فهذا في العبادات المتعبَّد بعملها، وأمَّا في الاعتقادات فليس كذلك؛ إذْ هي مبنيّةٌ على القطع، ولا سبيل إليه، بل ولا إلى الظنِّ؛ لتعارض ظواهر الآثار، ولم يكونوا أنفسهم ﵃ يشتغلون بمثل هذا، بل ورد أنَّ كلًّا منهم كان يقول بفَضْل الآخر عليه، مع أنَّه ما منهم إلَّا من كان يتحدَّث بنعمة الله، ولاسيّما سيدنا علي فيما أوتيه من العلم.
فكيف يغمط نفسه حقَّها بتفضيل أبي بكرٍ وعمر على نفسه؟! وكذلك أبو بكر بتفضيله سيدنا عليًّا على نفسه، وغير ذلك.
فإن قيل: كان ذلك ظنَّهم بأنفسهم. قلنا: فهل يعرف غيرُهم منهم ــ ولاسيّما بعد مرور هذه الأعصار ــ ما جهلوه من أنفسهم؟!
فأمَّا كون أحدهم كذب بذلك فلا يقوله أحدٌ.
وقد كان السلفُ لا يهمُّهم إلَّا تعظيم الجميع، بحيث لا ينقص أحد منهم، ولا يهتمون بالتَّفضيل، وإن قالوا به بحسب الظنِّ فلا يلومون أحدًا خالفهم في ذلك، أو يعنِّفون عليه، كما رُوِي ذلك عن معمر ووكيع، كما في "الاستيعاب" في ترجمة عمر بن الخطاب ﵁ (^١).
وكلُّ مُفضِّل لا يخلو عن تعصُّبٍ، والدليل عليه أنّه إذا قال بتفضيل أحدهم ثم ورد ما يدلُّ على أفضلية الآخر تكدَّر لذلك، وتمنَّى أن يظفر بما يَردُّ ذلك الوارد ويُبطله، إلى غير ذلك.
فكلُّهم ساداتنا، أفاضلُ الأمر ﵃ وعنّا.
(^١) (٣/ ١١٥٠)، وعزاه لعبد الرزاق.
6 / 316
التفضيل بين الخلفاء إن كان بتشييد الدين ونفع المسلمين وورود الأدلة فهم مشتركون فيه في الجملة.
التفضيل بين الخلفاء الأربعة إن كان بحسب منزلتهم عند الله فهو من الغيب الذي لا يعلمه إلا هو.
الفضائل عرض لها التعصبات، بدفن بعضها واختلاق بعضها الآخر.
لم يكن الخلفاء الأربعة مشتغلين بالتفاضل، بل كانوا يغمطون أنفسهم ويفضل كل غيره عليه.
كان السلف لا يهمهم إلا تعظيم الجميع، وإن قال به بالظن لم يعنف مخالفه فيه.
حصول بعض الوحشة بين الخلفاء ليس بمحدث فما زال جاريا بين الأخيار ولم يسلم منه الأنبياء.
ومع الوحشة التي حصلت بين الأخيار فقد كانوا سليمي الصدور تجاه بعضهم.
تفضيل الخلفاء بحسب ترتيبهم في الخلافة ليس قطعيا؛ إذ الإمامة كالأمارة يولاها الأصلح لها.
ذكر أربعة وجوه في تأخر خلافة علي مع فضائله عن الثلاثة الآخرين.
جرت حكمة الله أن ينبأ الأنبياء ببلوغ الأربعين، وعلي حين وفاته ﷺ ووفاة أبي بكر لم يكن بلغها.
من حكمة الله في تأخر خلافة علي ما قد يترتب من مفاسد ترجح على المصالح المرجوة من توليه لها.
من مفاسد تولي علي للخلافة بعد وفاته ﷺ ظن أهل الكتاب والمنافقين أن نبوته ﷺ ملك يورث.
حصل في تولي الخلفاء الثلاثة قبل علي مصالح تعود إلى ما خص الله كل واحد منهم من الخصال.