Excess: Causes and Remedies
الغلو الأسباب والعلاج
Penerbit
الكتاب منشور على موقع وزارة الأوقاف السعودية بدون بيانات
•
Wilayah-wilayah
•Arab Saudi
الغلو الأسباب والعلاج إعداد
أد. ناصر بن عبد الكريم العقل
أستاذ العقيدة والمذاهب المعاصرة
كلية أصول الدين بالرياض - جامعة الإمام
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. . أما بعد:
فهذه بعض الأفكار والانطباعات والاقتراحات حول التكفير والعنف (الغلو) حقيقته وأسبابه وعلاجه، وهي عناصر وخواطر كتبت على عجل.
أولا - الخلفيات والأصول (الجذور العلمية والتاريخية) للغلو في الدين:
ترجع بذور الغلو في الدين إلى بعض العبَاد الجهلة الأوائل، وأصحاب الأهواء، وأهل النفاق والزندقة، وكان من ضحيتهم بعض الغيورين والمندفعين إلى التدين عاطفيا، من صغار السن (حدثاء الأسنان) كما وصفهم النبي ﷺ الذين يقل فقههم للدين، وتجربتهم في الحياة، ولم تنضج عقولهم، ولم يرجعوا إلى أهل الذكر والراسخين كما أمر الله وأمر رسوله ﷺ.
ومن هذين الصنفين تكونت الخوارج الأولى الذين قاتلهم الصحابة بعد أن حاوروهم وجادلوهم، وبعد أن استحلوا الدماء. وتكونت كذلك الشيعة وبذور التصوف البدعي.
1 / 1
«وقد أخبر النبي ﷺ أنه سيخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية» . . . إلخ الحديث في البخاري (٦٩٣٠) وغيره، وقد أمر النبي ﷺ بقتال الخوارج لأنهم يُهلكون الحرث والنَّسْل ويسعون في الأرض فسادا، والله لا يحب الفساد (وليس كل أصحاب الغلو من الخوارج) .
وقد ظهرت مثل هذه الظواهر على مدار التاريخ، وكان منها في العصر الحديث (جماعة التكفير والهجرة) و(جماعة التوقف والتبين) التي ظهرت في مصر في آخر القرن الماضي ثم امتدت آثارها في كثير من بلاد المسلمين والعالم، ولا تزال آثارها النكدة على شباب الأمة، ولا سيما حين تسللت أفكار الغلاة بين صفوف الجهاد الأفغاني السابق.
ونزعة التشدد التي قد تنشأ عنها ظواهر العنف والتكفير (الغلو) قد تصاحب كلَّ نهضة أو دعوة وتشذ عنها. . . فكما ظهرت في أول الإسلام وهي ليست من الإسلام في شيء لكنها نشاز؛ لا تزال تظهر بين وقت وآخر.
1 / 2
كذلك نجد أن ظاهرة التشدد صاحبت قيام الدعوة الإصلاحية دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب وقيام الدولة السعودية في مراحلها الثلاث. وهذه الظواهر ليست على نهج الدعوة، ولا على نهج الدولة، بل كانت تسبب لها الكثير من الإحراج، مع العلم أن الدعوة تقوم على السنة، وهي بريئة من الغلو والعنف والتكفير، وما يثيره بعض الجاهلين وأهل الأهواء من أن العنف والغلو والتشدد صادر عن منهج الدعوة فهو باطل قطعا.
فلا يجوز بحال نسبة شيء من ذلك إلى دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ومنهجها، لكنها ظواهر تبتلى بها كل أمة.
ولعله من المناسب التذكير بما تعرضت له الدعوة ودولتها (المملكة العربية السعودية) منذ أن قام بها الملك عبد العزيز ﵀ من نزعات التشدد التي تم علاجها بالحكمة والحزم، من قبل الملك عبد العزيز والعلماء وأهل الحل والعقد، وكان من آخر حلقات (الغلو) ظهور تلكم الفئة التي دخلت الحرم عام ١٤٠٠هـ، ثم يليها بعض ظواهر التشدد التي انتهت الآن إلى بروز ظواهر خطيرة متعددة الوجوه والأغراض والتوجهات، من التكفير واستباحة الدماء والإفساد في الأرض، والتنكر للعلماء والولاة والمجتمع.
