al-Lumaʿ fī al-Radd ʿalā Ahl al-Zaygh wa al-Bidaʿ

اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع

* بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

الحمد لله ذى الجود والثناء ، والمجد والسناء ، والعز والكبرياء ؛ أحمده على سوابغ النعم وجزيل العطاء ، وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له عدة (1) اللقاء ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم الأنبياء.

أما بعد ؛ فانك سألتنى أن أصنف لك كتابا مختصرا أبين فيه جملا توضح الحق وتدمع الباطل ، فرأيت اسعافك بذلك ، (رزقك) (2) الله الخيرات ، وأعانك على الخير (3) والمطلوبات.

* (1)

* [الله وصفاته (4) ]

* مسألة

ان سأل سائل فقال : ما الدليل على أن للخلق صانعا صنعه ومدبرا دبره؟ قيل (له) (5): الدليل على ذلك أن الانسان الذي هو فى غاية الكمال والتمام ، كان نطفة ثم علقة ثم لحما

Halaman 18

ودما (وعظما) (1)، وقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال الى حال ؛ لأنا نراه فى حال كمال قوته وتمام عقله لا يقدر أن يحدث لنفسه سمعا ولا بصرا ، ولا أن يخلق لنفسه جارحة. يدل ذلك على أنه فى حال ضعفه ونقصانه عن فعل ذلك أعجز ؛ لأن ما قدر عليه فى حال النقصان فهو فى الكمال عليه أقدر. وما عجز عنه فى حال الكمال فهو فى حال النقصان عنه أعجز. ورأيناه طفلا ثم شابا كهلا ثم شيخا ، وقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال الشباب الى حال الكبر والهرم ؛ لأن الانسان لو جهد أن يزيل عن نفسه الكبر والهرم ويردها الى حال الشباب لم يمكنه ذلك ؛ فدل ما وصفنا على أنه ليس هو الذي ينقل نفسه فى هذه الأحوال ، وأن له ناقلا نقله من حال الى حال ودبره على ما هو عليه ؛ لأنه لا يجوز انتقاله من حال الى حال بغير ناقل ولا مدبر. مما بين (2) ذلك أن القطن لا يجوز أن يتحول غزلا مفتولا ، ثم ثوبا منسوجا ، بغير ناسج ولا صانع ولا مدبر ، ومن اتخذ قطنا ثم انتظر أن يصير غزلا مفتولا. ثم ثوبا منسوجا بغير صانع ولا ناسج كان عن (3) معقول (4) خارجا ، وفى الجهل والجا. وكذلك من قصد الى برية لم يجد قصرا مبنيا فانتظر أن يتحول (5) الطين الى حالة الآجر ، وينتضد

Halaman 19

بعضه على بعض ، بغير صانع وإلا بأن ، كان جاهلا. واذا كان تحول النطفة علقة ، ثم مضغة ، ثم لحما ودما وعظما ، أعظم فى الأعجوبة ، كان أولى أن يدل على صانع صنع النطفة ونقلها من حال الى حال. وقد قال الله تعالى : ( أفرأيتم ما تمنون. أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ) (1) فما استطاعوا أن يقولوا بحجة انهم يخلقون ما يمنون مع تمنيهم الولد فلا يكون ومع كراهتهم له فيكون. وقد قال الله تعالى منبها (2) لخلقه على وحدانيته : ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) (3) بين (4) لهم عجزهم وفقرهم الى صانع صنعهم ومدبر دبرهم.

فان قالوا : فما يؤمنكم أن تكون النطفة لم تزل قديمة؟ قيل لهم (5): لو كان ذلك كما ادعيتم لم يجز أن يلحقها الاعتمال والتأثير ، ولا الانقلاب والتغيير ؛ لأن القديم لا يجوز انتقاله وتغيره ، وأن يجرى عليه سمات الحدث ؛ لأن ما جرى ذلك عليه ولزمته الضعة (6) لم ينقل من سمات الحدث ، وما لم يسبق المحدث كان محدثا مصنوعا ؛ فبطل بذلك قدم النطفة وغيرها من الأجسام.

