Al-Makarem Al-Akhlaq
مكارم الأخلاق
Penerbit
دار الوطن
Edisi
الأولى
Genre-genre
•Etiquette, Morals, and Virtues
Wilayah-wilayah
•Arab Saudi
مقدمة
...
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بعثه الله تعالى بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، بعثه الله تعالى بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، ووفق الله من شاء من عباده فاستجاب لدعوته، واهتدى بهديه، وخذل الله بحكمته من شاء من عباده، فاستكبر عن طاعته، وكذب خبره، وعاند أمره، فباء بالخسران والضلال البعيد.
أما بعد فبحثنا هذا يدور حول الحديث عن حسن الخلق ومكارم الأخلاق.
والخلق: هو السجيةُ والطبع١، وهو كما يقول أهل العلم: صورةُ الإنسان الباطنة، لأن الإنسان صورتين٢:
١ قال ابن الأثير في النهاية ٢/٧٠ الخلق بضم اللام وسكونها: الدين والطبع والسجية. وحقيقة: أنه صورة الإنسان الباطنية وهي نفسه وأوصافه.
٢ قال القسطلاني: أعلم أن الأخلاق جمع خلق، بضم الخاء واللام ويجوز إسكانها [خلق] . قال الراغب: الخلق والخلق بالفتح وبالضم في الأصل بمعنى واحد كالشراب والشرب ولكن خص الخلق الذي يالفتح بالهيئات والصور المدركة بالبصرة. وخص الذي بالضم بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة. أ. هـ. شرح المواب اللدنية ٤/٢٤٣.
1 / 9
صورة ظاهرة: وهي شكل خلقته التي جعل الله البدن عليه، وهذه الصورة الظاهرة منها جميل حسن، ومنها ما هو قبيح سيئ، منها ما بين ذلك.
وصورة باطنة: وهي حال للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال من خير أو شر، من غير حاجة إلى فكر وروية.
وهذه الصورة أيضًا منها ما هو حسن إذا كان الصادر عنها خلقًا حسنًا، ومنها ما هو قبيح إذا كان الصادر عنها خلقًا سيئًا، وهذا ما يُعبر عنه بالخلق، فالخلق إذن هو الصورة الباطنة التي طبع الإنسان عليها.
والواجب على المسلم أن يتخلق بمكارم الأخلاق أي أطايبها، والكريم من كل شيء هو الطيب منه بحسب ذلك الشيء، ومنه قول الرسول ﷺ لمعاذ: "إياك وكرائم أموالهم" ١ حين أمره بأخذ بالزكاة من أهل اليمن.
فعلى الإنسان أن تكون سريرته كريمة، فيحب الكرم، والشجاعة، والحلم، والصبر،أن يلاقي الناس بوجه طلق، وصدر منشرح، ونفس مطمئنة، فكل هذه الخصال من مكارم الأخلاق.
وقد قال الني ﷺ: "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا" ٢، فينبغي أن يكون هذا الحديث دائمًا نصب عين المؤمن، لأن الإنسان إذا علم بأنه لن يكون كامل الإيمان إلا إذا أحسن خلقه كان ذلك دافعًا له على التخلق بمكارم الأخلاق ومعالي الصفات وترك سفا سفها ورديئها.
١ أخرجه البخاري رقم ١٤٩٦كتاب الزكاة. ومسلم رقم ٢٩ كتاب الإيمان.
٢ أخرجه أبو داود رقم٤٦٨٢ كتاب السنة. والترمذي ١١٦٢ كتاب الرضاع وفيه زيادة: "خياركم خياركم لنسائهم" وأحمد في المسند ٢/٤٧٢ وهو في صحيح الجامع رقم١٢٣٠، ١٢٣٢
1 / 10
كمال الشريعة الإسلامية من ناحية الأخلاق
والنبي ﷺ أخبر أن من مقاصد بعثته إتمام محاسن الأخلاق، فقال ﵊: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ١.
فالشرائع السابقة التي شرعها الله للعباد كلها تحث على الأخلاق الفاضلة، ولهذا ذكر أهل العلم أن الأخلاق الفاضلة مما طبقت الشرائع على طلبه، ولكن الشريعة الكاملة جاء النبي ﵊ فيها بتمام مكارم الأخلاق ومحاسن الخصال. ولنضرب مثلًا.
مسألة القصاص: ذكر أهل العلم في مسألة القصاص، أي: لو أن أحدًا جنى على أحد فهل يقتص منه أم لا؟ ذكروا أن القصاص في شريعة اليهود حتميٌّ ولابد منه، ولا خيار للمجني عليهم فيه، وأن الأمر في شريعة النصارى العكس، وهو وجوب العفو، لكن شريعتنا جاءت كاملة من الوجهين، ففيها القصاصُ وفيها العفو، لأن في أخذ الجاني بجنايته حزمًا وكفًا للشر، وفي العفو عنه إحسانًا وجميلًا، وبذل معروف فيمن عفوت عنه،
١ أخرجه أحمد في المسند٢/٣٨١، والحاكم في المستدرك٢/٦١٣، وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي. والبخاري في الأدب المفرد رقم ٢٧٣. والبيهقي ١٠/١٩٢ وابن أبي الدنيا في: مكارم الأخلاق رقم ١٣ وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/١٥: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح وصححه أيضا: الألباني في السلسلة الصحيحة رقم٤٥.
