Let's Call to Islam

هكذا فلندع إلى الإسلام

Wilayah-wilayah
Syria
هكذا فَلنَدع إلى الإسلام
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافيء مزيده. ياربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك.
سبحانك اللهم لا نحصي ثناءًا عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه. صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين.
وأسأل الله تعالى أن يلهمني الرشد، وأن يعيذني من شروري وسيآت أعمالي، وأن يكرمني بنعمة الإخلاص لوجهه في كل شؤوني إنه أكرم مسؤول.
يتبوّأ هذا البحث مكانه من الاهمية، بين بحوث هذه السلسلة، لعوامل مختلفة، من أهمها العوامل التالية:
العامل الأول: انحسار معظم الشبهات الفكرية والعلمية المختلفة التي كانت تغشي إلى وقت قريب، على عقول كثير من الناشئة والمثقفين في طريق إقبالهم على الإسلام؛ إذ كان يدفع بها إليهم أناس احترفوا الغزو الفكري، ضد كل ما يتضمنه الإسلام من عقائد وأحكام!.. وانك لتذكر كم سخر هؤلاء الناس دروسًا لهم في المدارس، على اختلاف مضموناتها، للتلبيس على حقائق الإسلام والتشكيك في يقينياته، يسخرون لذلك عناوين العلوم آنًا، والتاريخ آنًا، والاكتشافات والنظريات الحديثة آخر!..
فلقد أنحسر اليوم سلطان هذه التشويش الخادع.
وأفلت زمام العلم من أيدي المتلاعبين بألفاظه، وعاد العلم الحقيقي برهانًا يملأ عقول الباحثين يقينًا بصدق كل ما يتضمنه الإسلام من حقائق الإيمان وأنظمة الحياة والسلوك.
فكان من آثار هذا الانحسار للشبهات وخيبة الساعين بها إلى عقول الناشئة، أن أقبل هؤلاء الشباب من كل حدب وصوب إلى تفهم الإسلام ابتغاء تطبيقه والانصباغ به. ولا بدّ في هذه الحالة من وجود عدد كبير من الداعين إلى الإسلام، قد أتقنوه علمًا، واستقاموا عليه سلوكًا، وأخلصوا لله تعالى في تمسكهم به؛ ليبصروا هذه الناشئة بحقيقة الإسلام، ويرسخوا مبادئه في نفوسهم، ويرشدوهم إلى السبيل الأمثل للاهتداء به فكرًا وخلقًا، وسلوكًا.
العامل الثاني: أن هذه الشبهات وان تكن قد ابتعدت عن الطريق إلى فهم الإسلام، وحقيقته، وواقع سموه على كل خرافة أو ضلالة شاردة عن موازين المنطق والعلم، فإن المتربصين به من أعدائه، في شرق العالم وغربه، يدأبون، بكل ما أوتوا من قوة، على الكيد له ولأهله أينما كانوا. وانك لتنظر، فلا ترى من جامعة تجمعهم أو جسر يصل ما بينهم، إلا ابتغوا تنسيق السبل الماكرة العجيبة إلى خنق إسلام المسلمين في صدورهم، أو إلى حصر فاعلياته ضمن أضيق المجالات وأقلها شأنًا في حياتهم.
فاقتضت هذه الظاهرة، أن يتضاعف أعداد القائمين بواجب الدعوة إلى هذا الدين الحنيف، بل إن هذه الظاهرة اقتضت ان يتحول كل مسلم، صدق مع الله في إسلامه، إلى جندي يقوم بواجب الدعوة إلى الإسلام جهد استطاعته، وفي نطاق إمكاناته.
لقد كانت مهمة الدعوة إلى الإسلام من الفروض الكفائية، كما قال العلماء، يوم كانت المجتمعات الاسلامية، تسير قدمًا في طريق الإسلام، بدفع من اتجاهها التي وضعت نفسها فيه، دون أن يكون على الطريق أو عن يمنه أو يساره، من يتربص بها الدوائر، ويختلق لها العقبات، ويصدها عن الوصول إلى الغاية بنيران الشهوات والاهواء.
أما اليوم، وقد جند كل امكانات الدنيا، من مال وطاقة ونساء وفكر، في سبيل الصدد عن صراط الله والوصول إلى مرضاته، فقد أصبحت مهمة الدعوة الإسلامية فرضًا من الفروض العينية، يخاطب به كل مسلم صادق مع الله في إسلامه، ولم تعد مقتصرة على ثلة من الناس، مهما بلغ شأنهم ومهما كانت أهميتهم.
إننا في عصر تلتهم فيه النيران بنيان الإسلام، على الرغم من أن دعائم أحقيته لم تتجل للأبصار والبصائر كما تجلت في هذا العصر، لا لأقوام من الناس بأعيانهم، بل لأهل الأرض جميعًا، وفرق الإطفاء قليلة عاجزة عن الوقوف وحدها في وجه هذه النيران، إذن لا بد من ان يهب الكل، على اختلاف قواهم وإمكاناتهم، لصد هذه النيران عن بنيان الحقائق الإسلامية، وإنصراحه القائم على دعائم الحق والعزة والعدل كل يجاهد في سبيل ذلك حسب استطاعته.
العامل الثالث: ان الدعوة الإسلامية، وقد ارتفعت أهميتها وزادت ضرورتها وخطورتها إلى ما قد رأيت، ليس شأنها كشأن الدعوة إلى أي مبدأ أو مذهب آخر!.. إنها تحتاج إلى كثير من العلم ودقته، وإلى كثير من الحذر ويقظته، وإلى كثير من رقابة النفس ألا تتسلل بشيء من حظوظها إلى طريق الدعوة وسياستها.
فما أكثر ما يتنكب الداعي إلى الإسلام، عن المنهج السوي الذي يجب عليه أن يلتزمه ولا يحيد عنه؛ بسبب جهل وقع فيه، أو بسبب حظ من حظوظ النفس هيمن عليه، وإذا هو يأتي من حصاد عمله ودعوته بعكس ما كان متوقعًا، وربما امتد لعمله ذاك أثر مستمر لا يكاد ينقطع!..

