وخلاصة ما يستنبطه القارىء لما كتب الشافعى فى هذا المقام يؤيد به رأيه هذا فى منع نسخ القرآن للسنة إلا ببيان من السنة - يجده يقوم على دعامتين :
الدعامة الأولى : أن النسخ يحتاج إلى بيان ، والسنة بيان للقرآن ، والقرآن هو الذى يعطى السنة هذه القوة من البيان ، أما أن النسخ يحتاج إلى بيان ، فذلك لأنه يحتاج إلى بيان المتقدم والمتأخر من النصوص ، وما استقر عليه عمل النبى صلى اللّه عليه وسلم وبيانه لأصحابه ، وذلك بلا ريب يثبت بالسنة ، وإذا كنا قد رأينا أن أكثر المنسوخ فى القرآن فى رأى الشافعى لم يعلم نسخه إلا بالسنة ، فأولى أن يكون منسوخ السنة لا يعلم إلا بالسنة لأن بها البيان، قال تعالى، ((وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)).
الدعامة الثانية : أنه لو جاز نسخ السنة بالقرآن من غير سنة تعرف بالنسخ ، أو تكون هى الناسخة ، لجاز أن يكون كل نص حديث تخالف القرآن مردوداً غير مقبول العمل ، وبذلك لا يمكن أن تكون السنة مخصصة لعموم القرآن ، ولا مبينة له . بل لجاز أن ترد كل سنة معها كتاب تخالفه من وجه اكتفاء ببيان الكتاب ، وهذه نتيجة لايرضاها الشافعى ناصر السنة بمكة والمدينة وبغداد ، ولقد بين ذلك فضل بيان فلننقله إليك بنصه لتعرف حقيقة رأيه . فهو يقول :
فإن قال قائل : هل تنسخ السنة بالقرآن ؟ قيل لو نسخت السنة بالقرآن كانت للنبى فيه سنة تبين أن سنته الأولى منسوخة بسنته الأخرى حتى تقوم الحجة على الناس بأن الشىء ينسخ بمثله ، فإن قال فما الدليل على ما تقول، فما وصفت من موضعه من الإبانة عن اللّه تعالى معنى ما أراد الله بفرائضه خاصاً وعاماً ، مما وصفت فى كتابى هذا، وأنه لايقول أبداً لشىء إلا بحكم الله ، ولو نسخ اللّه مما قال حكماً لسن رسول الله فيما نسخه سنة، ولو جاز أن يقال قد سن رسول الله ثم نسخ سنته بالقرآن ، ولا يؤثر عن