1 / 11
فجاءت شريعتنا والحمد لله مكملة، خيرت من له الحق بين العفو والأخذ، لأجل أن يعفو في مقام العفو، وأن يأخذ في مقام الأخذ. وهذا بلا شك أفضل من شريعة اليهود التي ضيعت حق المجني عليهم في العفو الذي يكون فيه مصلحة لهم، وأفضل من شريعة النصارى التي ضيعت حق المجني عليهم أيضًا فأوجبت عليهم العفو وقد تكون المصلحة في الأخذ وإنزال العقوبة.
1 / 12
الأخلاق بين الطبع والتطبع
وكما يكون الخُلقُ طبيعة، فإنه قد يكون كسبًا، بمعنى أن الإنسان كما يكون مطبوعًا على الخلق الحسن الجميل، فإنه أيضًا يمكن أن يتخلق بالأخلاق الحسنة عن طريق الكسب والمرونة.
ولذلك قال الني ﷺ لأشج عبد القيس: "إن فيك لخلقين يحبهما الله: الحلم والأناة" قال يا رسول الله، أهما خلقان تخلقت بهما، أم جبلني الله عليهما، قال: "بل جبلك الله عليهما". فقال: "الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما ورسوله" ١.
فهذا دليل على أن الأخلاق الحميدة الفاضلة تكون طبعًا وتكون تطبعا، ولكن الطبع بلا شك أحسن من التطبع، لأن الخلق الحسن إذا كان طبيعيًا صار سجية للإنسان وطبيعة له، لا يحتاج في ممارسته إلى تكلف، ولا يحتاج في استدعائه إلى عناء ومشقة، ولكن هذا فضل الله يؤتيه من يشاء، ومن حُرم هذا – أي حُرم الخلق عن سبيل الطبع – فإنه يمكنه أن يناله
عن سبيل التطبع، وذلك بالمرونة، والممارسة كما سنذكر إن شاء الله تعالى فيما بعد.
١ أخرجه أبو داود رقم ٥٢٢٥ كتاب الأدب. وأحمد ٤/٢٠٦ وأخرج مسلم شطره الأول رقم ٢٥، ٢٦ كتاب الإيمان. والترمذي رقم ٢٠١١ كتاب البر والصلة.
1 / 13
من الأفضل؟
وهنا مسألة وهي:
أيهما أفضل رجل جُبل على خلق حميد، ورجل يجاهد نفسه على التخلق به، فأيهما أعلى منزلة من الآخر؟
ونقول جوابًا على هذه المسألة: إنه لاشك أن الرجل الذي جُبل على الخلق الحسن أكمل من حيث تخلقه بذلك، أو من حيث وجود هذا الخلق الحسن فيه، لأنه لا يحتاج إلى عناء ولا إلى مشقة في استدعائه، ولا يفوته في بعض الأماكن والمواطن، إذ أن حسن الخلق فيه سجيه وطبع، ففي أي وقت تلقاه تجده حَسَن الخلق، وفي أي مكان تلقاه حَسَن الخلق، وعلى أي حالٍ تلقاه حَسَن الخلق، فهو من هذه الناحية أكمل بلا شك.
وأما الآخر الذي يجاهد نفسه ويروضها على حسن الخلق، فلا شك أنه يؤجر على ذلك من جهة مجاهدة نفسه، وهو أفضل من هذه الجهة، لكنه من حيث كمالُ الخلق أنقص بكثير من الرجل الأول.
فإذا رزق الإنسان الخلقين جميعًا، طبعًا وتطبعًا كان ذلك أكمل، الأقسام هي:
١ - من حرُم حسن الخلق طبعًا وتطبعًا
٢ – من حرمه طبعًا لا تطبعًا
٣ - من رُزقه طبعًا لا تطبعا
1 / 14
٤ - من رُزقه طبعًا لا تطبعًا
ولا شك أن القسم الثالث هو أفضل الأقسام لأنه مع بين الطبع والتطبع في حسن الخلق١.
١ ويروي ابن القيم ﵀ أن جميع الأخلاق الفاضلة تنشأ عن أمرين:
الأول: الخشوع.
الثاني: علو الهمة.
قال ﵀ في كتاب الفوائد ص ٢١٠، ٢١١: "وأما الأخلاق الفاضلة كالصبر، والشجاعة، والعدل، والمروءة، والعفة، والصيانة، والجود، والحلم، والعفو، والصفح، والاحتمال، والإيثار، وعزة النفس عن الدناءات، والتواضع، والقناعة، والصدق، والإخلاص، والمكافأة على الإحسان بمثله أو أفضل والتغافل عن زلات الناس، وترك الاشتغال بما لا يعنيه، ولامة القلب من تلك الأخلاق المذمومة ونحو ذلك، فكلها ناشته عن الخشوع وعلو الهمة. والله سبحانه أخبر عن الأرض بأنها تكون خاشعة، ثم ينزل عليها الماء فتهتز، وتأخذ زينتها وبهجتها، فذلك المخلوق منها إذا أصابه حظه من التوفيق. أ.هـ.