1 / 1

فاقتضى الأمر من أجل ذلك، تبصير المسلمين على اختلاف ثقافاتهم وقدراتهم ومستوياتهم، ممن أخلصوا لله في دينهم وإيمانهم، بالسبيل الذي يجب أن تنضبط به عملية الدعوة إلى الإسلام، على ضوء أوضاعنا القائمة اليوم. سواء فيها ما كان متعلقًا بالمسائل العلمية المتعلقة بهذا الصدد، وما كان متعلقًا بأمر النفس وتزكيتها، وما كان منها متعلقًا بالسياسة الشرعية المتعلقة بالدعوة ذاتها.
وإن بحث هذه المسائل ليحتاج إلى مجلد كبير لكي تستوعب فيه على نحو وافً مبسط.
غير أن الوقت اعجل من ذلك.
إنه أعجل من ذلك، لأن المهمة الملقاة على أعناق المسلمين جميعًا، بصدد واجب الدعوة إلى الله، لا تمهل ولا تنتظر الوقت الذي ينضح فيه مثل هذا المجلد ويتكامل إخراجه.
وهو أعجل من ذلك، لأن مثل هذا المجلد الكبير، سيكون خطابًا للخاصة من المسلمين دون غيرهم، وإنما نريده منهاجًا يوضع تحت يد كل مسلم بصير بدينه مخلص في القيام بواجب ربه عليه.
وهو أعجل من ذلك، لأنني لا أجد لدي من الوقت ما يتسع لعرض تفصيلات واسعة في هذا الصدد، قد يستغرق مني زمنًا طويلًا لا ادري هل يكون في الاجل متسع له، مع كل ما قد تراه حولنا من مشكلات الدعوة، وحاجاتها الملحة المستعجلة.
لذا، وجدت في بحوث هذه السلسلة، ما ينجدني في كتابة خلاصة جامعة لكل ما يجب أن يلم به الداعي إلى الله ﷿. وعلى كل مسلم اليوم (١) [١] أن يكون داعيًا إلى الله، جهد استطاعته، ولكن ببصيرة وعلى هدي من آداب هذه الدعوة وشروطها.
وقد كنت، ولا أزال، أحرص على أن تكون هذه البحوث علاجًا لقمة ما يشغل بال المسلمين بل الناس اليوم، من أمور الفكر والثقافة، وأن أحزم كل مسائلها ضمن أسلوب يجمع، قدر الإمكان، بين الاستيعاب والإيجاز والإيضاح.
فذلك هو السبيل الوحيد لفتح مغاليق هذه البحوث أمام طبقات الناس المثقفين جميعًا، ومن ثم يتيسر لنا جميعًا أن نبذل جهودًا مشتركة عامة، لا تعلو فيها طبقة على أخرى، من أجل حل معضلاتنا والقيام بواجباتنا والسير معًا إلى غاياتنا.
رسالة الدعوة إلى الإسلام، ما أراداها إلا من أهم هذه البحوث التي تشغل فعلًا بال كل مسلم صادق في إسلامه.
فهي ضرورية في حياتنا جدًا، ولكنا نخوض فيها من دون دراية وتسلّح بالضوابط والكوابح التي لا بد منها خطير جدًا.
ولعل الله يوفقني في الصفحات التالية. لبيان السبيل الذي يضمن لنا القيام بهذا الواجب الضروري، مكلوءًا برعاية ضوابطه وآدابه وأحكامه التي لا بد منها.
إنه ولي كل هداية وتوفيق.

(١) نقصد بكل مسلم اليوم، آحاد المسلمين، ممن يملكون القدرة على الدعوة بيانًا وحجة باللسان، ولسنا نقصد هنا الواجب الذي وضعه الله تعالى في أعناق الحاكمين وأولي الأمر، ممن يملكون أكثر من وسيلة الحجة والبيان، ألا وهي قوة الحكم والإلزام.

1 / 2

الشّرُوط الأوليَّة لِسَلامة الدّعوَة
يمكننا أن نلخص هذه الشروط في الأمور الثلاثة التالية:
الشرط الأول: أن يتحقق الإسلام الصحيح في شخص الداعي اليه
وضرورة هذا الشرط من الوضوح بمكان، فكلنا يعلم أن فاقد الشيء لا يعطيه. ولن نتحدث في هذا الصدد، عن إنسان لم يقبل الإسلام له دينًا، فمن المتفق عليه أن هذا الإنسان، إن دعا إلى الإسلام، فلن يأتي من دعوته بأي طائل، بل من المقطوع به، أنه لن ينهض بأي دعوة حقيقية إلى مبدأ لا يدين هو نفسه به.
ولكن المهم في هذا الصدد، أن نتسائل عن قيمة الدعوة إلى الإسلام، إذ ينهض بها مسلم غير ملتزم بأحكام الإسلام وآدابه، أو ينهض بها مسلم ملتزم بأحكام الإسلام، ولكنه لم يخلص لله ﷿ في هذا الالتزام أو في هذه الدعوة.
فلتعلم أن المسلم الذي لا يلتزم جهد استطاعته بأحكام الإسلام، أو يلتزم ولا يكون مدفوعًا إلى ذلك طلبًا لمرضاة الله تعالى وحده، لا يكون عمله في الدعوة، إن هو قام بها، إلا كمن يفتح صنابير مياه على حوض ترك مصرف المياه مفتوحًا في قعره. قد يتجمع شيء من الماء فيه، ولكنه آيل إلى الذهاب والضياع.
ولكن كيف ذلك؟ ولماذا؟
إن الدافع الذي من شأنه أن يهيًج المسلم وينهضه إلى دعوة الناس إلى الإسلام. هو بذاته الدافع الذي من شأنه يهيجه إلى الالتزام بأحكامه وآدابه، والاخلاص في ذلك لوجه الله وحده.
ومن هنا يتحقق التلازم بينهما، نظرًا إلى أنهما فرعان لأصل واحد، فلا يتحقق الأصل بدونهما، ولا يتحقق واحد منهما بدون الآخر.
فإن رأيت - مع هذا - إنسانًا نشيطًا في القيام بأعباء الدعوة إلى الله تعالى، ولكنه متهاون في أمر نفسه وإلزامه إياها بأحكامه وأوامره ﷿، فاعلم أنه مدفوع إلى نشاطه هذا بدافع آخر، غير ذلك الأصل الرباني الذي إذا وجد، لا بد أن يتفرع عنه كل من الالتزام الصادق المخلص في النفس، والدعوة إليه في صفوف سائر إخوانه وأصحابه.
وما أكثر الدوافع الأخرى التي تحمل صاحبها (والحالة هذه) إلى نشاط عجيب في حقل الدعوة الإسلامية، قد يذهب براحة جسمه وبالكثير من حظوظ نفسه. كتعلقه بالزعامة، أو السعي وراء مصلح، أو طلب لثناء، أو تسخير الدين لمئرب من المآرب!.. فإن هذه الدوافع وأمثالها إذا استحكمت بالنفس، هيجت صاحبها إلى نشاطات قاسية ومضنية، يتحملها، وهو جزلان، تعلقًا بالآمال التي يترقبها فيما بينه وبين نفسه.
وأيًا كان، فإن شيئًا من عمل مثل هذا الداعي لا يأتي بثمرة حقيقية باقية، بل ربما لا يترك، على المدى البعيد، إلا آثارًا عكسية تسيء ولا تصلح، وتبعد ولا تقرب!..
ثم إن علينا، بعد هذا، ان نتساءل: ما هو الإسلام الذي يجب أن يلتزم به الداعي إلى الله، هذا الالتزام ويخلص له هذا الإخلاص.
أو مذهب يقارع غيره، أم هو نظام ينافس الأنظمة الأخرى، أم هو يمين في مواجهة يسار أو يسار في مواجهة يمين؟
ليس الإسلام شيئًا من هذا ولا ذاك. ولكنه، كما يدل عليه اسمه، الاستسلام المطلق لألوهية الله تعالى وحده، ثم الانصياع، بناء على ذلك، لأمر ونهيه وقضائه.
ولا يرتكز أساس هذا الإسلام إلا إيمانًا كاملًا في القلب.
ولا يعمر الإيمان الحقيقي القلب، إلا بعد خلوه عن الأغيار، وتزكيته عن الاقذار، وانقطاع علائق الشهوات والأهواء عنه.
وتلك هي التزكية التي عبر عنها البيان الإلهي بقوله ﷿: قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها (١) [٢] .
وبقوله تعالى: ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير (٢) [٣]، وبقوله تعالى: يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم (٣) [٤] .
وهي المقصود بالصلاح في قوله ﵊: ألا وان في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب.
هذا الإيمان الذي يجب أن يتربع قبل كل شيء، في حيز الفؤاد كله، نقيًا من الأدران، هو ينبوع الإسلام وروحه، وهو الهواء الذي يتنفس به ويعيش عليه.
فإذا استقام الإيمان على هذا النحو، في الفؤاد، خاليًا عن الزغل، نقيًا عن الأدران - تحققت مظاهر الاستسلام كلها في كيان الإنسان لأوامر الله ونواهيه وسائر أحكامه بدون عظيم جهد ولا طويل عناء.
وإنما الذي يستنفد من الإنسان الجهد والشدة، تحرير القلب من علائق الدنيا وأهوائها، والارتفاع به إلى مستوى الطهر والصلاح، كما قال رسول الله ﷺ حتى ينتهي به إلى حالة لا يغشيه شيء من آفات النفس الأمارة بالسوء، بل يعود مرآة صقيلة يتجلى فيها شهود الخالق ﷿ وحده. فإذا عبده صاحب هذا القلب، تجلى له شهود الحق من مشكاة قلبه، فإذا وكأنه يرى الله، لا يحجبه عن هذا التجلي شيء من ملهيات الدنيا وأهوائها وآفات النفس ورذائلها.
ومن هنا كان قوام الدين الحق الذي ألزم الله به عباده، مكونًا من ثلاثة أركان: إيمان، وإسلام، وإحسان.