* مسألة

فان قال قائل : لم زعمتم أن البارى سبحانه لا يشبه المخلوقات؟ قيل (7) (له) (8): لأنه لو أشبهها لكان حكمه فى

Halaman 20

الحديث حكمها ، ولو أشبهها لم يخل من أن يشبهها من كل الجهات أو من بعضها. فان أشبهها من جميع الجهات كان محدثا مثلها من جميع الجهات ، وان أشبهها من بعضها كان محدثا من حيث أشبهها ، ويستحيل أن يكون المحدث لم يزل قديما. وقد قال الله تعالى : ( ليس كمثله شيء ) (1). وقال تعالى : ( ولم يكن له كفوا أحد ) (2).

* مسألة

فان قال قائل : لم قلتم ان صانع الأشياء واحد؟ قيل له :

لأن الاثنين لا يجرى تدبيرهما على نظام ولا يتسق (3) على احكام. ولا بد أن يلحقهما العجز أو واحدا منهما ؛ لأن أحدهما اذا أراد أن يحيى انسانا وأراد الآخر أن يميته لم يخل أن يتم مرادهما جميعا أو لا يتم مرادهما ، أو يتم (مراد أحدهما دون الآخر. ويستحيل أن يتم) (4) مرادهما جميعا ؛ لأنه يستحيل أن يكون الجسم حيا ميتا فى حال واحدة وان لم يتم مرادهما جميعا وجب عجزهما ، والعاجز لا يكون إلها ولا قديما (وان تم مراد أحدهما دون الآخر وجب عجز من لم يتم مراده منهما والعاجز لا يكون إلها ولا قديما) (5) فدل ما قلناه على أن صانع

Halaman 21

الأشياء واحد (1). وقد قال الله تعالى : ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) (2) فهذا معنى احتجاجنا آنفا.

* مسألة

فان قال قائل : ما الدليل على جواز اعادة الخلق؟ قيل له : الدليل على ذلك أن الله سبحانه خلقه أولا لا (3) على مثال سبق ، فاذا خلقه أولا لم يعيه أن يخلقه خلقا آخر. وقد قال عز وجل : ( وضرب لنا مثلا ونسي خلقه ؛ قال من يحي العظام وهي رميم. قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ) (4) فجعل النشأة الأولى دليلا على جواز النشأة الآخرة لأنها فى معناها. ثم قال : ( الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون ) (5) فجعل ظهور النار على حرها ويبسها من الشجر الأخضر على نداوته ورطوبته دليلا

Halaman 22

على جواز خلقه الحياة فى الرمة البالية والعظام النخرة ، وعلى قدرته على خلق مثله. ثم قال : أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم» (1). وهذا هو المعول عليه فى الحجاج فى جواز اعادة الخلق (2).

وهذا هو الدليل أيضا على صحة الحجاج والنظر ؛ لأن الله تعالى حكم فى الشيء بحكم مثله وجعل سبيل النظير ومجراه مجرى نظيره. وقد قال الله تعالى : ( الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ) (3). وقوله تعالى : ( وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ) (4) يريد وهو هين عليه فجعل الابتداء كالاعادة. فان قال قائل : زيدونى وضوحا فى صحة النظر (5). قيل له : قول الله تعالى مخبرا عن ابراهيم عليه السلام لما رأى الكوكب : ( قال هذا ربي ، فلما أفل قال لا أحب الآفلين. فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي ، فلما أفل قال لئن لم يهدني

Halaman 23

ربي لأكونن من القوم الضالين» ) (1). فجمع عليه السلام القمر والكواكب فى أنه لا يجوز أن يكون واحد منهما إلها ربا لاجتماعهما فى الأفول ، وهذا هو النظر والاستدلال الذي ينكره المنكرون وينحرف عنه المنحرفون (2).

* مسألة

فان قال قائل : لم أنكرتم أن يكون الله تعالى جسما؟

قيل له : أنكرنا ذلك لأنه لا يخلو أن يكون القائل لذلك أراد ما أنكرتم أن يكون طويلا عريضا مجتمعا ، أو أن يكون أراد تسميته جسما وان لم يكن طويلا عريضا مجتمعا عميقا. فان كان أراد ما أنكرتم أن يكون طويلا عريضا مجتمعا كما يقال ذلك للأجسام فيما يلينا فهذا لا يجوز ؛ لأن المجتمع لا يكون شيئا واحدا ؛ لأن (3) أقل قليل الاجتماع لا يكون الا من (4) شيئين ؛ لأن الشيء الواحد لا يكون لنفسه مجامعا ؛ وقد بينا آنفا (5) أن الله عز وجل شيء واحد ؛ فبطل بذلك أن يكون

Halaman 24

مجتمعا. وان أراد لم لا تسمونه جسما وان لم يكن طويلا عريضا مجتمعا؟ فالأسماء ليست إلينا ، ولا يجوز أن نسمى الله تعالى باسم لم يسم به نفسه ، ولا سماه به رسوله ، ولا أجمع المسلمون عليه ولا على معناه.

