في ذكرِ زُهدِهِ في الدُّنْيَا وقناعتِهِ باليسيرِ وبُعدِهِ من الإسراف
روى ابنُ المبارك في كتاب "الزهد" (١) له بإسناده عن ميمون بن مهران قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: أما دخلت عَلَى عبد الملك -يعني ابنه. قال: فأتيت الباب فَإِذَا وصيف، فقلت: استأذن لي عليه فَقَالَ: ادخل؛ فإن عنده الناس، أو أمير هو؟ فدخلت عليه، فَقَالَ: من أنت؟ فعرف. ثم حضر طعامُهُ فأُتى بقَلية مدنية -وهي عظام اللحم- ثم أتي ﴿بثريدة﴾ (٢) قد ﴿ملئت خبزًا﴾ (٣) وشحمًا، ثم أتي بزبد وتمر، فقلت: لو ﴿كلمتَ أمير المؤمنين﴾ (٣) يخصُّكَ منه بخاصةٍ. فَقَالَ: إني ﴿لأرجو أنه﴾ (٣) يكون أوفى حظًّا عند الله من ذلك. إني في ألفين ﴿كان﴾ (٣) سليمان ألحقني فيهما، والله لو كان أبي في نفسه لما فعل، ولي غلة بالطائف إِنَّ سلمت لي أتاني غلَّة (٤) ألفُ درهم، فما أصنع بأكثر من ذلك. فقلت في نفسي: أنتَ لأبيك.
وقد رُويت هذه القصة من وجهٍ آخر، وأن ميمون بن مهران قال: دخلت عَلَى عبد الملك وبين يديه قليلٌ من طعامٍ فما منعني من الأكلِ معه إلا الأبق عليه.
وروى الدورقي بإسناده عن ميمون بن مهران قال: قال عمر بن عبد العزيز: ابني عبد الملك قد أُعجبتُ به، فما أدري أهو كذلك أم حبُّ الوالِد للولد؟ فأنا أَحَبُّ أن تأتيَهُ فتسبر ما عنده، فإن كان عَلَى ما ظننتُ أخبرتني فحمدتُ الله عليه، وإن كان غير ذلك أدَّبتهُ؛ فإنما هو ابنُ أخيك.
(١) (ص٣١٠) رقم (٨٨٨).
(٢) في "الأصل": بثرة، والمثبت من "الزهد" لابن المبارك.
(٣) طمس بالأصل، والمثبت من "الزهد".
(٤) الغَلَّة: الدخل من كراء دار، وأجر غلام، وفائدة أرض. "ترتيب القاموس" (٣/ ٣٦٣).
2 / 482
مقدمة المؤلف
الباب الأول في ذكر عبادته واجتهاده وتهجده وبكائه وإخفائه لذلك
الباب ﴿الثاني﴾ في ذكر علمه وفقهه وفهمه
الباب الثالث في ذكر زهده في الدنيا وقناعته باليسير وبعده من الإسراف
الباب الرابع في ذكر حلمه وكظمه الغيظ
الباب الخامس في ذكر كلامه في قصر الأمل والمبادرة قبل هجوم الموت بالعمل
الباب السادس في ذكر صلابته في الدين وقوته في تنفيذ الحق واجتهاده على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومواعظه لأبيه في ذلك
الباب السابع في ذكر هوان نفسه عليه في ذات الله ورضاه بكل ما يناله من الأذى في تنفيذ أوامر الله ﷿
الباب الثامن في ذكر شدة حذره من الظلم وتنزهه من ذلك
الباب التاسع في ذكر مرضه ووفاته ﵁
الباب العاشر في ذكر سنه ومقدار عمره
الباب الحادي عشر في ثناء العلماء عليه ومدحهم له
فصل وهذه نبذة مختصرة من سيرة والد عبد الملك أبي حفص عمر بن عبد العزيز ﵁ ونفع بها