(١) سورة الشمس:٩
(٢) سورة فاطر: ١٨
(٣) سورة الشعراء:٨٩

1 / 3

فمغرس الإيمان في القلب، ومكان الإسلام الجسم كله، ومستقر الإحسان صلة ما بين القلب الذي آمن، والجسد الذي أسلم. ولا ينفرد واحد من هذه الإركان الثلاثة بوجود مستقل مفيد، بل الدين إنما يتكون من تآلف هذه الأركان الثلاثة التي لا تعدو أن تكون جذورًا وفروعًا وشرايين تنقل الحياة من هنا إلى هناك.
والمسلم إذا عاش، فلهذا الدين يعيش؛ وان دعا الناس، فإلى هذا الدين يدعو.
ومعاذ الله أن يكون هذا شأنه وجوهره، مجرد نظام بين الأنظمة، أو مجرد مذهب من المذاهب.
ليس للانظمة والمذاهب التي يتطاحن أهلها عليها اليوم، إلا وجود خارجي يبدأ وينتهي في ساحة المشاهدات والمحسوسات، وإنه لوجود ما أيسر ان يكون قناعًا يستتر خلفه النفاق ألوانا، ويكمن وراءه الخداع والكيد، أشكالًا!..
أما الإسلام فوجوده شعاع يمتد في كينونة الإنسان كله، بدءًا من باطن القلب إلى ظاهر الجوارح، من شأنه أن يحرر الإنسان من أنانية ذاته، وآفات نفسه، وثم يخضعه لأحكام ربه.
أو لم تتأمل في قول الله ﷿: (قل أنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين) .
فتلك هي حقيقة الإسلام الذي يجب أن يتحقق به كل مسلم صادق مع الله في إسلامه. وذلك هو الشرط الأول الذي يجب توفره في شخص الداعي إلى الإسلام.
ولست أزعم أن على الذي يريد أن ينشط في مجال الدعوة إلى الإسلام، أن يكون قد وصل إلى رتبة الكمال في انصباغه بحقيقة الإسلام باطنًا وظاهرًا، على النحو الذي ذكرت. فلو كان هذا شرطًا لا بد منه. إذًا لوجب أن تفرغ المجتمعات الإسلامية من الداعين إلى الإسلام، ولكان عليهم جميعًا أن ينصرفوا إلى مجاهدة النفس والهوى، دون الاشتغال بأمر بمعروف أو نهي عن منكر، إلى أن يصلوا إلى رتبة الكمال في الإيمان والإسلام والإحسان!..
غير أن من الواجب على المسلمين عامة، والقائمين بأمر الدعوة إلى الله خاصة، أن يتبينوا بعقولهم - على أقل تقدير - حقيقة الإسلام وأعماق نفسه على النحو الذي سبق بيانه، ثم عليهم أن يجاهدوا أنفسهم ابتغاء التحقق بذلك، كما كان يفعل سلفنا الصالح رضوان الله عليهم، بدءأ بعصر الصحابة فمن دونهم. فيكون كل منهم رقيبًا على قلبه ألا تعثو به الأهواء، وألا تتحكم به آفات النفس من أنانية وكبر وحسد وضغينة وحقد، وتعلق بالدنيا ومناصبها، وأن يسلك إلى ذلك السبل التي كان يسلكها الربانيون، وأن يعلم أن ذلك هو الجهاد الأكبر الذي لا يصلح من دونه ظاهر ما قد يتجلى به المسلم من طاعات وعبادات.
ودعك من الوقوف عند كلمة: الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر، أحديث هو أم لا.. فحسبك في هذا الباب قرارًا جازمًا يفقهه كل مسلم أخلص لله دينه، قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه:
(..ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله. ألا وهي القلب) فاذا لم يكن الجهد الذي يبذله المسلم في سبيل اصلاح قلبه - بعد هذا الكلام من رسول الله - جهادًا أكبر، فماذا عسى ان يكون الجهاد اذن؟..
فإذا تنبه المسلم بعقله الى هذه الحقيقة واستيقنها، ثم أخذ يسعى جهد استطاعته للتحلّي بها، فليكن عمله في نطاق الدعوة الى الله جزءًا من سعيه هذا، في حدود إمكاناته، وضمن قيود من الشروط والآداب التي نتحدث عنها الآن في هذه الرسالة العجلى.
على أن المسلم الذي لا يبالي أن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، على الرغم من تقصيره في حق نفسه، وعدم التزامه بما يأمره به الناس، إنما يطبق القاعدة القائلة: ما لا يدرك لا يترك كله، وله على إرشاده الناس الأجر، كما أن عليه بسبب إهماله شأن نفسه الوزر، لا ينسخ أحدهما من الآخر شيئًا.
ولكن في ذلك، أن أثر الدعوة في نفوس السامعين ليس آتيا من مجرد الكلام المنطقي الذي يقبله العقل، وإنما هو آت، في معظمه، من تجليات ربانية على قلب الداعي والمرشد، عندما يكون قلبه صافيًا من كدورات النفس وأهوائها، مشرقًا بشهود الله تعالى ومراقبته. إذا تنسكب من ذلك إشعاعات في كلامه، فلا يلبث أن يسري تأثيره الى افئدة السامعين، بدرجات متفاوته، كل حسب ما أبقاه طغيان الشهوات والأهواء فيه من بقايا الاستعداد أو زوايا الطهر والفراغ.
فإذا كان الداعي الى الاسلام يعاني من ظلام القلب وقسوته، مثل الذي يعانيه أولئك الذين يتوجه إليهم بالدعوة والإرشاد، غاية ما يمتاز به حديثه معهم حينئذ، سلامة المنطق وقوة الحجة والبيان. وهيهات أن يكون ذلك وحده كافيًا، في أن يضيئ طوايا قلوب مظلمة. واذا لم يستظيء القلب بنور الحق، لم يكف أن يخضع العقل وحده لميزان المنطق، فإن أكثر ما يدعو الناس الى الانحراف عن جادة الصواب. طغيان الشهوات على قلوبهم، لا احتجاب دلائل الحق عن عقولهم.
...