1 / 3
وتجرؤ الناس على تجاوز الأمور الخطيرة، وتحطيم المسلمات والثوابت في الدين والعقيدة والبيعة والأمن، وانتهاك حقوق العلماء والولاة والمواطنين والمقيمين، تحت شعارات الدين والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والولاء والبراء (وهي أصول حق لكنها توظف خطأ) ونحو ذلك مما يعد من الفساد والإفساد الذي يجب على الجميع الإسراع في علاجه من قبل الدولة والعلماء وأهل الرأي والمشورة، والآباء والمربيين والدعاة " فكلهم راع ومسؤول عن رعيته " والله حسبنا ونعم الوكيل.
1 / 4
ثانيا - أهم أسباب الغلو أ- أسباب داخل المجتمع السعودي
إضافة إلى ما ذكر في بعض الكتب المتخصصة الحديثة في أسباب الغلو مثل: الغلو في الدين للدكتور عبد الرحمن اللويحق، وإصدارات الجماعة الإسلامية بمصر -الأخيرة التي تراجعت فيها عن الغلو ونحوها- بالإضافة إلى ذلك أشير إلى بعض ما هو سبب في الغلو تجاه الدولة والعلماء في هذه البلاد بخاصة فمن ذلك:
١- هناك سبب شرعي وكوني وأزلي وتاريخي في حصول الفتن والفرقة والتنازع في الدين والدنيا، وينشأ عنه القتال وانفلات الأمن وشيوع الخوف والفوضى، ألا وهو الإعراض عن شرع الله وذكره وشكره وظهور الفساد والظلم والمعاصي والمنكرات، ونحو ذلك مما يستجلب العقوبة من الله تعالى. وكل الأسباب تؤول إلى هذا السبب، كما قال تعالى ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (١) .
(١) سورة طه، آية (١٢٤) .
1 / 5
٢- عدم (أو ضعف) ربط قرارات الدولة وأنظمتها ومواقفها وتصريحات المسؤولين فيها بالأسس الشرعية التي تقوم عليها الفتاوى المعتبرة والأدلة الشرعية، مثل البيعة، ونظام الحكم (وهو إسلامي جيد بحمد الله) مع التنويه بأسلوب صاحب السمو الملكي الأمير نايف في تصريحاته ولقاءاته، في التأكيد على الثوابت الشرعية، والتي ينبغي أن تكون منهجا يحتذى من قبل المسؤولين.
٣- ضعف ورداءة الأسلوب والخطاب الإعلامي في التعبير عن الوجهة الشرعية لمواقف الدولة وقراراتها بل كثير من تعبيرات وسائل إعلامنا عن هذه الأمور يثير السخرية والأسف، ويفقد مصداقيته لدى الأصدقاء والعقلاء، فكيف بالخصوم والسفهاء وهم كثيرون، وسأبين الحل لذلك (في نظري) في العلاج.
1 / 6
٤- غموض موقف الدولة من قضايا حساسة تغذي التكفير والغلو والتطرف لدى المغرضين والجاهلين، وعلى غير بصيرة، وتحاكم فيها الدولة غيابيا ويجعلون صمتها دليلا على الإدانة بزعمهم، مثل وجود غير المسلمين في البلاد، وصدور بعض الأنظمة التي يزعمون أنها تخالف الشرع، وأنها حكم بغير ما أنزل الله - كنظام التأمينات ومعاشات التقاعد والجمارك والمحاكم التجارية والعسكرية، والبنوك الربوية وحمايتها، واشتراك الدولة في بعض المنظمات والعقود والعهود والأنظمة الدولية المخالفة للشرع، وكذلك بعض القرارات والمواقف الأخيرة للدولة، مثل التأمين على الرخصة، ومثل بعض أساليب تحية العلم، ومثل توجهات السياحة إلى مواطن البدع في الآثار (وهذه قضية حساسة جدا جدا) تتعارض مع ثوابت الدين والسنة التي قامت عليها الدولة في هذه البلاد.
