Berita-berita Berjaya

الأخبار الموفقيات للزبير بن بكار

Editor

سامي مكي العاني

Penerbit

عالم الكتب

Edisi

الثانية

Tahun Penerbitan

١٤١٦هـ-١٩٩٦م

Lokasi Penerbit

بيروت

Genre-genre
Islamic history
•
Wilayah-wilayah
Arab Saudi
•
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ: " كُنَّا فِي مَجْلِسٍ نَنْتَظِرُ الإِذْنَ فِيهِ عَلَى الْمَنْصُورِ، فَتَذَاكَرْنَا الْحَجَّاجَ، فَمِنَّا مَنْ حَمِدَهُ، وَمِنَّا مَنْ ذَمَّهُ، فَكَانَ مِمَّنْ حَمِدَهُ مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ، وَمِمَّنْ ذَمَّهُ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلَيٍّ ﵈، وَأُذِنَ لَنَا فَدَخَلْنَا عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ، فَابْتَدَأَ الْحَسَنُ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا كُنْتُ أَحْسَبُنِي أَبْقَى حَتَّى يُذْكَرَ الْحَجَّاجُ فِي دَارِكَ وَعَلَى بِسَاطِكَ، فَيُثْنَى عَلَيْهِ.
فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَمَا تُنْكِرُ مِنْ ذَلِكَ؟ رَجُلٌ اسْتَكْفَاهُ قَوْمُهُ فَكَفَاهُمْ، وَاللَّهِ لَوَدَدْتُ أَنِّي وَجَدْتُ مِثْلَ الْحَجَّاجِ حَتَّى أَسْتَكْفِيَهُ أَمْرِي، وَأُنْزِلُهُ الْحَرَمَيْنِ حَتَّى يَأْتِيَنِي أَجَلِي.
قَالَ: فَقَالَ لَهُ مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ لَكَ مِثْلَ الْحَجَّاجِ عَدَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ لَوِ اسْتَكْفَيْتَهُمْ كَفَوْكَ.
قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ كَأَنَّكَ تُرِيدُ نَفْسَكَ.
قَالَ: وِإِنْ أَرَدْتُهَا فَمَهْ؟ قَالَ: كَلا لَسْتَ هُنَاكَ، إِنَّ الْحَجَّاجَ ائْتَمَنَهُ الْقَوْمُ فَأَدَّى إِلَيْهِمُ الأَمَانَةَ، وَائْتَمَنَّاكَ فَخُنْتَنَا
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: " قَدِمَ عَلَى مِزْيَدٍ مُخَنَّثٌ مِنْ مَكَّةَ، فَقَالَ لَهُ: بِأَبِي وَأُمِّي، دُلَّنِي عَلَى بَعْضِ مُخَنَّثِي الْمَدِينَةِ أَتَخَنَّثُ مَعَهُ.
فَأَتَى بِهَ دَارَ خُثَيْمٍ، وَهُوَ شُرْطِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: دُونَكَ صَاحِبَ هَذَا الدَّارِ، فَدَخَلَ وخُثَيْمٌ يُصَلِّي، فَقَامَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ لَهُ خُثَيْمٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ، فَقَالَ: سَبَّحَتَ بِأُمِّ الزِّنَا فِي جَامِعَةٍ قَمْلَةٍ، انْصَرِفِي، الْجَامِعَةُ: الْقَيْدُ، وَالْقَمْلُ: أَنْ يَطُولَ حَبْسُهُ فَيَقْمَلَ قَدُّهُ، حَتَّى أَتَحَدَّثَ مَعْكِ سَاعَةً، فَلَمَّا أَطَالَ خُثَيْمٌ، قَالَ: تَتَنَسَّكِينَ زِيَادَةً، فَانْصَرَفَ مِنْ صَلاتِهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَقَالَ: مَا شَأْنُكَ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، وَوَصَفَ لَهُ مَنْ دَلَّهُ، فَعَرِفَ أَنَّهُ مِزْيَدٌ، فَطَلَبَهُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ
حَدَّثَنِي الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: " كَانَ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَقِيلٍ عَامِلا لِلْحَجَّاجِ عَلَى الْكُوفَةِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ أَبَا صَفِيَّةَ، وَيَغْضَبُ مِنْهَا، فَاسْتَعْدَتِ امْرَأَةٌ عَلَى زَوْجِهَا، فَأَتَاهُ صَاحِبَ الدَّعْوى عِنْدَ الْمَسَاءِ.
قَالَ: نَعَمْ أَغْدُو مَعَكَ، فَبَاتَ الرَّجُلُ يَقُولُ لامْرَأَتِهِ: لَوْ قَدْ أَتَيْتُ الأَمِيرَ لَقُلْتُ: يَا أَبَا صَفِيَّةَ، إِنَّهَا تَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا، فَيَأْمُرُ بِكِ مَنْ يُوجِعُكِ ضَرْبًا، وَجَعَلَ يُكَرِّرُ عَلَيْهَا: يَا أَبَا صَفِيَّةَ، فَحَفَظَتِ الْمَرْأَةُ الْكُنْيَةَ، وَظَنَّتْ أَنَّهَا كُنْيَةَ الأَمِيرِ، فَلَمَّا تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ، قَالَتْ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ يَا أبَا صَفِيَّةَ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَافَاكِ اللَّهُ، فَأَعَادَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ: فَأَعَادَتْ، فَقَالَ لِزَوْجِهَا: خُذْ بِيَدِهَا فَإِنِّي أَظُنُّهَا ظَالِمَةً