1 / 4

الشرط الثاني: أن تشيع الدعوة أولًا في صفوف المسلمين أنفسهم، حتى إذا استقام أمرهم على النهج السليم، وتجسدت في حياتهم معاني الإسلام وأخلاقه وفطرته، انبثق لهم من ذلك لسان مبين يدعو الأمم الأخرى إلى دين الله تعالى، وتجلى من سلوكهم أمام تلك الأمم خط مضيء يشق سبيله وسط أمواج الظلمات وعكر المذهب والأفكار المنحرفة، فكان في ذلك أكبر عامل يحمل تلك الأمم على الإقبال إلى الإسلام لفهمه على حقيقته اولًا، ثم الاعتناق له والانصباغ به ثانيًا.
إن من أكبر الأخطاء، أن ينصرف المسلمون عن إصلاح حالهم وتقويم سلوكهم، لعجز أو لغيره من الأسباب، ثم يستعيضوا عن ذلك بالاتجاه إلى الأمم الأخرى، ليدعوهم، فيما يزعمون، إلى الله، وليرشدوهم إلى الإسلام والتمسك بآدابه وأحكامه!..
إذ إن تلك الأمم محجوبة عن الإسلام وحقيقته، وحب الإقبال إليه، بسبب ما تراه من واقع المسلمين وسوء حالهم، أكثر من أن تكون محجوبة عنه بالجهل به أو سوء الفهم له.
فإن رأيت أناسًا من تلك الشعوب، يقبلون إلى الإسلام ويعتنقونه، فذلك لأحد سببين:
إما أنهم لحسن حظهم احتكوا باشخاص مسلمين صادقين مع الله في إسلامهم، فتنسموا فيهم عبير الفطرة الإنسانية الصافية وآنسوا منهم الخلق الإسلامي الكريم، وأحسوا بنور الهداية الربانية يغمر قلوبهم فيرتفع بها فوق صعيد الاهواء والشهوات الجانحة، فوجدوا في ذلك الضياء والأنس، أعظم ملاذ لهم من ظلمات حياتهم الخانقة، فدخلوا في دين الله ﷿ من هذا الطريق.
وإما أنهم أقبلوا إلى دراسات فكرية حرة عن الإسلام وحقيقته، فوجدوا حقائقه الناصعة وبراهينه العلمية والعقلية القاطعة، فازدادت كراهيتهم للباطل الذي يتقلبون فيه، من جراء ذلك؛ فتلاقى لديهم من اشمئزازهم مما هم تائهون فيه، ومن يقينهم الفكري بالحق الذي وقعوا عليه، عامل قوي حررهم من أسر شهواتهم وإباحياتهم، ثم وضعهم على رأس الطريق إلى صراط الله ﷿ الهادي إلى السعادتين الدنيوية والأخروية.
ولا ريب أن الذين دخلوا الإسلام لهذا السبب الثاني، أقل بكثير ممن دخلوه للسبب الأول. فإن التأملات الفكرية وحدها قلما اعتقت إنسانًا أمتلكته دنيا الإباحية والشهوات، وعودته على حياة من النعيم المطلق والحرية التي لا حدود لها.
ويعرف هذه الحقيقة ورؤساء تلك الشعوب وقادتها، وهم الذين ما زالوا يتربصون بالإسلام وأهله الدوائر؛ فيسلكون إلى حجز الإسلام عن شعوبهم أقصر الطريق وأقربها، ألا وهو الإمعان في حمل المسلمين أنفسهم، على التنكر لإسلامهم، عن طريق إغراقهم بشتى ألوان الملهيات والمنسيات وتقطيع سبل ما بينهم إلى التشاور والتناصح والتضامن؛ حتى إذا رأوا بأعينهم سوء حال المسلمين في أخلاقهم وسائر أوضاعهم، ووقوفهم - في الجملة - على طرف النقيض مما يدعو إليه إسلامهم، قعدوا مطمئنين إلى واقع شعوبهم، ولم يبالوا ان يقوم فيما بينهم آحاد المسلمين يدعونهم إلى الإسلام أو يشيدون على أرضهم المساجد، أو يقدمون لهم كتبًا عن الإسلام وحقيقته. فإنهم يعلمون جيدًا أن هؤلاء المسلمين مهما نجحوا في إبراز جوهر الإسلام ناصعًا قويًا أمام أفكار شعوبهم، فإن في ذلك الواقع السيء المؤلم الذي استطاعوا أن يصبغوا البلاد الإسلامية به، ما يضمن الا تكون لتلك الاحاديث التي يدلي بها المسلمون فيما بينهم عن الإسلام، أي قيمة مؤثرة!.. فمنذا الذي سيصغي بيقين وإعجاز إلى ذلك الذي يتحدث عن كنوزه وأمواله الوفيرة، والناس جميعًا يرون ما يعانيه من بؤس وضنك، ويرون يده الممتدة بذل المسالة الى الغادين والرائحين؟!
ومن أبرز الأمثلة على هذه الحقيقة، ما تراه من سياسة أمريكا المختلفة للحريات في داخل بلادهما، وخارج بلادها. فهي تذهب في تقديس الحريات الإنسانية في داخل بلادها إلى أبعد مدى ممكن، وبموجب ذلك يحق لكل إنسان أن يمارس نشاطه الديني على النحو الذي يشاء، كما يحق للمسلمين أن يدعوا الناس إلى الإسلام ويعرفوهم عليه بالطريقة التي يحبونا.
إلا أنها ترقب النشاطات الإسلامية للمسلمين في بلادهم، بمنظار آخر، فهي لا تبالي أن تنسف شعار الحرية التي تعتز به في بلادها' من أساسه، إذا رأت حرية الدعوة الإسلامية في جهة ما من بلاد المسلمين أنفسهم، قائمة بجد على قدم وساق!..وربما استعانت بأيدي من قد نراهم أعداءًا لها، من أجل القضاء على تلك الحرية وإغلاق السبل أمام الدعوة الإسلامية الجادة أن تبلغ مداها الأخير.
والسبب في اتخاذها هاتين السياستين المتعارضتين، أنها تخشى من الاسلام على شعوبها، اذا تحرك ونشط في بلاد الاسلام، أكثر مما تخشى منه اذا نشط على ايدي آحاد المسلمين داخل بلادها، لما قد بينته لك.

