو لا؟ قال ابن الأثير ﵀ في النهاية في غريب الحديث، ٤/ ١٧٤: «قد تكرر في الحديث ذكر الكسوف والخسوف «للشمس والقمر» فرواه جماعة فيهما بالكاف، ورواه جماعة فيهما بالخاء، ورواه جماعة في الشمس بالكاف، وفي القمر بالخاء، وكلهم رووا أنهما آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، والكثير في اللغة - وهو اختيار الفراء - أن يكون الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، يقال: كسفت الشمس، وكسفها الله، وانكسفت، وخسف القمر، وخسفه الله، وانخسف». وقال أيضًا، ٢/ ٣١: «إن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته: «يقال: خسف القمر بوزن ضرب إذا كان الفعل له، وخُسِفَ القمر على ما لم يسم فاعله، وقد ورد الخسوف في الحديث كثيرًا للشمس، والمعروف لها في اللغة الكسوف، لا الخسوف، فأما إطلاقه في مثل هذا الحديث فتغليبًا للقمر، لتذكيره على تأنيث الشمس، فجمع بينهما فيما يخص القمر، وللمعاوضة أيضًا؛ فإنه قد جاء في رواية أخرى: «إن الشمس والقمر لا ينكسفان»، وأما إطلاق الخسوف على الشمس منفردة؛ فلاشتراك الخسوف والكسوف في معنى ذهاب نورهما وإظلامهما، والانخساف مطاوع خسفته فانخسف».
وقال في جامع الأصول ٦/ ١٦٤: «يقال: كسفت الشمس وكسفها الله بتعدّي فعله ولا يتعدّى، وكذلك كسف القمر، والأولى أن يقال: خسف القمر، وقد جاء في الحديث: كسفت الشمس، وخسفت، وكسف القمر وخسف».
وقال الفيروز آبادي في القاموس، ص١٠٣٩: «خسف المكان يخسف خسوفًا: إذا ذهب في الأرض، وخسف القمر: كسف، أو كسف للشمس وخسف للقمر، أو الخسوف إذا ذهب بعضهما، والكسوف كلهما، وقال في موضع آخر، ص١٠٩٧: «كسف الشمس والقمر كسوفًا: احتجبا، كانكسفا، وكسف الله إيهما: حجبهما، والأحسن في القمر: خسف، وفي الشمس: كسفت».
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «يقال: كسفت الشمس والقمر، بفتح الكاف، وكُسِفا بضمها، وانكسفا وخسفا، وخُسِفا، وانخسفا بمعنى، وقيل: كسف الشمس بالكاف، وخسف القمر بالخاء، وحكى القاضي عياض عكسه عن بعض أهل اللغة والمتقدمين وهو باطل مردود بقول الله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ ثم جمهور أهل العلم وغيرهم على أن الخسوف والكسوف يكون لذهاب ضوئهما، كله، ويكون لذهاب بعضه، وقال جماعة منهم الليث بن سعد: الخسوف في الجميع، والكسوف في بعض، وقيل: الخسوف ذهاب لونهما، والكسوف تغيره» شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٢٥١.
قال الإمام البخاري ﵀: «بابٌ: هل يقول: كسفت الشمس أو خسفت، وقال الله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٨]، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «قال الزين بن المنير: أتى بلفظ الاستفهام إشعارًا منه بأنه لم يترجح عنده في ذلك شيء». ثم قال ابن حجر: «قلت: ولعله أشار إلى ما رواه ابن عيينة عن الزهري عن عروة قال: لا تقولوا كسفت الشمس ولكن قولوا: خسفت، وهذا موقوف صحيح رواه سعيد بن منصور عنه، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى عنه، لكن الأحاديث الصحيحة تخالفه؛ لثبوتها بلفظ الكسوف في الشمس من طرق كثيرة، والمشهور في استعمال الفقهاء أن الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، واختاره ثعلب، وذكر الجوهري أنه أفصح، وقيل: يتعين ذلك، وحكى عياض عن بعضهم عكسه، وغلطه لثبوته بالخاء في القمر في القرآن وكأن هذا السر في استشهاد المؤلف به في الترجمة، وقيل: يقال بهما في كل منهما وبه جاءت الأحاديث، ولا شك أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف؛ لأن الكسوف التغير إلى السواد، والخسوف النقصان أو الذل، فإذا قيل: في الشمس كسفت أو خسفت؛ لأنها تتغير ويلحقها النقص ساغ، وكذلك القمر، ولا يلزم من ذلك أن الكسوف والخسوف مترادفان، وقيل: بالكاف في الابتداء وبالخاء في الانتهاء، وقيل: بالكاف لذهاب جميع الضوء وبالخاء لبعضه، وقيل: بالخاء لذهاب كل اللون والكاف لتغيره ... [فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٣٥]،وقال الحافظ ابن حجر أيضًا: «قيل: الخسوف في الكل والكسوف في البعض وهو أولى من قول من قال: الخسوف للقمر، والكسوف للشمس لصحة ورود ذلك في الصحيح بالخاء للشمس» [هدي الساري مقدمة فتح الباري، ص١١١]. وقال: «كسفت الشمس: أي سُتِر ضوؤها» [المرجع السابق، ١٧٩].