1 / 15
مجالات حسن الخلق
إن كثيرًا من الناس يذهب فهمه إلى أن حسن الخلق خاص بمعاملة الخلق دون معاملة الخالق ولكن هذا الفهم قاصر، فإن حسن الخلق كما يكون في معاملة الخلق، يكون أيضًا في معاملة الخالق، فموضوع حسن الخلق إذن: معاملة الخالق جلا وعلا، ومعاملة الخلق أيضًا وهذه المسألة ينبغي أن يتنبه لها الجميع.
أولًا: حسن الخلق في معاملة الخالق:
حسنُ الخلق في معاملة الخالق يجمع ثلاثة أمور:
١ - تلقي أخبار الله بالتصديق.
٢ - وتلقي أحكامه بالتنفيذ والتطبيق.
٣ - وتلقي أقداره بالصبر والرضا.
هذه ثلاثة أشياء عليها مدار حسن الخلق مع الله تعالى.
أولًا - تلقي أخبار بالتصديق: بحيث لا يقع عند الإنسان شك، أو تردد في تصديق خبر الله ﵎، لأن خبر الله تعالى صادر عن علم، وهو سبحانه أصدق القائلين كمال قال تعالى عن نفسه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ ١. ولازم تصديق أخبار الله أن يكون الإنسان
١ سورة النساء، الآية: ٨٧.
1 / 16
واثقًا بها، مدافعًا عنها، ومجاهدًا بها وفي سبيلها، بحيث لا يداخله شك أو شبهة في أخبار الله ﷿ وأخبار رسوله ﷺ.
وإذا تخلق العبد بهذا الخلق أمكنه أن يدفع أي شبهة يوردها المغرضون على أخبار الله ورسوله ﷺ، سواء أكانوا من المسلمين الذين ابتدعوا في دين الله ما ليس منه، أم كانوا من غير المسلمين الذين يلقون الشبه في قلوب المسلمين بقصد فتنتهم وإضلالهم.
ولنضرب لذلك مثلًا [حديث الذباب]:
ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء" ١.
هذا خبر صادر عن رسول الله ﷺ وهو ﷺ في أمور الغيب لا ينطق عن الهوى، لا ينطق إلا بما أوحى الله تعالى إليه لأنه بشر، والبشر لا يعلم الغيب بل قد قال الله له: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ٢.
وهذا الخبر يجب علينا أن نقابله بحسن الخلق وحسن الخلق نحو هذا الخبر يكون بأن نتلقاه بالقبول والانقياد، فنجزم بأن ما قاله النبي ﷺ في
١ أخرجه البخاري رقم٥٧٨٢ كتاب الطب. وأبو داود بنحوه رقم ٣٨٤٤ كتاب الأطعمة. وأخرجه ابن ماجه رقم ٣٥٠٥ كتاب الطب. وأحمد في المسند ٢/٢٤٦، ٢٣٦، ٣٤٠، ٣٥٥.
٢ سورة الأنعام، الآية: ٥٠.
1 / 17
هذا الحديث فهو حق وصدق، وإن اعترض عليه من اعترض، ونعلم علم اليقين أن كل ما خالف ما صح عن رسول الله ﷺ فإنه باطل، لأن الله تعالى يقول: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ١.
ومثال آخر [من أخبار يوم القيامة]:
أخبر النبي ﷺ: "أن الشمس تدنو من الخلائق يوم القيامة بقدر ميل" ٢. وسواء كان هذا الميل ميلَ المكحَلة أم كان ميل المسافة، فإن هذه المسافة بين الشمس ورءوس الخلائق قليلة ومع هذا فإن الناس لا يحترقون بحرها، مع أن الشمس لو تدنو الآن في الدنيا مقدار أنملة لاحترقت الأرض ومن عليها.
قد يقول قائل: كيف تدنو الشمس من رءوس الخلائق يوم القيامة بهذه المسافة، ثم يبقى الناسُ لحظةً واحدةً دون أن يحترقوا؟! نقول لهذا القائل: عليك أن تكون حسن الخلق نحو هذا الحديث.
وحسنُ الخلق نحو هذا الحديث الصحيح يكون أن نقبله ونصدق به، وأن لا يكون في صدورنا حرج منه ولا ضيق ولا تردد، وأن نعلم أن ما أخبر به النبي ﷺ في هذا فهو حق، ولكن هناك فارقًا عظيمًا بين أحوال الناس في الدنيا، وأحوالهم في الآخرة، بحيث لا يمكن أن نقيس أحوال
١ سورة يونس، الآية: ٣٢.
٢ أخرجه مسلم رقم٦٢ كتاب الجنة ونعيمها. والترمذي رقم ٢٤٢١ كتاب الزهد.
1 / 18