1 / 5

ألا فليعلم المسلمون أينما كانوا، أنهم في اليوم الذي يتحققون فيه بمعاني الإسلام على وجهه الصحيح، بدءًا من أعماق أفئدتهم الى ظاهر أحوالهم، ستتفتح أبواب الإسلام على مصاريعها أمام شعوب أوربا وأمريكا كلها، وسوف يدخلون في دين الله أفواجًا، كما دخلوا فيه من قبل أفواجًا.
فأما، والمسلمون على هذه الحالة التي هم عليها، فإن جهود الدعوة كلها، يجب أن تنصرف إلى إصلاح حالهم هم؛ وكل حديث يصطنع التباكي على الإسلام في ربوع أوربا أو أقاصي أمريكا أو أعماق أفريقيا، دون التفات جاد الى واقع المسلمين أنفسهم لا بد ان يكون مرده إما إلى سذاجة متناهية في معالجة الأمور المترابطة بعضها ببعض، وأما إلى كيد خبيث، يستهدف شغل المسلمين عن البلاء المنتشر فيما بينهم، وصرف طاقاتهم لتتبدد في الفضاء ثم لا تعود الى أصحابها بشيء.
...
الشرط الثالث: أن يتبصر الداعي الى الاسلام بالأحكام الإسلامية المتعلقة بالدعوة وآدابها، فلا يجعل من عواطفه وحدها ميزانًا يحتكم اليه، ثم يخوض فجاج الدعوة على اساس من تلك العواطف، زاعمًا أنه يدعو إلى الله ويجاهد في ذلك الجهاد الأكبر.
إن الذي يقوم بإعمال الدعوة الإسلامية، معتمدًا على هذا الزاد وحده (أي زاد عاطفته الدينية التي يعتز بها) يفسد أكثر مما يصلح، ويسيء أكثر مما يحسن، وربما أبعد الناس عن الإسلام من حيث يريد أن يقربهم إليه.
وبتعبير آخر نقول: الشرط الثالث أن يتمسك الداعي إلى الإسلام بالضوابط والقواعد التي نذكرها في هذا الكتاب مجملة، وعليه أن يسعى إلى معرفة تفاصيلها في مظانها من المصادر والمراجع الأخرى.
وسنجمل هذه الضوابط والأحكام في الفصول التالية بتوفيق الله ﷿.

1 / 6

مُنطلَقَاتِ الدَّعوَة
قد ينشط المسلم في دعوة الناس إلى الإسلام، وينهض إلى التعريف بمبادئه واحكامه، ولكنه ما يكاد يسير في نشاطه هذا أيامًا أو حينًا من الزمن، حتى تجد أن سعيه قد انقلب الى دفاع عن شخصيته، وخصومة مع منافسيه!. فالاسلام الذي كان يدعو اليه، لم يعد أكثر من أفكار تجسدت فيها شخصيته، فهو إنما يدافع عنها بدفاعه عن تلك الافكار؛ وأولئك الذين كان يدعوهم الى الاسلام، لم يعودوا في اعتباره إلا خصومًا لفكره واعداءًا لشخصيته؛ فهو من خلال نشاطاته معهم انما يحاول ان يشفي غيظه فيهم، بدلا من أن يسعى جهد استطاعته لهدايتهم!..
وتتأمل في علاقة ما بينه وبينهم - وقد كانت في بدايتها علاقة دعوة صافية إلى الله - فلا تجدها لا مشادة حاقدة من نوع تلك المشادات التي تقوم بين اصحاب المذاهب الفكرية أو السياسية المتناحرة!..وتنظر الى الاسلام الذي يعرضه في خصومته معهم، فلا تجده إلا إسلام فكرة ونظام، مجتثين من كلي الحقيقة الاسلامية المنزلة من لدن رب العالمين الى الناس جميعًا، وهو ارتداء جلباب العبودية لله ﷿، فهو يقارع بهما الافكار والانظمة الاخرى، مقارعة مغايظة وصراع، في مشادة لا يمكن أن تنتهي إلا إلى مثل ما تنتهي إليه خصومة أي نظامين أو مذهبين متكافئين في ان كلًا منهما ليس في حقيقته اكثر من نظام!.. فماذا عسى أن يكون معنى الغلبة لاحدهما على الآخر، سوى مساعدة الظروف، أو تفاوت كمية القوى ضمن نطاق كيفية واحدة؟.. أي فهي ليست - والحالة هذه - من نوع غلبة الحق على الباطل، وإنما هي من نوع تلك الغلبة التي لا بد أن ينتهي إليها صراع بطلين في حلبة ملاكمة أو مصارعة حرة.
وأنا لست اتخيل هذه الصورة في ذهني، ولكني اصفها كما هي، في حال كثير ممن يمارسون الدعوة الى الاسلام في مجتمعنا اليوم.
فما هو سبب ذلك؟
ليس لذلك من سبب سوى أن هؤلاء الاخوة لم يضبطوا انفسهم بالمنطلقات التي تنبثق اعمال الدعوة الاسلامية - في واقعها الحقيقي - منها، ثم تظل سائرة على سننها منضبطة بتوجيهها.
وما هي هذه المنطلقات؟.. سأحاول تلخيصها في النقاط التالية:
...
المنطلق الأول: ويتمثل في معرفة أن أعمال الدعوة الاسلامية ليست في حقيقتها إلا عبادة يؤدي بها المسلم حق الله تعالى في عنقه، ويتقرب بها الى مرضاته.
إذ إن المسلم لا يندفع إليها، في الحقيقة، لهوى في نفسه، أو لرغبة شخصية في العلو والانتصار على الآخرين؛ بل ينقاد اليها بدفع من قول الله ﷿: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) آل عمران١٠٥.
وأملا في الدخول فيمن وصفهم الله تعالى بقوله: (ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين) فصلت:٣٣
ورغبة في أن يدرك ذلك الأجر العظيم الذي ذكره رسول الله ﷺ بقوله: لأن يهدي بك رجلًا واحدًا خير لك مما طلعت عليه الشمس. وفي رواية: خير لك من حُمر النعم، متفق عليه.
فإذا نهض المسلم باعباء الدعوة إلى الاسلام، من منطلق هذه الأوامر الربانية، يمارس بذلك عبادة من أعظم العبادات، أملًا في أن يدخله الله بها في كنف رحمته ورضوانه، وأن يكتبه واحدًا من الصديقين من عباده، لا يقصد بها وجهًا غير وجه ربه، ولا أجرًا غير أجره - أقول: إذا نهض المسلم باعباء الدعوة من هذا المنطلق، واستقام على نهجها، تحقق له من ذلك ضمانتان اثنتان:
الضمانة الاولى: أن شيئًا من الرعونات النفسية أو الحظوظ الشخصية لن تهيج بين جوانحه، وإن أحس بها تحركت لتهتاج، قاومها بشعور أنه ماثل في محراب العبودية لله ﷿، وأنه لا يبتغي من سعيه هذا إلا بلوغ مرضاته ﷿، فما هي إلا أن تختفي وراء طمأنينة النفس وسكينة القلب، ويصفو عندئذ لهذا الداعي سبيل الدعوة إلى ربه خاليًا عن الشوائب نقيًا عن كدورات الاهواء، فلا تحجزه عن عباد الله ﷿، أن يسمعوا نبضات الاخلاص في دعوته، حواجز الشخصية أو حجب الانانية وحب الذات، ومن شأن هذا الداعي الذي انطلق في دعوته الى الله من هذا الاساس، أن يلتجيء الى مختلف العلاجات الواقية، كلما شعر بغوائل النفس ودسائس الانانية، تتسلل إلى مكمن القيادة القلبية في عمله، كالاكثار من ذكر الله ﷿ بقلب حاضر غير غافل، والاكثار من تلاوة القرآن بتدبر، والالتجاء الى الله بالدعاء الضارع أن يقيه من حظوظ نفسه.
ومعنى هذا، أن غوائل النفس وحظوظ الشيطان، لن تموت في شعور الانسان، ولكنها تقبع في زاوية من الكيان الانساني، بعيدًا عن التأثير عليه، كما كان الانسان مراقبًا لها متحفزًا لمقاومتها بذكر الله ﷿ وما يتبعه من العلاجات الواقية. ألم تسمع قول الله ﷿:
(والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) آل عمران:١٣٥.
وقول الله ﷿:

