At-Tafsir Al-Muyassar
التفسير الميسر
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
{الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما}. والصلاة والسلام على النبي الكريم محمد، الذي خاطبه رب الجلال بقوله: {طه مآ أنزلنا عليك القرءان لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى}.
وبعد، فإنه لم يحظ كتاب من الكتب السماوية ولا البشرية بما حظي به القرآن الكريم من عناية: حفظا، وتدبرا، وتفسيرا... حتى عز على الباحث عد التصانيف التي ألفت في القرآن وعلومه، واستحال على العالم حصر التفاسير التي عنيت بشرح آيه وسوره.
وتفسير الشيخ سعيد بن أحمد الكندي (1207ه/1792م)، يعد من بين هذه المشاركات المباركة في حركة التفسير، غير أنه لم يكتب له أن يطبع أو يعرف لدى الأوساط العلمية، لظروف نجهلها. إلى أن من الله تعالى بأهل الفضل، فوفروا لنا نسخة مخطوطة يتيمة من هذا التفسير القيم؛ فاستعنا بالله على الشروع في إعداده للطبع، آملين أن يكون لبنة في المكتبة الإسلامية بعامة، ونموذجا لجهود الإباضية في مجال التفسير بخاصة.
ملاحظات حول الأسلوب والمنهج والمضمون
1- سهولة أسلوب التفسير وبساطته، بحيث يفهمه كل من له معرفة ولو يسيرة باللغة العربية.
2- العرض المحبك للعبارات، مما يسهل على القارئ تتبع المعاني.
3- إحكام منهج العرض، واطراده في جميع الكتاب.
4- خلوه من الاختلافات اللغوية والفقهية والكلامية؛ مما يجعله مرجعا للخاصة والعامة.
5- اقترابه من نوع التفسير الهدائي، رغم تقدمه في العصر.
6- كونه تفسيرا كاملا غير منقوص ولا مخروم.
Halaman 1
7- اعتماده المقصد التربوي كلما وجد لذلك سبيلا، فرغم كونه تفسيرا مختصرا، إلا أنه لا يخلو من اللفتات التربوية التي تفيد الفرد والمجتمع؛ فهو يتوسع أحيانا في تفسير بعض الآيات بمباحث مهمة في مجال التربية والتوجيه. مثال ذلك:
... «{الذين إذا أصابتهم مصيبة} مكروه، {قالوا إنا لله} إقرار له بالملك، ولا يسخط عليه ما يفعله في ملكه، {وإنا إليه راجعون} إقرار على أنفسنا وما خولناه بالفناء، وأن الأمور كلها راجعة إليه، وليس الصبر بالاسترجاع باللسان بل بالقلب بتصور ما خلق لأجله، وأنه راجع إلى ربه، وبذكر نعم الله عليه فيرى أن ما بقي عليه أضعاف ما استرده منه فيهون على نفسه ويستسلم له».
مصادر الكتاب
أشار المصنف في نهاية تفسيره إلى الكتب التي اعتمدها، بقوله: «وقد نسخته من كتاب يسمى “مدارك التنزيل” (¬1) ، وكتاب “معالم التنزيل” (¬2) ، ومن كتاب “أنوار التنزيل وأسرار التأويل” المعروف ب“البيضاوي” (¬3) ، ومن كتاب “جوامع الجامع” (¬4) ، وكلها من تفاسير القوم، وزدت فيه أشياء من كتب أصحابنا، وشيئا من عندي، ما أرجوه أنه خارج على معاني الصواب، وحذفت منها ما حذفت طلبا للإيجاز».
وهذه الفقرة رغم اختصارها تدل على الأمانة العلمية التي تحلى بها الشيخ الكندي رحمه الله، فهو لم ينسب العمل إليه، وقد وضح لنا منهجه في تفسيره بدقة.
طريقته في الاختصار
¬__________
(¬1) - ... لأبي بركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي الحنفي.
(¬2) - ... لأبي محمد حسين بن مسعود الفراء، أو ابن الفراء، البغوي الملقب بمحيي السنة.
(¬3) - ... لناصر الدين، أبي الخير عبد الله بن عمر بن محمد بن علي البيضاوي الشافعي.
(¬4) - ... لأمين الدين، أبي علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي.
Halaman 2
1- لا يتعرض المصنف لبعض الجوانب التي كثيرا ما يوردها المفسرون. فبتتبع الكتاب يتضح لنا أنه لا يغوص في أوجه القراءات والتخريجات اللغوية، والبلاغية، والنحوية، والكلامية، التي كثيرا ما لا يفهمها العامة من الناس.