1 / 1

حَدَّثَنِي الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: قَالَ سَلْمُ بْنُ زِيَادٍ لِطَلَحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الْخُزَاعِيِّ: " أُرِيدُ أَنْ أَصِلَ رَجُلا لَهُ حَقٌ عَلَيَّ وَصُحْبَةٌ بِأَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَمَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تَجْعَلَ هَذِهِ الْعَشَرَةَ، قَالَ: فَأصِلُهُ بِخَمْسِ مِائَةِ أَلْفٍ، قَالَ: كَثِيرٌ.
فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ، قَالَ: أَفَتَرَى مِائَةَ أَلْفٍ يُقْضَى بِهَا ذِمَامُ رَجُلٍ لَهُ انْقِطَاعٌ وَصُحْبَةٌ وَمَودَّةٌ وَحَقٌ وَاجِبٌ؟، قَالَ: نَعَمٌ، قَالَ: هِيَ لَكَ وَمَا أَرَدْتُ غَيْرَكَ.
قَالَ: أَقِلَّنِي، قَالَ: لا أَفْعَلْ وَاللَّهِ
حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ جَدِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ، قَالَ: " هَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجَعْدِيُّ بَصِيصَ جَارِيَةِ نَفِيسٍ، صَاحِبِ قَصْرِ نَفِيسٍ بِالْمَدِينَةَ.
فَبَلَغَهُ عَنْهَا شَيْءٌ أَنْكَرَهُ، فَغَابَ عَنْهَا زَمَانًا، ثُمَّ أَتَاهَا، فَقَالَ لَهَا: تُغَنِّينَ:
وَكُنْتُ أُحِبُّكُمْ فَسَلَوْتُ عَنْكُمْ ... عَلَيْكُمْ فِي دِيَارِكُمُ السَّلامُ
فَقَالَتْ: نَعَمْ، وأُغَنِّي:
تَحَمَّلَ أَهْلُهَا عَنْهَا فَبَانُوا ... عَلَى آثَارِ مَنْ ذَهَبَ الْعَفَاءُ
قَالَ: فَازْدَادَ بِهَا شَغَفًا وَكَلَفًا، وَأَقَامَ مَلِيًّا يُدِيمُ النَّظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: تُغَنِّينَ:
وَأَخْضَعُ لِلْعُتْبَى إِذَا كُنْتُ ظَالِمًا ... وَإِنْ ظُلِمْتُ كُنْتُ الَّذِي أَتَنَصَّلُ
قَالَتْ: نَعَمْ، وَأُغَنِّي:
فَإِنْ تُقْبِلُوا نُقْبِلْ عَلَيْكُمْ بِوُدِّنَا ... وَنُنْزِلُكُمْ مِنَّا بِرَحْبِ الْمَنَازِلِ
قَالَ: فَتَقَاطَعَا فِي بَيْتَيْنِ، وَتَوَاصَلا فِي بَيْتَيْنِ، وَلَمْ يَفْطِنْ مِنَ الْقَوْمِ غَيْرِي
حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: قَالَ بَسِيلُ التُّرْجُمَانُ: كُنْتُ مَعَ الرَّشِيدِ فِي بَلادِ الرُّومِ، فَلَمَّا افْتَتَحَ أَنْقَرَةَ فَإِذَا بِحَجَرٍ عَظِيمٍ مَنْصُوبٍ عَلَى بَابِ الْحِصْنِ فِيهِ كِتَابٌ بِالْيُونَانِيَّةِ، وَهِيَ الرُّومِيَّةُ الْقَدِيمَةُ، وَكَانَ ذَوُ الْقَرْنَيْنِ مِنْ وَلَدِ يُونَنَ بْنِ يُونَانَ، فَجَعَلْتُ أَقْرَأُهُ وَأَنْقُلُهُ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ، وَالرَّشِيدُ يَنْظُرُ فَإِذَا فِيهِ: " بِسْمِ اللَّهِ الْمَلِكِ الْحَقِّ الْمُبِينِ، يَا ابْنَ آدَمَ غَافِصِ الْفُرْصَةَ عِنْدَ إِمْكَانِهَا، وَكِّلِ الأُمُورَ إِلَى وَالِيهَا، وَلا يَحْمِلَنَّكَ إِفْرَاطُ السُّرُورِ عَلَى مَأْتَمٍ، ولا تَحْمِلَنَّ عَلَى نَفْسِكَ هَمَّ يَوْمٍ لَمْ يَأْتِكْ، فَإِنَّهُ إِنْ يَكُنْ مِنْ أَجَلِكْ يَأْتِكَ اللَّهُ فِيهِ بِرِزْقِكَ، لا تَكُنْ أَسْوأَ الْمَغْرُورِينَ فِي جَمْعِ الْمَالِ، فَكَمْ رَأَيْنَا مِنْ جَامِعٍ جَمَعَ مَالا لِبَعْلِ حَلِيلَتِهِ عَلَى أَنَّ تَقْتِيرَ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ تَوْفِيرٌ مِنْهَ عَلَى خِزَانَةِ غَيْرِهِ يَنْبَغِي لِحُكَمَاءِ الْيُوَنَانِ أَنْ يَنْظُرُوا فِي هَذَا الْكِتَابِ كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: فَنَظَرْتُ فَإِذَا تَأْرِيخَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ سَنْةٍ
حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: " كُنْتُ عِنْدَ الْمَأْمُونِ بِدِمَشْقَ، وَكَانَ قَدْ قَلَّ الْمَالُ عِنْدَهُ حَتَّى ضَاقَ، وَشَكَا ذَلِكَ إِلَى أَبِي إِسْحَاقَ الْمُعْتَصِمِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَأَنَّكَ بِالْمَالِ وَقَدْ وَافَاكَ بَعْدَ جُمُعَةٍ، قَالَ: وَكَانَ قَدْ حَمَلَ إِلَيْهِ ثَلاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ خَرَاجِ مَا كَانَ يَتَوَلاهُ أَبُو إِسْحَاقَ لَهُ.