1 / 7

(إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا، فإذا هم مبصرون) الاعراف:٢٠٠.
وقول الله ﷿:
(ومن يعش عن ذكر الرحمن نقَّيض له شيطانًا فهو له قرين): الزخرف ٣٦.
وقد كان من دأب الصديقين والمخلصين من اصحاب رسول الله ﷺ وأتباعهم ومن ساروا على هديهم، أن يفزعوا الى ذكر الله واستغفاره والضراعة اليه بالدعاء، كلما طاف بهم طائف من غوائل النفس وأهوائها، فيردهم ذلك الى حمى الاستقامة القلبية والسلوكية على المنهج السليم الذي شرعه الله ﷿.
من ذلك ما ورد في ترجمة الإمام النووي رحمه الله تعالى (وقد كانت حياته كلها وقفا على الدعوة الى دين الله إما بالكتابة والتصنيف أو الإقبال إلى الناس حكمًا ومحكومين يذكرهم بالله ويدعوهم اليه) أنه كان يستغرق في الكتابة أو الدرس، فربما ألم بنفسه طائف من الشيطان، ليثير فيها حظًا من حظوظ الأهواء أو الرغائب الشخصية، فيقف عن الكتابة أو التعليم قائلًا: أُخذنا من حيث لا نشعر!.. ثم يستغفر الله ويبتهل إليه بالتوبة والدعاء!..
فهذه هي الضمانة الأولى.
أما الضمانة الثانية، فهي أن الحقيقة الاسلامية التي يدعو اليها هذا المسلم الذي التزم بمنطلق العبادة لله ﷿ في دعوته، لن يجول شيئًا فشيئًا في ذهنه الا مجرد فكرة أو مذهب سطحي يقارع به المذاهب الاخرى.
ذلك لأن مراقبته لله ﷿، وشعوره بأنه في دعوته الناس إلى الله، إنما يعبد الله ﷿ ويتقرب اليه بقربة لا نظير لها - يحجزانه عن نسيان الحقيقة الاسلامية الكاملة، والتي لا تعدو في مجملها أن تكون دينونة كاملة بالعبودية لله ﷿، فهو لا يفتأ يدعو الناس إلى هذه الحقيقة الكاملة، وما يذكرهم بما فيها من منهج ونظام واحكام، ألا ضمن هذه الحقيقة القدسية التي تلامس الشعور وتحيا في أعماق الفؤاد، فالإسلام لا يمكن - والحالة هذه - أن يؤول في وعيه وما يدعو الناس إليه، إلى مجرد عمل أو منهج سطحي، ونظام كهذه الانظمة التي لا وجود لها إلا على مسرح المرئيات!..
إن المسلم إذ يدعو الناس إلى الإسلام، وهو ماثل بصدق في محراب عبوديته لله ﷿، لا بد أن يكون مستغرقًا، بوعيه الفكري وشعوره القلبي، في الحقيقة الإسلامية الكاملة، ومن ثم فلا بد أن يوقظ حديثه معهم نوازع الفطرة الاسلامية الكامنة في ذات كل منهم مهما كان حاله وشأنه.
أما الذي يهيج في طريق الدعوة الى الإسلام بعيدً عن ذلك المحراب، مندفعًا بالاسباب ذاتها التي تدفع صاحب أي مذهب أو مبدأ إلى الدفاع عن مذهبه وإلى دعوة الناس اليه، فلا بد ان ينسى الله ﷿ في غمار دعوته تلك، ولا بد أن ينحرف في ذلك التيار الاناني الذي ينجرف فيه دعاة الأفكار والأحزاب المتطاحنة. هيهات عندئذ أن يتأثر بدعوته أحد، اللهم إلا أن يكون تأثرًا مصلحيًا قائمًا على الرغبة في الوصول الى أمان ومصالح دنيوية، وهذا التأثر المصلحي من شأنه أن يتحقق نتيجة للدعوة إلى أي مبدأ من المبادئ الدنيوية الأخرى، تبعًا لظروف وأوضاع معينة.
وإني لأعلم أن في المسلمين رجالًا، يجلسون ليتذكروا في أمور الدعوة الى الإسلام، ومناهجها وما يتعلق بها، فينسون في غمار حديثهم ونقاشهم أهم واجباتهم الدينية التي أناطها الله في أعناقهم، كالقيام إلى الصلاة في أوقاتها، ثم ما ينتبهون إليها إلا في آخر الوقت، ولا يقومون إليها إلا متثاقلين، ولا يؤدونها الا بسرعة خاطفة شأن من يريد أن يسرع، في التخلص من عبء يلازمه.
ليس في نظري من فرق بين الدوافع التي تجمع هؤلاء على البحث في طرق الدعوة إلى الاسلام، والدوافع التي تجمع أناسًا آخرين على البحث في سبل الدعوة الى أي مذهب من المذاهب الأخرى!..إنها جميعًا تنبع من قاسم مشترك واحد، هو الانتصار للذات والحظوظ الشخصية التي يمكن أن تعبر عن نفسها بصور وأشكال شتى.
ولا ريب أن جهد هذا النوع من المسلمين، جهد ضائع، مقضي عليه بالخيبة التامة، لأن الله تعالى لا يكلأ عملًا قائمًا على مثل هذه البواعث باي رعاية أو توفيق.
وإنما يكون انتصار الداعي الى الله بسر من توفيق الله فقط، كما سنشرح ذلك فيما بعد، ولأن الناس لا يصعب عليهم أن يشموا رائحة حب الانتصار للذات والسعي إلى حظوظ النفس، من خلال حديثهم لهم عن الاسلام ودعوتهم اليه.
غير أن هذه الآفات كلها تزول، ويستطيع الداعي إلى الله أن يكون في منجاة منها، إذا هو أيقن أن أعمال الدعوة الاسلامية في صفوف الناس، ليست في جوهرها إلا عبادة لله ﷿، وإذا هو وضع يقينه هذا موضع التطبيق من عمله وقصده وشعوره في مراقبة دائمة لنفسه ألا تذهل عن هذه الحقيقة ولا تبتعد عن سلطانها.
المنطلق الثاني: ويتمثل في ضرورة الا تنبعث اعمال الدعوة الاسلامية إلا من شعور غامر بالشفقة والرحمة لعباد الله جميعًا فعلى من جند نفسه داعيًا إلى الله ﷿، أن يجعل من قلبه وعاءً يفيض بالرحمة لعباد الله كلهم على اختلاف نحلهم ومللهم ومشاربهم واتجاهاتهم.