2- أحيانا يعزف عن الاختصار إلى التطويل في بعض مسائل تزكية النفس، مما يقربه من التفسير الصوفي، في محتواه ولغته.
... وكمثال على استعماله للمصطلحات الصوفية ما ذكره في تفسير قوله تعالى: {له الأسماء الحسنى} [الحشر: 24]: «لأنها دالة على محاسن المعاني، فليتأمل معاني هذه الأسماء والصفات لتنكشف له أسرارها، فتحتها معان مدفونة لا تنكشف إلا للموقنين».
تفسير الكندي وعلاقته بالفكر الإباضي
نتبين من خلال تفسير الكندي روح الفكر الإباضي، فنجد مؤلفنا في الآيات التي تتعلق بالآراء العقدية عند الإباضية يبرز رأيه بوضوح، ويدع المصدر الذي اعتمده جانبا، مثال ذلك:
- مسألة القضاء والقدر: يقول البيضاوي في تفسير الآية الثانية من سورة التغابن: «{فمنكم كافر} مقدر كفره، موجه إليه ما يحمله عليه، {ومنكم مؤمن} مقدر إيمانه، موفق لما يدعوه اليه» (¬1) .
ويقول الشيخ الكندي: «{فمنكم كافر} مقدر كفره، ناه عما يحمله عليه، {ومنكم مؤمن} مقدر إيمانه، آمر بما يدعوه اليه». فهنا يظهر رأي الإباضية بوضوح في قضية الجبر أو الاختيار.
- مسألة رؤية الله عز وجل: يقول البيضاوي في تفسير الآية 23 من سورة القيامة: «{إلى ربها ناظرة} تراه مستغرقة في مطالعة جماله بحيث تغفل عما سواه...»إلخ (¬2) .
ويقول الكندي فيها: «{إلى ربها ناظرة} منتظرة ثوابه».
وصف النسخة المعتمدة
¬__________
(¬1) - ... البيضاوي: تفسير، ج4/ ص204.
(¬2) - ... البيضاوي: تفسير، ج4 / ص 233.
Halaman 3
- - الورقة الأولى غير مرقمة، وتحمل التمليكة، منها كلمات منمحية.
- - الناسخ: سيف بن مالك بن سيف اليعربي وغيره، حيث يقول الناسخ: «ونسخته لنفسي بخط يدي وبخط غيري».
- - تاريخ النسخ والمكان: غير مذكورين. غير أن المالك الأخير للنسخة، وضع تاريخ شرائه الكتاب وهو: يوم 27 ربيع الأول 1278ه؛ ولا شك أن بين هذا التاريخ وتاريخ النسخ زمن غير قليل حتى ينتقل الكتاب من ناسخه سيف بن مالك ربما بعد موته إلى حفيد المؤلف: قيس بن سليمان الكندي، ثم يموت هذا ليشتريه من ترائكه: سيف بن أحمد بن سليمان الكندي. وهذا يدفعنا إلى القول إن هذه النسخة التي بين أيدينا قريبة جدا من عهد المؤلف الذي توفي سنة 1207ه.
- - أصل النسخة: بخط المصنف، حيث يقول الناسخ: «هذا ما أردت نسخه، ووجدته مكتوبا بخط الشيخ سعيد بن أحمد الكندي».
- - الخط مشرقي صعب المراس، ورديء في كثير من الأحيان.
- - عدد الأوراق: 341 ورقة، أي 682 صفحة.
- - عدد الأسطر في الصفحة: متذبذب بين 28 و 31 سطرا.
- - عدد الكلمات في السطر: متذبذب بين 12 و 20 كلمة.
- - المقاس: 24 سم × 18 سم.
- - التمليكات:
... المالك الأول: الناسخ سيف بن مالك بن سيف اليعربي، لأنه نسخه لنفسه.
... المالك الثاني: حفيد المصنف: قيس بن سليمان بن الشيخ سعيد ابن أحمد الكندي. لأن المالك الأخير قال: «صار ملكا لي بالشراء من ترائك الشيخ الثقة قيس بن سليمان...».
... المالك الثالث: سيف بن أحمد بن سليمان الكندي.
عملنا في التحقيق:
- - عنوان التفسير غير وارد في جميع الكتاب، ولذلك وضعنا العنوان باجتهادنا، ونسبناه إلى مصنفه، فكان كالتالي: «تفسير القرآن الكريم للشيخ سعيد بن أحمد الكندي».
Halaman 4
- - المخطوط كله مرقم بقلم الرصاص حسب الصفحات، لا حسب الأوراق كما اعتيد في المخطوطات. وقد وضعنا رقم الصفحة في المخطوط بين معقوفين في متن المطبوع؛ مثل: [258].
