Madarij Salikin
مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين
Editor
محمد المعتصم بالله البغدادي
Penerbit
دار الكتاب العربي
Edisi
السابعة
Tahun Penerbitan
1423 AH
Lokasi Penerbit
بيروت
فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ نُورِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، عِلْمًا وَعَمَلًا، وَمَعْرِفَةً وَحَالًا.
وَكُلَّمَا عَظُمَ نُورُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَاشْتَدَّ أَحْرَقَ مِنَ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ بِحَسَبِ قُوَّتِهِ وَشِدَّتِهِ، حَتَّى إِنَّهُ رُبَّمَا وَصَلَ إِلَى حَالٍ لَا يُصَادِفُ مَعَهَا شُبْهَةً وَلَا شَهْوَةً، وَلَا ذَنْبًا، إِلَّا أَحْرَقَهُ، وَهَذَا حَالُ الصَّادِقِ فِي تَوْحِيدِهِ، الَّذِي لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا، فَأَيُّ ذَنْبٍ أَوْ شَهْوَةٍ أَوْ شُبْهَةٍ دَنَتْ مِنْ هَذَا النُّورِ أَحْرَقَهَا، فَسَمَاءُ إِيمَانِهِ قَدْ حُرِسَتْ بِالنُّجُومِ مِنْ كُلِّ سَارِقٍ لِحَسَنَاتِهِ، فَلَا يَنَالُ مِنْهَا السَّارِقُ إِلَّا عَلَى غِرَّةٍ وَغَفْلَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا لِلْبَشَرِ، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ وَعَلِمَ مَا سُرِقَ مِنْهُ اسْتَنْقَذَهُ مِنْ سَارِقِهِ، أَوْ حَصَّلَ أَضْعَافَهُ بِكَسْبِهِ، فَهُوَ هَكَذَا أَبَدًا مَعَ لُصُوصِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، لَيْسَ كَمَنْ فَتَحَ لَهُمْ خِزَانَتَهُ، وَوَلَّى الْبَابَ ظَهْرَهُ.
وَلَيْسَ التَّوْحِيدُ مُجَرَّدَ إِقْرَارِ الْعَبْدِ بِأَنَّهُ لَا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ اللَّهَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ، كَمَا كَانَ عُبَّادُ الْأَصْنَامِ مُقِرِّينَ بِذَلِكَ وَهُمْ مُشْرِكُونَ، بَلِ التَّوْحِيدُ يَتَضَمَّنُ - مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ، وَالْخُضُوعِ لَهُ، وَالذُّلِّ لَهُ، وَكَمَالِ الِانْقِيَادِ لِطَاعَتِهِ، وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ، وَإِرَادَةِ وَجْهِهِ الْأَعْلَى بِجَمِيعِ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ، وَالْمَنْعِ، وَالْعَطَاءِ، وَالْحُبِّ، وَالْبُغْضِ - مَا يَحُولُ بَيْنَ صَاحِبِهِ وَبَيْنَ الْأَسْبَابِ الدَّاعِيَةِ إِلَى الْمَعَاصِي، وَالْإِصْرَارِ عَلَيْهَا، وَمَنْ عَرَفَ هَذَا عَرَفَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ» وَقَوْلَهُ: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» وَمَا جَاءَ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَشْكَلَتْ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى ظَنَّهَا بَعْضُهُمْ مَنْسُوخَةً، وَظَنَّهَا بَعْضُهُمْ قِيلَتْ قَبْلَ وُرُودِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَاسْتِقْرَارِ الشَّرْعِ، وَحَمَلَهَا بَعْضُهُمْ عَلَى نَارِ الْمُشْرِكِينَ وَالْكُفَّارِ، وَأَوَّلَ بَعْضُهُمُ الدُّخُولَ بِالْخُلُودِ، وَقَالَ: الْمَعْنَى لَا يَدْخُلُهَا خَالِدًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ الْمُسْتَكْرَهَةِ.
وَالشَّارِعُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ حَاصِلًا بِمُجَرَّدِ قَوْلِ اللِّسَانِ فَقَطْ، فَإِنَّ هَذَا خِلَافُ الْمَعْلُومِ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ الْمُنَافِقِينَ يَقُولُونَهَا بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَهُمْ تَحْتَ الْجَاحِدِينَ لَهَا فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ، فَلَا بُدَّ مِنْ قَوْلِ الْقَلْبِ، وَقَوْلِ اللِّسَانِ، وَقَوْلُ الْقَلْبِ يَتَضَمَّنُ مِنْ مَعْرِفَتِهَا، وَالتَّصْدِيقِ بِهَا، وَمَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ مَا تَضَمَّنَتْهُ - مِنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَمَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الْإِلَهِيَّةِ الْمَنْفِيَّةِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، الْمُخْتَصَّةِ بِهِ، الَّتِي يَسْتَحِيلُ ثُبُوتُهَا لِغَيْرِهِ، وَقِيَامُ هَذَا الْمَعْنَى بِالْقَلْبِ عِلْمًا وَمَعْرِفَةً وَيَقِينًا، وَحَالًا - مَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ قَائِلِهَا عَلَى النَّارِ، وَكُلُّ قَوْلٍ رَتَّبَ الشَّارِعُ مَا رَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ الثَّوَابِ، فَإِنَّمَا هُوَ الْقَوْلُ التَّامُّ، كَقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ قَالَ فِي يَوْمٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ،
1 / 339