* مسألة

فان قال قائل : لم قلتم ان الله تعالى عالم؟ قيل له : لأن الأفعال المحكمة لا تتسق فى الحكمة الا من عالم. وذلك أنه لا يجوز أن يحوك الديباج النفارير (1) ويصنع دقائق الصنعة من لا يحسن ذلك ولا يعلمه. فلما رأينا الانسان على ما فيه من اتساق الحكمة كالحياة التى ركبها الله فيه والسمع والبصر وكمجارى الطعام والشراب وانقسامهما فيها (2) وما هو عليه من كماله وتمامه ، والفلك وما فيه من شمسه وقمره وكواكبه ومجاريها ، دل ذلك على أن الذي صنع ما ذكرناه لم يكن يصنعه الا وهو عالم بكيفيته وكنهه ، ولو جاز أن تحدث الصنائع الحكمية لا من عالم ندر لعل جميع ما يحدث من حكم الحيوان (3)

Halaman 25

وتدابيرهم وصنائعهم يحدث منهم وهم غير عالمين ؛ فلما استحال ذلك دل على أن الصنائع المحكمة لا تحدث الا من عالم (1).

كذلك لا يجوز أن تحدث الصنائع الا من قادر حي ؛ لأنه لو جاز حدوثها ممن ليس بقادر ولا حي لم ندر لعل سائر ما يظهر من الناس يظهر منهم وهم عجزة موتى ؛ فلما استحال ذلك دلت الصنائع على أن الله حي قادر.

* مسألة

فان قال قائل : لم قلتم ان الله سميع بصير؟ قيل له : لأن الحى اذا لم يكن موصوفا بآفة (2) تمنعه من ادراك المسموعات والمبصرات اذا وجدت فهو سميع بصير. فلما كان الله تعالى حيا لا تجوز عليه الآفات من الصمم والعمى وغير ذلك اذ كانت الآفات تدل على حدوث جازت عليه صح أنه سميع بصير.

* مسألة

فان قال : أتقولون ان الله تعالى لم يزل عالما قادرا سميعا بصيرا؟ قيل له : كذلك نقول. فان قال : فما الدليل على ذلك؟ قيل له : الدليل على ذلك أن الحى اذا لم يكن عالما كان (3)

Halaman 26

موصوفا بضد العلم من الجهل أو الشك (1) أو الآفات فلو كان البارى تعالى لم يزل حيا غير عالم لكان (لم يزل) موصوفا بضد العلم. ولو كان (لم يزل) موصوفا بضد العلم من الجهل أو الشك أو الآفات (2) لاستحال أن يعلم ؛ لأن ضد العلم لو كان قديما (3) لاستحال أن يبطل ، واذا استحال أن يبطل ذلك لم يجز أن يصنع الصنائع الحكمية. فلما صنعها ودلت على أنه عالم صح وثبت أنه لم يزل عالما ؛ اذ قد استحال أن يكون لم يزل بضد العلم موصوفا.

وكذلك لو كان لم يزل حيا غير قادر لوجب أن يكون لم يزل عاجزا موصوفا بضد القدرة. ولو كان عجزه قديما لاستحال أن يقدر وأن تحدث الأفعال منه.

وكذلك لو كان لم يزل حيا غير سميع ولا بصير لكان لم يزل موصوفا بضد السمع من الصمم والآفات ، وبضد البصر من العمى والآفات ، ومحال جواز الآفات على البارى ، لأنها من سمات الحدث ، فدل ما قلناه على أن الله تعالى لم يزل عالما قادرا سميعا بصيرا.

* مسألة

فان قال قائل : لم قلتم ان للبارى (4) تعالى علما به علم

Halaman 27