- - كثيرا ما لا يستطيع الناسخ فهم الأصل الذي نقل منه فيضيف كلمة “لعله” قبل الكلمة التي لم يفهمها في المتن، وقد وضعناها بين قوسين في كل الكتاب: (لعله) (¬1) . وكل ما يحتمل أنه من إضافة الناسخ نضعه بين قوسين، سواء كان كلمة أو جملة، مثال ذلك: «والعدل عن المقصد (لعله القصد)». «أو فاتركم (لعله فاتركهم) في أرض الله».
- - قد يكتب الناسخ نصا في الحاشية ولا يحيل إليه في متن الكتاب، فنجتهد في إدراجه في محله.
- - يبدو أن الناسخ لا يراعي معنى النص فيخطئ في النقل، مما جعلنا نلقى عنتا كبيرا في ضبط النص، وقد نبقى مع كلمة أو عبارة واحدة مدة طويلة نناقشها، ونقلبها على وجوهها، ونرجع إلى مصادر التفسير الأخرى، وقد نظفر ببغيتنا وقد لا نظفر، خاصة إذا كانت العبارة مما انفرد به المصنف، ولم نجد لها مثيلا عند غيره. ومثال ذلك في تفسير آية عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال من سورة الأحزاب نجد عبارة بهذا الرسم: «لا جرم فالما فالما أدى لها والقائم بحقوقها...» وبعد طول بحث تبين أنه يقصد «لا جرم فالمؤدي لها والقائم بحقوقها...».
- - لا نصحح الخطأ في متن الكتاب عموما وإنما نذكر الصواب في الهامش، إلا إذا كان الخطأ واضحا بديهيا، لا شك فيه فإننا نصححه في المتن ونشير إلى الخطإ في الهامش، وخاصة ما يتعلق بالإعجام والهمزات كما سنوضحه. وأما إذا لم نتأكد من المعنى فإننا نحيل إلى الهامش، ونضع الاحتمالات الصائبة الممكنة.
¬__________
(¬1) - ... ينصح القارئ أثناء مطالعته بعدم قراءة (لعله) حتى لا يختل عليه تتبعه للمعنى.
Halaman 5
- - الإعجام (تنقيط الحروف) في المخطوط متذبذب، فأحيانا يضع النقاط، وكثيرا ما يهملها، فنضعها باجتهادنا حسب ما يقتضيه السياق إذا تأكدنا من المعنى، ونظرا لكثرتها فإننا نصححها في المتن دون أن نشير إلى ذلك في الهامش حتى لا نثقل الكتاب بكثرة الإحالات.
وهذه نماذج من أخطائه في الإعجام والهمزات وغيرهما:
نوع الخطأ ... تفصيل نوع الخطأ ... النموذج ... الصواب
التنقيط ... إهمال التنقيط أصلا ... رسد ... = رشد
إهمال التنقيط في البعض وكتابة البعض ... النواب ... = الثواب
التكتبر ... = التكبير
الخطأ في التنقيط ... يشال ... = يسأل
شايخات ... = سائحات
قلب المعنى رأسا على عقب ... مفاجرهم ... = مفاخرهم
الهمزات (¬1) ... الألف المقصورة والياء ... الهدي ... = الهدى
الألف المقصورة والممدودة ... أسارا ... = أسارى
دنيى ... = دنيا
الألف المقصورة والهمزة ... يتجزى ... = يتجزأ
الهمزة وأحرف العلة ... ساير ... = سائر
التبري ... = التبرؤ
الألف بعد الواو (غير واو الجماعة) ... أرجوا ... = أرجو
واو الجماعة إذا عقبها ضمير متصل يضيف لها ألفا ... ليبلغواهم ... = ليبلغوهم
يحتقروانهم ... = يحتقرونهم
يدعوانهم ... = يدعونهم
همزة الوصل في أول الفعل أحيانا لا يكتبهما ... «ودعوه مخلصين» ... = «وادعوه مخلصين»
لتفت ... = التفت
بتدروا ... = ابتدروا
أمثلة لأخطاء أخرى في الهمزات ... الجزا ... = الجزاء
اطمنانية ... = اطمئنانية
المستهزاء ... = المستهزئ
قراة ... = قراءة
نباء ... = نبأ
لأولياءيه ... = لأوليائه
الجزوء ... = الجزء
أخطاء أخرى (¬2) ... وصل الكلمات أو فكها ... فيحال ... = في حال
عنما ... = عما
التاء والهاء ... مناجات ... = مناجاة
التورات ... = التوراة
¬__________
(¬1) - ... كل ما يتعلق برسم الهمزات نصححه حسب الرسم الإملائي، دون أن نشير إلى ذلك، كما هو متعارف عليه في علم التحقيق.