1 / 2

فَلَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْمَالُ، قَالَ الْمَأْمُونُ لِيَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ: اخْرُجْ بِنَا نَنْظُرُ هَذَا الْمَالَ، فَخَرَجَا حَتَّى أَصْحَرَا وَوَقَفَا يَنْظُرَانِ إِلَيْهِ، وَكَانَ قَدْ هُيِّئَ بِأَحْسَنِ هَيْئَةٍ، وَحُلِّيَتْ أَبَاعِرُهُ، وُأُلْبِسَتِ الإِحْلاسُ الْمُوَشَّاةُ، وَالْجِلالُ الْمَصْبُوغَةُ، وَقُلِّدَتِ الْعِهَنُ، وَجُعِلَتِ الْبِدُورُ مَنَ الْحَرِيرِ الأَحْمَرِ وَالأَخْضَرِ وَالأَصْفَرِ، وَأُبْدِيَتْ رُؤُوسُهَا، قَالَ: فَنَظَرَ الْمَأْمُونُ إِلَى شَيْءٍ حَسَنٍ، وَاسْتَكْثَرَ ذَلِكَ الْمَالَ، وَعَظُمَ فِي عَيْنِهِ، وَاسْتَشْرَفَهُ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَيَعْجَبُونَ مِنَهُ، قَالَ: فَقَالَ الْمَأْمُونُ لِيَحْيَى: يَا أبَا مُحَمَّدٍ، يَنْصَرِفُ أَصْحَابُنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَرَاهُمْ إِلَى مَنَازِلِهِمْ خَائِبِينَ وَنَنْصَرِفُ نَحْنُ بِهَذِهِ الأَمْوَالِ قَدْ مَلَكْنَاهَا دُونَهَمْ! إِنَّا إِذًا لَلِئَامٌ، ثُمَّ دَعَا مُحَمَّدَ بْنَ يَزْدَادَ، فَقَالَ: وَقِّعْ لِفُلانٍ بِأَلْفِ أَلْفٍ، وَلِفُلانٍ بِمِثْلِهَا، وَلِفُلانٍ بِثَلاثِمِائَةِ أَلْفٍ، وَلِفُلانٍ بِمِثْلِهَا.
قَالَ: فَوَاللَّهِ إِنْ زَالَ كَذَلِكَ حَتَّى فَرَّقَ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَرِجْلُهُ فِي رِكَابِهِ.
ثُمَّ قَالَ: ادْفَعِ الْبَاقِيَ إِلَى الْمُعَلَّى لِعَطَاءِ جُنْدِنَا، قَالَ: فَقَالَ الْعَيْشِيُّ: فَجِئْتُ حَتَّى قُمْتُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ فَلَمْ أَرُدَّ طَرْفِي عَنْهُ، فَجَعَلَ لا يَلْحَظُنِي إِلا رَآنِي بِتِلْكَ الْحَالِ.
فَقَالَ: يَا أبَا مُحَمَّدٍ، وَقِّعْ لِهَذَا بِخَمْسِينَ أَلَفَ دِرْهَمٍ مِنِ السِّتَّةِ الآلافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ لا يَخْتَلِسُ نَاظِرِي.
قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ عَلَيَّ لَيْلَتَانِ حَتَّى أَخَذْتُ الْمَالَ ".
حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمِ: قَالَ: لمَّا سَارَ الْمَأْمُونُ إِلَى دِمَشْقَ ذَكَرُوا لَهُ أَبَا مُسْهِرٍ الدِّمَشْقِيَّ وَوَصَفُوهُ بِالْعِلْمِ وَالْفِقْهِ، فَوَجَّهَ مَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: كَمْا قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] قَالَ: أَمَخْلُوقٌ، أَمْ غَيْرُ مَخْلَوقٍ؟ قَالَ: مَا يَقُولُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: يَقُولُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ.
قَالَ: بِخَبَرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهِ عَلَيْهِ وَآلِهِ، أَوْ عَنِ الصَّحَابَةَ، أَوْ عَنِ التَّابِعِينَ، أَوْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ؟، قَالَ: بِالنَّظَرِ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، نَحْنُ مَعَ الْجُمْهُورِ الأَعْظَمِ، أَقُولُ بِقَوْلِهِمُ، وَالْقُرْآنُ كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
قَالَ: يَا شَيْخُ، أَخْبِرْنِي عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهِ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَكَانَ يُشْهِدُ إِذَا تَزَوَّجَ؟ قَالَ: لا أَدْرِي.
قَالَ: اخْرُجْ، قَبَّحَكَ اللَّهُ، وَقَبَّحَ مَنْ قَلَّدَكَ دِينُهُ وَجَعَلَكْ قُدْوَةً
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الأَنْمَاطِيُّ، وَكَانَ أَحَدَ الْفُقَهَاءِ الْعَشَرَةِ، قَالَ: " تَغَدَّيْنَا فِي يَوْمِ عِيدٍ مَعَ الْمَأْمُونِ، فَأَظُنُّهُ قَدْ وَضَعَ عَلَى الْمَائِدَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثِمِائَةِ لَوْنٍ.

