وَأَحْمَدُ أَوْقَاتِ أَكْلِهِ فِي آخِرِ الْيَوْمِ الَّذِي خُبِزَ فِيهِ، وَاللَّيِّنُ مِنْهُ أَكْثَرُ تَلْيِينًا وَغِذَاءً وَتَرْطِيبًا وَأَسْرَعُ انْحِدَارًا، وَالْيَابِسُ بِخِلَافِهِ.
وَمِزَاجُ الْخُبْزِ مِنَ الْبُرِّ حَارٌّ فِي وَسَطِ الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ، وَقَرِيبٌ مِنَ الِاعْتِدَالِ فِي الرُّطُوبَةِ وَالْيُبُوسَةِ، وَالْيُبْسُ يَغْلِبُ عَلَى مَا جَفَّفَتْهُ النَّارُ مِنْهُ، وَالرُّطُوبَةُ على مده.
وَفِي خُبْزِ الْحِنْطَةِ خَاصِّيَّةٌ، وَهُوَ أَنَّهُ يُسَمِّنُ سَرِيعًا، وَخُبْزُ الْقَطَائِفِ يُوَلِّدُ خَلْطًا غَلِيظًا، وَالْفَتِيتُ نَفَّاخٌ بَطِيءُ الْهَضْمِ، وَالْمَعْمُولُ بِاللَّبَنِ مُسَدِّدٌ كَثِيرُ الْغِذَاءِ، بَطِيءُ الِانْحِدَارِ.
وَخُبْزُ الشَّعِيرِ بَارِدٌ يَابِسٌ فِي الْأُولَى، وَهُوَ أَقَلُّ غِذَاءً مِنْ خُبْزِ الحنطة.
رَوَى مسلم فِي «صَحِيحِهِ»: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلَ أَهْلَهُ الْإِدَامَ، فَقَالُوا مَا عِنْدَنَا إِلَّا خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ، وَجَعَلَ يَأْكُلُ وَيَقُولُ: «نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ، نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ» «١» . وَفِي «سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ» عَنْ أم سعد ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ، اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي الْخَلِّ، فَإِنَّهُ كَانَ إِدَامَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، وَلَمْ يَفْتَقِرْ بَيْتٌ فِيهِ الْخَلُّ» «٢» .
الْخَلُّ مُرَكَّبٌ مِنَ الْحَرَارَةِ، وَالْبُرُودَةُ أَغْلَبُ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَابِسٌ فِي الثَّالِثَةِ، قَوِيُّ التَّجْفِيفِ، يَمْنَعُ مِنِ انْصِبَابِ الْمَوَادِّ، وَيُلَطِّفُ الطَّبِيعَةَ، وَخَلُّ الْخَمْرِ يَنْفَعُ الْمَعِدَةَ الْمُلْتَهِبَةَ، وَيَقْمَعُ الصَّفْرَاءَ، وَيَدْفَعُ ضَرَرَ الْأَدْوِيَةِ الْقَتَّالَةِ، وَيُحَلِّلُ اللَّبَنَ وَالدَّمَ إِذَا جَمَدَا فِي الْجَوْفِ، وَيَنْفَعُ الطِّحَالَ، وَيَدْبَغُ الْمَعِدَةَ، وَيَعْقِلُ الْبَطْنَ، وَيَقْطَعُ الْعَطَشَ، وَيَمْنَعُ الْوَرَمَ حَيْثُ يُرِيدُ أَنْ يَحْدُثَ، وَيُعِينُ عَلَى الْهَضْمِ، وَيُضَادُّ الْبَلْغَمَ، وَيُلَطِّفُ الْأَغْذِيَةَ الْغَلِيظَةَ، وَيُرِقُّ الدَّمَ.
وَإِذَا شُرِبَ بِالْمِلْحِ، نَفَعَ مِنْ أَكْلِ الْفِطْرِ الْقَتَّالِ، وإذا احتسي، قطع العلق
(١) أخرجه مسلم في الأشربة.
(٢) أخرجه ابن ماجة في الأطعمة.
1 / 229