(¬2) - ... في مثل هذه الأخطاء اعتمدنا الرسم الإملائي دون الإحالة إلى التصحيح في الهامش.
Halaman 6
الجمع بين عدة أخطاء (¬1) ... نفتاالاض ... = الانقباض
وأخيرا، فهذا مجهود مقل ومستعجل في تحقيق هذا التفسير القيم، ونحن لا ندعي الكمال في اجتهادنا، آملين أن نحصل على نسخ أخرى للمخطوط، فنعيد أو يعيد غيرنا تحقيقه من جديد؛ وهكذا العمل العلمي الدؤوب دوما في ازياد وتصحيح وتنقيح... ولا يضمن التواصل العلمي إلا النقد العلمي البناء، الذي ننتظره بفارغ صبر، شاكرين لكل من يخلص لنا النصح، ولكل من يدعو لنا عن ظهر الغيب.
والله نسأل أن يقيل عثراتنا، وأن يأجر كل من سعى لإخراج هذا التفسير في صورته المكتملة، ونذكر على رأسهم: سعادة المستشار، صاحب الأفضال الظاهرة في مجال العلم والتحقيق:
الذي زودنا بمخطوط الكتاب. وأستاذنا مرشد الجيل فضيلة الدكتور محمد ابن صالح ناصر، الذي كان لنا نعم السند في كل خطوات التحقيق.
كما لا ننسى جهود الإخوة الطلبة: سليمان بابزيز، إسماعيل ابن عيسى، مسعود حامي، قاسم أوبكة وغيرهم ممن ساعدنا في تصفيف النص، ومقارنته...
{ربنا لا تؤاخذنآ إن نسينآ أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا، واغفر لنا، وارحمنآ، أنت مولانا، فانصرنا على القوم الكافرين}
المحققان ... ...
القرارة يوم 11 جمادى الأولى 1418ه
14 سبتمبر 1998م
[سورة] الفاتحة
¬__________
(¬1) - ... وهذا من أعجب الأخطاء التي وقع فيها الناسخ فقد وضع مكان الفاء قافا، ومكان التاء باء، والألف واللام وهمزة الوصل تتقدم من وسط الكلمة إلى أولها!، وحل اللغز في كلمة كهذه ليس بالأمر الهين.
Halaman 7
بسم الله الرحمن الرحيم (¬1) [1]
{الحمد لله} أي: فرض حمده على عباده، وحمد الله: هو الثناء عليه بصفاته الحسنى.
{
¬__________
(¬1) - ... كتبت في وجه الورقة الأولى من المخطوط وهي غير مرقمة عبارة تحمل اسم المالك الأول للكتاب ومالكه الثاني، وهي كالتالي:
... «...ت [انمحاء، تقديره: اشتريت] هذا الكتاب بالشراء الصحيح من ترائك الشيخ الثقة: قيس بن سليمان ...يخ [انمحاء تقديره: بن الشيخ] العالم سعيد بن أحمد بن الكندي. وهو الآن ملكي وأنا الأقل [كذا] لله تعالى، ... [انمحاء] بن أحمد بن سليمان الكندي بيدي. تاريخ يوم 27 من شهر ربيع الأول سنة 1278ه».
... وفي ظهر نفس الورقة كتب ما يلي:
... «[ق]وله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده} ورد في آيتين متجانستين [في] اللفظ في الأنعام. و“سبحان” معناه: لا تقربوا أي لا تتعرضوا لمال اليتيم. منعهم منع تحريم [و]زجر وتهديد، لقوله في سورة الأنعام: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} فكانت هذه واحدة [مم]ا تلاه عليهم، فقد حرم عليهم الدخول في مال اليتيم إلا بشريطة هي أن ينزلوا بالمنزلة التي حدها [ل]هم، وهي قوله: {إلا بالتي هي أحسن}، أي بالطريقة المستقيمة فيدخلوا أنفسهم في ماله وينبسطوا».
... وهذه العبارة ليست من تفسير الكندي، كما سيتضح لنا في تفسير سورة الأنعام ، (الآية:152)، وفي تفسير سورة الإسراء (الآية: 34). ويبدو أنها من إضافة الناسخ، ويقصد بقوله: «و“سبحان”» سورة الإسراء.