1 / 7
وهذه الأمور أغلبها إما أن يكون للدولة فيها مساغ شرعي، أو اعتمدت فيها على فتاوى معتبرة، وبعضها يعتمد على الشائعات وعدم التثبت والمبالغات، والجهل بحقائق الأمور، وبعض آخر للدولة فيها عذر أو تأويل، وقد يكون هناك أخطاء وقعت فيها الدولة فعلا من غير قصد معارضة الدين، فيجب أن يُرجع فيها إلى الحق. . . وهكذا وهذا أمر مهم جدا كذلك.
٥- ظهور بعض القرارات والظواهر الاستفزازية التي لم تكن مناسبة مثل دمج رئاسة تعليم البنات، وأساليب وزارة التربية والتعليم في تغيير المناهج الشرعية، ومحاولة النيل من سياسة التعليم، وظهور بعض الأمور الاستفزازية في وسائل الإعلام الرسمية، كما في بعض حلقات (طاش ما طاش) ! وبعض المقالات التي تجرح العقيدة والدين، وتهز المسلمات الشرعية في الصحف المحلية (لا سيما الوطن وعكاظ والرياض أحيانا)، وتطعن في السلف الصالح، وفي دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (التي هي أصل شرعية الدولة السعودية عند أهل السنة في كل العالم)، وتلمز الصالحين والمتدينين، ونحو ذلك مما يتخذه أهل الغلو ذرائع للفتنة وشحن عواطف الناس - لا سيما الشباب - ضد الدولة والعلماء والمجتمع.
1 / 8
٦- التحول الاجتماعي والرسمي السريع إلى أمور غير محمودة (مثل الاختلاط) كما في بعض المستشفيات، وبعض المؤسسات، وشيوع كثير من المنكرات والممارسات المنافية للدين والأخلاق والفضيلة مع ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم الارتقاء بالهيئات عددا وطريقة لتؤدي الواجب على نحو رزين.
ملحوظة مهمة وضرورية:
قد يتجرأ بعض الجاهلين ومن في قلوبهم مرض إلى اتهام المناهج الدراسية في التعليم في المملكة. . (بمراحله أو بعضها) بمساندة الغلو، وهذه دعوى عريَّة من البرهان.
والحق أن المناهج بجملتها تقرر الاعتدال والوسطية، وتربي الشباب على رعاية الحقوق المشروعة من حب الله ورسوله ﷺ والإسلام والسلف الصالح، ورعاية حقوق الولاة والعلماء والآباء والمعلمين، وترسم منهج الاعتدال في القلوب والعقول، والمواد التي تدرس في مناهجنا شاهدة بذلك، لكن حسبنا الله ونعم الوكيل.
1 / 9
ب- الأسباب العامة في ظهور الغلو والتشدد في كل زمان وكل مكان (١)
أذكر هنا ما تيسر لي استقراؤه من أسباب ظهور نزعات الغلو والتنطع في الدين بين المسلمين في العصر الحديث، وهي الأسباب العامة (التاريخية) التي غالبا ما تكون ممهدة لظهور هذه النزعات في أي زمان أو بيئة، وأهمها في نظري ما يأتي:
١- قلة الفقه في الدين (أي ضعف العلم الشرعي)، أو أخذ العلم على غير نهج سليم، أو تلقيه عن غير أهلية ولا جدارة.
٢- ظهور نزعات الأهواء والعصبيات والتحزبات.
٣- الابتعاد عن العلماء وجفوتهم وترك التلقي عنهم والاقتداء بهم، والتلقي عن دعاة السوء والفتنة والالتفاف حولهم.
٤- التعالم والغرور، والتعالي على العلماء وعلى الناس، واحتقار الآخرين وآرائهم.
٥- حداثة السن وقلة التجارب، والغيرة غير المتزنة؛ (عواطف بلا علم ولا حكمة) .
٦- شيوع المنكرات والفساد والظلم في المجتمعات، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو التقصير فيه، كما في كثير من البلاد الإسلامية.
٧- النقمة على الواقع وأهله، بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية والسياسية في كثير من بلاد المسلمين.
(١) راجع كتاب (الخوارج) ناصر العقل ١٢٣-١٢٤.
1 / 10