223

Cawasim Wa Qawasim

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

Editor

شعيب الأرنؤوط

Penerbit

مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع

Edisi

الثالثة

Tahun Penerbitan

١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م

Lokasi Penerbit

بيروت

ولو كان هذا عُسرًا في العُرف العربي، لكان الجهادُ عُسْرًا، والصلاة عُسْرًا، والورعُ الشَّحيح عُسْرَيْنِ اثنين، وعبادة اللهِ كأنَّك تراه، والصلاةُ كأنَّها صلاة مُوَدِّعٍ أعْسَرَ وأعْسَر، ولكانت الشريعةُ أو كثير منها تشديدًا وتعسيرًا وتحريجًا وتغليظًا.
وما بهذا نَطَق القرآنُ، ولا به جاء صاحبُ بيعةِ الرضوان، بل نفى اللهُ الحرجَ، ووصفَ رسولُ الله ﷺ شريعته: بالسماحةِ والسهولةِ. وإنما الحرجُ في الصدور، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
وانظُرْ في أحوال الناس، تجدْ قاطِع الصلاةِ في غايةِ الاسْتِعسار لها؛ وليسَ كذلك المؤمنُ، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِين﴾ [البقرة: ٤٥] فنصَّ اللهُ تعالى على هذا المعنى الذي ذَكرتُ لك هو أن الشيءَ المُعيَّنَ يكونُ عسِيرًَا عَلى هذا، سَهْلًا على هذا، فَلَوْ كانَ عَسِيرًَا في نَفْسِهِ، لَكَانَ عَسيرًا عليهما، ولكنه يسيرٌ في نفسه، وإنما يتعسَّرُ بحرجِ الصُّدور، والكسَلِ، وقلَّةِ الدَّواعي، وَيَتَسهَّلُ بنقيض ذلك.
ولهذا لو وُهِبَ لقاطِعِ الصلاةِ دِرْهمٌ -في عمل أشقَّ من الصلاة- لقامَ إليه سريعًا، ووثبَ إليه نَشيطًا. وكذلك سائرُ التكاليفِ الشرعية؛ إنما العُسرُ فيها من قبيل قِلَّةِ اليقين، وعدم الرياضة، وقساوةِ القلب، وكثرةِ الذنوب، ألا ترى إلى ما في قيامِ الليل مِن المشقة على النفوس متى طلبت لإحيائه بالصلاة والقراءة، وهو يَتَسهَّلُ عليها سَهرُةُ في كثيرٍ من الأحوال من العُرُسَاتِ والأسمار، والسَّرَوات في الأسفار.
فإذا عَرَفت هذا فاعلم أن من النَّاس من يحصل له من شِدَّةِ الرغبةِ إلى

1 / 253