... كما يوجد تحتها بيتان من الشعر، وهما:
... «تبين أخي في الله قولي فإنني ... ... على النصح في ذات الإله مع العتبى
Halaman 8
... وأهديه صرفا في عموم أولي النهى ... ... كذا في خصوص من عموم أولي القربى» رب العالمين(2)} الرب المالك، وقيل: الخالق، والعالمين جمع عالم، وقيل: الدنيا عالم واحد من ثمانية عشر ألف عالم، وقيل: لا يحصي عدد العالمين أحد إلا الله؛ وقال الله: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} (¬1) .
{الرحمن} “فعلان” من “رحم”، وهو الذي وسعت رحمته كل شيء، وكذا {الرحيم(3)} “فعيل” منه.
{مالك يوم الدين(4)} أي: قاضي يوم الجزاء، وقيل: المالك، والملك: هو القادر على اختراع الأعيان من العدم إلى الوجود، ولا يقدر عليه أحد إلا الله. وهذه الأوصاف التي أجريت على الله سبحانه وتعالى من كونه ربا أي مالكا للعالمين، ومنعما للنعم كلها، ومالكا للأمر كله، أي (¬2) يوم الثواب والعقاب، بعد الدلالة على اختصاص الحمد به في قوله: {الحمد لله} دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه بالحمد والثناء عليه.
{إياك نعبد وإياك نستعين(5)} أي لا نعبد إلا إياك، ولا نشرك في عبادتنا غيرك، {وإياك نستعين} أي: لا نستعين إلا بك، لا بأنفسنا وحولنا وقوتنا، فعمل الأول هو العمل لله، وعمل الثاني هو العمل بالله؛ والعمل لله يوجب تحقيق العبادة، والعمل بالله يوجب تصحيح الإرادة. {اهدنا الصراط المستقيم(6)} أي: ثبتنا، وقيل: أي أرشدنا وثبتنا على المنهاج الواضح، وهو طريق الحق وملة الإسلام. {صراط الذين أنعمت عليهم} أي: صراط المسلمين، {غير المغضوب عليهم} من اليهود والمستوجبين لغضب الله، وغضب الله هو عقوبته. {ولا الضالين(7)} من النصارى، أي غير الكافرين والمنافقين؛ والمنعم عليه والمغضوب عليه متضادان لا يستويان. قيل: وأصل الضلال والهلاك والغيبوبة، يقال: ضل الماء في اللبن، إذا هلك وغاب به.
سورة البقرة
قيل: مدنية، وهي مائتان وسبع وثمانون آية.
بسم الله الرحمن الرحيم
{
¬__________
(¬1) - ... سورة المدثر: 39.
(¬2) - ... كذا في الأصل ، ولعل الصواب: - «أي».
Halaman 9
ألم(1)} ونظائرها قيل: إنها أسماء للسور، وقيل: إنها اسم الله الأعظم، وقيل: إنها من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، وفائدة ذكرها طلب الإيمان بها، كما قال: {آمنا به كل من عند ربنا} (¬1) الله، وقيل غير ذلك.
{ذلك الكتاب} أي ذلك الكتاب الكامل، {لا ريب} لا شك فيه أنه من عند الله وأنه الحق الصدق، وحقيقة الريبة قلق النفس واضطرابها، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (¬2) ، فإن الشك ريبة، وإن الصدق اطمئنانية، أي: فإن كون الأمر مسلوك (¬3) فيه كما تقلق (¬4) له النفس ولا تستقر، وكونه صحيحا صادقا مما تطمئن له القلوب وتسكن، {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} (¬5) ، والمعنى: أنه من وضوح دلالته بحيث لا ينبغي أن يرتاب فيه، إذ لا مجال للريبة فيه.
{
¬__________
(¬1) - ... سورة آل عمران: 7. ولعل الصواب حذف كلمة “الله”.
(¬2) - ... رواه الترمذي في صفة القيامة والرقائق والورع، رقم 2442، بسند: حدثنا أبو موسى الأنصاري حدثنا عبد الله بن إدريس حدثنا شعبة عن بريد بن أبي مريم عن أبي الحوراء السعدي، عن الحسن بن علي، وبزيادة: «فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة». قال وهذا حديث حسن صحيح. ورواه النسائي في آداب القضاة، وفي الأشربة؛ وأحمد في مسند أهل البيت، وفي باقي مسند المكثرين؛ والدارمي في المقدمة والبيوع. انظر: العالمية: موسوعة الحديث.
(¬3) - ... كذا في الأصل، والصواب: «مشكوكا».
(¬4) - ... كتب الناسخ في الهامش: «لعله: بهما تقلق».
(¬5) - ... سورة الرعد: 28.
Halaman 10