1 / 3

قَالَ: فَكُلَّمَا وُضِعَ لَوْنٌ، نَظَرَ إِلَيْهِ الْمَأْمُونُ، وَقَالَ: هَذَا نَافِعٌ لِكَذَا ضَارٌ مِنْ كَذَا، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ صَاحِبُ صَفْرَاءَ فَلْيَأْكُلْ مِنْ هَذَا، وَمَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ السَّوْدَاءُ فَلا يَعْرِضْ لِهَذَا، وَمَنْ أَحَبَّ الزِّيَادَةَ فِي لَحْمِهِ فَلْيَأْكُلْ مِنْ هَذَا، وَمَنْ قَصْدُهُ قِلَّةُ الْغِذَاءِ فَلْيَقْتَصَرْ عَلَى هَذَا.
قَالَ: فَوَاللَّهِ إِنْ تَلِكَ حَالُهُ مِنْ كُلِّ لَونٍ يُقَدَّمُ، حَتَّى رُفِعَتِ الْمَوَائِدُ.
قَالَ: فَقَالَ لَهُ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ خُضْنَا فِي الطِّبِ كُنْتَ جَالِينُوسَ فِي مَعْرَفَتِهِ، أَوْ فِي النُّجُومِ كُنْتَ هِرْمِسَ فِي حِسَابِهِ، أَوْ فِي الْفِقْهِ كُنْتَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵇ فِي عِلْمِهِ، أَوْ فِي السَّخَاءِ فَأَنْتَ حَاتِمُ طَيِّء فِي جُودِهِ، أَوْ صِدْقِ الْحَدِيثِ فَأَنْتَ أَبُو ذَرٍّ فِي صِدْقِ لَهْجَتِهِ، أَوِ الْكَرَمِ، فَأَنْتَ كَعْبُ بْنُ مَامَةَ فِي إِيثَارِهِ عَلَى نَفْسَهِ.
قَالَ: فَسُرَّ بِذَلِكَ الْمَأْمُونُ، وَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّ الإِنْسَانَ إِنَّمَا فُضِّلَ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْهَوَامِّ بِفِعْلِهِ وَعَقْلِهِ وَتَمْيِيزِهِ، وَلَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَحْمٌ أَطْيَبَ مِنْ لَحْمٍ وَلا دَمٌ أَطْيَبَ مِنْ دَمٍ
حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، كَانَ الْمَأْمُونُ قَدْ هَمَّ بِلَعْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: " فَفَثَأَهُ عَنْ ذَلِكَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ.
قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الْعَامَةَ لا تَحْتَمَلُ هَذَا، وَسِيَّمَا أَهْلُ خُرَاسَانَ، وَلا تَأْمَنُ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ نَفْرَةٌ، وإِذَا كَانَتْ لَمْ تَدْرِ مَا عَاقِبَتُهَا، وَالرَّأْيُ أَنْ تَدَعَ النَّاسَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ، وَلا تُظْهِرْ لَهُمْ أَنَّكَ تَمِيلُ إِلَى فِرْقَةٍ مِنِ الْفِرَقِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَصْلَحُ فِي السِّياسَةِ، وَأَحْرَى فِي التَّدْبِيرِ، قَالَ: فَرَكَنَ الْمَأْمُونُ إِلَى قَوْلِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ ثُمَامَةُ، قَالَ: يَا ثُمَامَةُ، قَدْ عَلِمْتَ مَا كُنَّا دَبَّرْنَاهُ فِي مُعَاوِيَةَ، وَقَدْ عَارَضَنَا رَأْيٌ أَصَلَحُ فِي تَدْبِيرِ الْمَمْلَكَةِ، وَأَبْقَى ذِكْرًا فِي الْعَامَّةِ.
ثُمَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ خَوَّفَهُ إِيَّاهَا، وَأَخْبَرَهُ بِنُفُورِهِ عَنْ هَذَا الرَّأْيِ، فَقَالَ ثُمَامَةُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْعَامَّةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهَا يَحْيَى، وَاللَّهِ لَوْ وَجَّهَتَ إِنْسَانًا عَلَى عَاتِقِهِ سَوَادٌ لَسَاقَ إِلَيْكَ بِعَصَاه عَشَرَةَ آلافٍ مِنْهَا.
وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا رَضِيَ اللُّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، أَنْ سَوَّاهَا بِالأَنْعَامِ حَتَّى جَعَلَهُمْ أَضَلَّ مِنْهَا سَبِيلا.
وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَقَدْ مَرَرْتُ مُنْذُ أَيَّامٍ فِي شَارِعِ الْخُلْدِ وَأَنَا أُرِيدُ الدَّارَ، فَإِذَا إِنْسَانٌ قَدْ بَسَطَ كِسَاءَهُ وَأَلْقَى عَلَيْهِ أَدْوِيَةً، وَهُوَ قَائِمٌ يُنَادِي عَلَيْهَا: هَذَا الدَوَاءُ لِبَيَاضِ الْعَيْنِ وَالْغَشَاوَةِ، وَضَعْفِ الْبَصَرِ وَإِنَّ إِحْدَى عَيْنَيْهِ لَمَطْمُوسَةٌ، وَالأُخْرَى لَمُوشِكَةٌ.