وقال في معجم لغة الفقهاء، ص١٧٣، و٣٤٩: «خسوف بضم الخاء مصدر خُسف الشيء: نقص: ذهاب ضوء القمر خاصة كلًا أو جزءًا، كُسوف: بالضم مصدر كسف: زوال ضوء الشمس كلًا أو جزءًا، بسبب اعتراض القمر بين الأرض والشمس» والراجح ما تقدم في المتن، والله تعالى أعلم.
1 / 6
ولعل هذا إذا اجتمعت الكلمتان فقيل: كسوف وخسوف، أما إذا انفردت كل واحدة عن الأخرى فهما بمعنى واحد؛ ولهذا نظائر في اللغة العربية، والله تعالى أعلم (١).
(١) الشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين، ٥/ ٢٢٩، وانظر: نيل الأوطار للإمام الشوكاني، ٢/ ٦٣٣ - ٦٤٨.
1 / 8
ثانيًا: الكسوف أو الخسوف: آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده؛ لحديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «إنَّ الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته ولكنهما آيتان من آيات الله فإذا رأيتموهما فصلوا» (١)؛ ولحديث أبي مسعود ﵁، قال: قال النبي ﷺ: «إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحدٍ من الناس، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموهما فقوموا فصلُّوا» (٢).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: قوله: «آيتان»: أي علامتان، «من آيات الله» أي الدالة على وحدانية الله، وعظيم قدرته، أو على تخويف العباد من بأس الله وسطوته، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ
(١) البخاري، كتاب الكسوف، باب الصلاة في كسوف الشمس، برقم ١٠٤٢.
(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الكسوف، باب الصلاة في كسوف الشمس، برقم ١٠٤١، ومسلم، كتاب الكسوف، باب ذكر النداء بصلاة الكسوف «الصلاة جامعة»، برقم ٩١١.
1 / 9
مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ (١) (٢)؛ ولحديث أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد، ولكن الله تعالى يُخوِّف بهما عباده» (٣).
وعن عائشة ﵂ ترفعه: «إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما من آيات الله يخوف الله بهما عباده، فإذا رأيتم كسوفًا فاذكروا الله حتى ينجليا» (٤).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «وكأن بعض الناس ظن أن كسوفها [أي الشمس] كان؛ لأن إبراهيم مات فخطبهم النبي ﷺ وقال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة» (٥). وفي رواية في الصحيح:
(١) سورة الإسراء، الآية: ٥٩.
(٢) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٥٢٨.
(٣) البخاري، كتاب الكسوف، باب قول النبي ﷺ:يخوف الله عباده بالكسوف، برقم ١٠٤٨.
(٤) مسلم، كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف، برقم ٦ – «٩٠١».
(٥) متفق عليه من حديث عائشة ﵂: البخاري برقم ١٠٤٤، ورقم ١٠٤٧، ومسلم، برقم ٩٠١، ويأتي تخريجه في صفة صلاة الكسوف.
1 / 10
«ولكنهما آيتان من آيات الله يخوف بهما عباده» (١). وهذا بيان منه ﷺ أنهما سبب لنزول عذاب بالناس؛ فإن الله تعالى إنما يخوف عباده بما يخافونه إذا عصوه، وعصوا رسله، وإنما يخاف الناس مما يضرهم فلولا إمكان حصول الضرر بالناس عند الخسوف ما كان ذلك تخويفًا، قال تعالى:
﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ (٢)، وأمر النبي ﷺ بما يزيل الخوف: أمر بالصلاة، والدعاء، والاستغفار، والصدقة، والعتق، حتى يُكشف ما بالناس، وصلى بالمسلمين صلاة الكسوف صلاة طويلة» (٣).
وهذا يؤكد الاستعداد بالمراقبة لله تعالى والالتجاء إليه سبحانه، وخاصة عند اختلاف الأحوال وحدوث ما
(١) البخاري، برقم ١٠٤٨، وتقدم تخريجه في الذي قبله.
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٥٩.
(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٢٥٨ - ٢٥٩، وانظر: ٣٥/ ١٦٩.
1 / 11
يخاف بسببه (١).
ثالثًا: أسباب الكسوف الحسّيَّة والشرعية:
السبب الحسي (٢)، قال الإمام ابن القيم ﵀: «وفي قوله ﷺ: «لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته» (٣)، قولان:
أحدهما: أن موت الميت وحياته لا يكون سببًا انكسافهما، كما كان يقوله كثير من جهال العرب وغيرهم عند الانكساف، أن ذلك لموت عظيم، أو ولادة عظيم، فأبطل النبي ﷺ ذلك، وأخبر أن موت الميت وحياته لا يؤثر في كسوفهما البتة.
والثاني: أنه لا يحصل عن انكسافهما موت ولا حياة، فلا يكون انكسافهما سببًا لموت ميت ولا لحياة حي، وإنما ذلك تخويف من الله لعباده أجرى العادة بحصوله في أوقات معلومة، بالحساب: طلوع الهلال، وإبداره، وسراره.
(١) حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٥٢٤.
(٢) انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٢٣٠.
(٣) البخاري برقم ١٠٤٨، وتقدم تخريجه.
1 / 12