1 / 8

ولا يتحقق ذلك إلا بأن يضحي بحظوظه النفسية لمصالحه الدنيوية في سبيل تحقيق الخير لهم جميعًا.
فإن صعب عليك فهم هذا المنطلق أو التحقق به، فارجع الى هذا الدين الذي هدى الله إليه عباده والزمهم به، وتأمل في حقيقته وسر هداية الله عباده إليه وأمرهم به، هل تجد من وراء تلك الحقيقة وهذا السر إلا رحمة الله تعالى بهم؟ ..وانظر - كما يقول العزا بن عبد السلام - إلى كل نداءات الله تعالى لعباده في كلامه المنزل إليهم، هل تجد في أعقاب كل منها إلا أمرًا بما فيه مصلحتهم أو نهيًا عما فيه مفسدتهم؟.. ثم انظر إلى إرسال الرسل والأنبياء إليهم، يخاطب عباده ويعرفهم الى ذاته عن طريقهم، هل تجد فيه إلا أوضح برهان على تكريم الله تعالى لهم ورحمته بهم. أو ليس هو القائل عن رسوله محمد ﷺ: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، ولاقائل: وربك الغني ذو الرحمة، والقائل: ورحمتي وسعت كل شيء؟..
فأن بقيت في نفسك من ذلك شبهة فاجع إلى حياة سيدنا محمد ﷺ، فتأمل مدى رحمته بالناس جميعًا، وانظر الى هديه في ذلك وإرشاده الناس إلى هذه الحقيقة.
أو ما سمعت قوله: (الراحمون يرحمهم الرحمان ﵎، إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) (١) [٥] أو ما علمت أن بعض أصحابه قالوا له في بعض الغزوات عن المشركين: لو لعنتهم يا رسول الله، فقال: إنما بعثت رحمة، ولم أبعث لعانًا (٢) [٦] . ولقد صح عنه ﷺ أنه لم يطلب منه الدعاء على أحد من الناس مسلمًا كان أو كافرًا، عمومًا أو خصوصًا، إلا وعدل عن الدعاء عليه إلى الدعاء له بالرحمة والمغفرة والهداية.
حاصر الطائف أكثر من عشرين يومًا، فلما استعصت على المسلمين أمر النبي ﷺ اصحابه بالرحيل، فقال له قائل منهم: يا رسول الله ادع الله على ثقيف - أي على أهل الطائف - فرفع رسول الله يديه قائلًا: اللهم اهد ثقيفًا وائت بهم مسلمين. وقد علمت أن ثقيفًا هذه هي التي طردته عندما هاجر اليها والقت به من الضر والاذى ما لم يبلغة احد من المشركين في إيذائه ﷺ (٣) [٧] .
وقيل له يا رسول الله: أن دوسًا قد كفرت وأبت، فادع عليهم، فقال: اللهم اهد دوسًا وائت بهم مؤمنين.
وعندما فتحت له مكة، ودان له أهلها، دخلها خاضعًا ذليلًا لله ﷿، قد نكس رأسه وأطرقه شكرًا له ﷿، وحجزًا لحظوظ النفس أن تتسلل إلى مشاعره وقلبه. ثم وقف عند الكعبة يخطب في جموع المشركين، وهم الذين طالما آذوه ثم ائتمروا به أن يقتلوه، فقال لهم: ما تظنون أنني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن اخ كريم!..فقال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء!..
فإن قلت: إن صح أن مبعث الدعوة إلى الله هي الرحمة بعباده أن لا يضلوا عن الحق والشفقة عليهم ألا يقعوا في أسباب الشقوة، فلماذا شرع قتال الكافرين إذا اقتضى الأمر ذلك؟
فالجواب: أن الأصل في الدعوة إلى الله أن تكون سلمًا بالنصيحة والموعظة الحسنة من منطلق الرحمة والشفقة الصافيين، فالأصل، كما يقول الفقهاء هو السلّم، والحرب خلاف الأصل. وإذا سارت الدعوة إلى الله من هذا المنطلق، فلن يقف في وجهها إلا أولوا المصالح الدنيوية والرعونات النفسية، كي لا يقضي الإسلام على مصالحهم ولكي لا يحرموا من زعاماتهم، ولكي تظل لهم عروشهم. ولكي تبقى أزمت الناس في أيديهم، يقودونهم كما يشاؤون، ويستغلونهم كما يريدون. نلاحظ هذا جيدًا من خلال نصوص الكتب التي أرسلها النبي ﷺ إلى ملوك العالم ورؤساء الشعوب، كما تلاحظه من خلال دراسة قصة الفتح الإسلامي في بلاد فارس والروم وغيرهما.
فالرحمة بالناس، هي ذاتها التي تستلزم - عند الضرورة - الاستعانة بالقتال. وأيًا كان الأمر، فإن القتال الذي شرعه الله ﷿، عند الحاجة إليه، لا يمكن أن ينبثق عن ضغينة أو حقد يفيض به القلب، بل هي القسوة التي تقتضيها سياسة التأديب التي لا بد منها في بعض الأحيان، وهي كما قال الشاعر.
فقسا ليزدجروا ومن يك راحمًا***فيليقس أحيانًا على من يرحم
وحيث الجهاد وحكمته والأسباب الباعثة عليه، حديث طويل، لا يتسع له ما نحن بصدده، فارجع إلى تفصيل ذلك في أماكنه.
ولعلك تقول: ولكن كيف يتفق أخذ النفس بالشفقة والرحمة لسائر عباد الله إلى جانب الحب في الله.
وقد روى الإمام أحمد من حديث البراء بن عازب عن النبي ﷺ أنه قال: أوثق عرى الإيمان بالله الحب في الله والبغض في الله.
فالجواب، انه لا يوجد أي تعارض بين الشعور بالشفقة والرحمة لمراتب الأوزار والعاصين ولا شعور ببغضه لله ﷿ في الوقت ذاته، إلا بالنسبة لمن التبس عليه معنى البغض في الله مع البغض استجابة للنفس وأهوائها.