1 / 4

وَالنَّاسُ قَدِ انْثَالُوا عَلَيْهِ، وَأَجْفَلُوا إِلَيْهِ يَسْتَوْصِفُونَهُ فَنَزَلْتُ عَنْ دَابَتِي، وَدَخَلْتُ فِي غِمَارِ تِلْكَ الْجَمَاعَةِ، فَقُلْتُ: يَا هَذَا، عَيْنَاكَ أَحْوَجُ مِنْ هَذَهِ الأَعْيُنِ إِلَى الْعِلاجِ، وَأَنَتَ تَصِفُ هَذَا الدَّواءَ، وَتُخْبِرُ أَنَّهُ شِفَاءٌ لِوَجِعِ الأَعْيُنِ، فَلِمَ لا تَسْتَعْمِلُهُ؟ فَقَالَ: أَنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، مَا مَرَّ بِي شَيخٌ أَجْهَلَ مِنْكَ.
قُلْتُ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: يَا جَاهُلُ، أَتَدْرِي أَيْنَ اشْتُكَّتْ عَيْنِي؟ قُلْتُ: لا.
قَالَ: بِمِصْرَ، قَالَ: فَأَقْبَلَتْ عَلَيَّ الْجَمَاعَةُ، فَقَالُوا: صَدَقَ الرَّجُلُ، أَنْتَ جَاهِلٌ، وَهَمُّوا بِي، فَقُلْتُ: لا وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّ عَيْنَهُ اشْتُكَّتْ بِمِصْرَ.
قَالَ: فَمَا تَخَلَّصْتُ مِنْهُمْ إِلا بِهَذِهِ الْحُجَّةِ، قَالَ: فَضَحِكَ الْمَأْمُونُ، وَقَالَ: مَاذَا لَقِيَتَ الْعَامَّةُ مِنْكَ؟ قُلْتُ: الَّذِي لَقِيَتْ مِنَ اللَّهِ مِنْ سُوءِ الثَّنَاءِ وَقُبْحِ الذِّكْرِ أَكْثَرُ، قَالَ: أَجَلْ
حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا، عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: " قَالَ لِي شُرَيْحٌ الْقَاضِي: مَا غَلَبَنِي فِي الْجَوَابِ أَحَدٌ قَطُّ كَرَجُلٍ أَتَانِي يَوْمًا فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ حِينَ صَلَّيْتُ الْغَدَاةَ وَمَعَهُ خَصْمٌ لَهُ، وَعَلَى الْفَتَى جُمَّةٌ لَهُ كَأَنَّهَا قَتَادَةٌ قُدِّرَ رَطَلُهَا، فَتَكَادُ تَقْطُرُ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ غَاظَنِي، فَقُلْتُ لَهُ: أَمَا كَانَ لَكَ هِمَّةٌ مُنْذُ أَصْبَحْتَ إِلا شَعْرَكَ هَذَا تُرَطِّلُهُ، فَقَالَ لِيَ الْفَتَى: لَيْسَ لِهَذَا جَلَسْنَا بَيْنَ يَدَيْكَ، إِنَّمَا جَلَسْنَا نَتَخَاصَمُ إِلَيْكَ، فَأَمَّا أَنْ تَكُونَ مُحْتَسِبًا عَلَى الشَّعْرِ فَلا، فَأَغْضَبَنِي.
فَقُلْتُ لَهُ: أَرَاكَ مُعْجَبًا بِنَفْسِكَ؟ قَالَ: أَنَا إِذَا زَهَدْتُ فِي نَفْسِي، فَمَنْ يُعْجَبُ فِيهَا؟ قَالَ شُرَيْحٌ: فَقُلْتُ لَهُ: أَرَاكَ تُكْثِرُ الْكَلامَ! فَقَالَ الْفَتَى: فَمَنْ يُعَبِّرُ حُجَّتِي إِذَا لَمْ أَتَكَلَّمْ؟ قَالَ شُرَيْحٌ: قُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَرَاكَ ظَالِمًا.