(١) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم في مستدركه.
(٢) أخرجه مسلم من حديث ابي هريرة.
(٣) اخرجه الترمذي في سننه، ورواه ابن سعد في الطبقات عن عاصم الكلابي عن الأشهب عن الحسن.

1 / 9

إن معنى البغض في الله، أن يبغض المسلم من الشخص تلبسه بالمعاصي، بحيث لا تكون في نفسه أي كراهية لشخصه بالذات. ولا ريب أن مبعث هذا البغض إنما هو الغيرة والمبالغة في حب الخير له، وطبيعي أن يكون شعور المسلم إذ ذاك فياضًا بالشفقة والغيرة على شخص هذا العاصي بمقدار ما يكون فياضًا ببغض عصيانه، أي فالمسألة على العكس مما تتصور، بينهما التلازم التام، وليس بينهما أي تعارض أو تشاكس.
ولكن كم هم أولئك الذين يفرقون بين البغض لله، والبغض انتصارًا للنفس والهوى، ثم يضبطون نفسهم عن أن تنال حظوظها تحت هذه اللائحة التي ما أيسر أن تستر ألوانًا من الأحقاد الشخصية الدفينة ودوافع الأنانية والانتصار للذات، ألا وهي لائحة: البغض في الله؟؟..
إنني لأعلم أن بعض المسلمين تفيض أفئدتهم بالضغائن والأحقاد على أولئك الشاردين والمنحرفين عن جادة الإسلام، وإنني لأعلم أن هذه الضغائن إنما تجمعت في افئدتهم بعوامل شتى مردها جميعًا إلى حظوظ النفس وأهوائها وحب الانتصار للذات التي تتمثل آنًا في الفرد وتتمثل آنًا في الجماعة. ثم يحاولون أن يعطوها الصفة الشرعية فيسدلون عليها لائحة البغض في الله!..
ولا يعجلن قارئ عليّ، بتهمة التجني أو إساءة الظن، بل ليرجع إلى نفسه فليتأمل في الحاجز الدقيق، الذي يفصل ما بين بغض العاصي لوجه الله ﷿ وبغضه إرواءًا لحظ من حظوظ النفس، يجد أنه حاجز دقيق جدًا، قل أن يتبينه الإنسان إن لم يضع نفسه موضع الاتهام، على ضوء المشاعر والخلجات القائمة وراء جنبيه والتي لا يمكن - بعد الله ﷿ أن يطلع عليها أحد غيره.
وها أنا اضرب المثل بنفسي، فلمن شاء أن يقيس نفسه عليّ، ولمن شاء أن يراها مبرأة من كل عيب: كثيرًا ما أبصر في أيام شهر رمضان، رجلًا مقبلًا نحوي، في أحد الطرق، فما أن يراني حتى يشرع دخينته إلى فمه وينفخها ليجعلني أبصر أنه مفطر مجاهر بالافطار على قارعة الطرق بين الناس!..
لا ريب أن الغضب يعتلج في صدري لعمله هذا.
ولكن هل هو الغضب لوجه الله؟ ما أكثر ما سألت نفسي هذا السؤال. وبذلت الجهد لمعرفة الجواب الصحيح، ولقد تبين لي، ويا للاسف، ان قدرًا كبيرًا من هذا الغضب إنما ثار في نفسي انتصارًا لها وألمًا من أن تخدش (شخصيتي الدينية) من قبل هذا الإنسان!..
فإنني افرض الا أكون بمظهري الديني، وأن يجاهر الرجل بإفطاره أن يكون منتبهًا إلي، ثم اعدو إلى نفسي، فلا اجد فيها من هذا الغضب إلا الشيء اليسير.
إذن، فالغضب لم يكن لوجه الله، وإنما جاء ردًا شخصيًا على إساءة شخصية، استهدفت من كياني شخصيتها الدينية، وما أكثر ما تنمو أنانية الإنسان وكبرياؤه بغذاء من الشخصية الدينية التي عرف بها في الأوساط وبين الناس.
ونظير ذلك ما قد يقع بين أستاذ الدين وأحد طلابه المستهترين، وما يقع من نقاشات حادة بين طرفين: مسلم وغير مسلم، وما قد يتلقاه المسلم من سخرية لجانب يتعلق بالدين في شخصه.. الخ..
إن الغضب قد يستشري، في مثل هذه الأحوال، بين جوانح هذا المسلم، وقد يذهب به هذا الغضب مذهبًا يحمله على معالجة الأمر بأساليب وصور شتى، ولكن عليه أن يساءل نفسه، فيما بينه وبين ربه ﷿: أحقًا أنه الغضب لوجه الله ﷿؟
أما أنا، فقد سألت نفسي هذا السؤال، فطالعتني بالجواب الذي ذكرت. وما لي أكمته عن الناس وقد علمه رب العالمين؟..
فإذا كنا مخلصين لربنا في أمر الدعوة إلى الإسلام، فلنعترف جميعًا بأن الذي تناله نفوسنا وكبرياؤنا مما نسميه الغضب في الله، أكثر جدًا مما نقدمه إلى الله تعالى نيةً صافية لوجهه. ولنعترف بان هذه هي الآفة الكبرى في حياة الداعين إلى الله.
وانظر إلى ما يقوله الإمام الغزالي ﵀ في هذا الصدد:
(... وكل ذلك بشفقة ولطف من غير عنف وغضب، بل ينظر إليه المترحم عليه، ويرى إقدامه على المعصية مصيبة على نفسه، إذ المسلمون كنفس واحدة. وههنا آفة عظيمة ينبغي أن يتوقاها، فإنها مهلكة، وهي أي العالم يرى - عند التعريف - عز نفسه بالعلم وذل غيره بالجهل، فربما يقصد بالتعريف الإدلال وإظهار التمييز بشرف العلم وإذلال صاحبه بالنسبة إلى خسة الجهل، فإن كان الباعث هذان فهذا المنكر اقبح في نفسه من المنكر الذي يعترض عليه. ومثال هذا المحتسب مثال من يخلص غيره من النار بإحراق نفسه وهو غاير في الجهل. وهذه مزلة عظيمة وغائلة هائلة وغرور للشيطان يتدلى بحبله كل إنسان، ألا من عرفه الله عيوب نفسه، وفتح بصيرته بنور هدايته) (١) [٨] .
فإذا طرحت حظ نفسك من الغضب على العاصين والتائهين، وبقي الغضب الذي لا سبب له إلا التلبس بالمعصية - وهو الغضب في الله - أمكنك أن تلاحظ كيفية تلاقي الشفقة على هذا العاصي والرحمة له، مع الغضب، من تلبسه بالمعصية. بل أمكنك أن تعلم أنهما متلازمان لا يفترقان بحال.

(١) إحياء علوم الدين:٢\٣٣٠.

1 / 10