قَالَ الْفَتَى: لَيْسَ عَلَى ظَنِّكَ تَقْضِي بَيْنَنَا، إِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ تَقْضِيَ بِالْحَقِّ الْوَاضِحِ، وَتَدَعَ الظَّنَّ.
قَالَ شُرَيْحٌ: فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ أُمَازِحَهُ بَعْدَ هَذَا الْكَلامِ، فَقُلَتْ لَهُ: أَيَسُرُّكَ أَنَّكَ فِي مَجْلِسِي هَذَا عَلَى الْقَضَاءِ؟ فَقَالَ: أَمَّا وَأَنَا آخُذُ عَلَيْهِ الْكَرَاءَ مِثْلَكَ فَلا، وَلَكِنْ مُحْتَسِبًا لِلْمُسْلِمِينَ.
قَالَ شُرَيْحٌ: فَأَخْجَلَنِي وَاللَّهِ، فَقُلْتُ لَهُ: أَعَرَبِيٌّ أَنْتَ مُزَوِّجُهَا؟ فَقَالَ: اطْلُبْ.
قَالَ: مِنْ مَظَانِّهِ، يَعْنِي مِنْ قَبِيلِ النِّسَاءِ.
قَالَ شُرَيْحٌ: فَتَرَكْتُ مَجْلِسِي ذَلِكَ وَقُمْتُ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى بَابِ دَارِهِمُ، فَنَادَيْتُ فَخَرَجَتْ إِلَيَّ الْجَارِيَةُ، فَكَلَّمَتْنِي مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ، فَقَالَتْ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: أَنَا شُرَيْحٌ.
فَقَالَتِ: الْقَاضِي؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَتْ: حَيَّاكَ اللهُ يَا أَبَا أُمَيَّةَ، حَاجَتُكَ؟ قُلْتُ: أَرَدْتُ فُلانَةً، أَعْنِي أُمَّهَا.
قَالَتْ: هِيَ غَائِبَةٌ، وَأَنَا خَلِيفَتُهَا فِي الْمَنْزِلِ.
قُلْتُ: أَتَيْتُهَا خَاطِبًا فُلانَةً ابْنَتَهَا، فَاسْتَحْيَتْ مِنِّي وَتَسَتَّرَتْ مِنِّي، فَبَعَثْتُ إِلَى أُمِّهَا وَأَهْلِهَا فَجَمَعْتُهُمْ وَتَزَوَّجْتُهَا، وَبَعَثْتُ الْمَالَ، وَنَقَدْتُهُمْ مِنَ سَاعَتِي.
وَقُلْتُ لَهُمْ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكُمْ إِنْ بَاتَتْ إِلا عِنْدِي.

1 / 5

فَقَالُوا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ، أَنَصْنَعُهَا لَكَ؟ قُلْتُ: حَسْبِي مَا رَأَيْتُ، فَهَيَّئُوهَا ثُمَّ زَفُّوهَا إِلَيَّ مِنْ لَيْلَتِهِمْ، فَأَقْبَلَتْ تُهْدِيهَا النِّسَاءُ، فَلَمَّا وَقَفَتْ بِبِابِ الْحُجْرَةِ سَلَّمَتْ فَاسْتَجْفَى ذَلِكَ النِّسَاءُ مِنْهَا.
ثُمَّ دَخَلَتِ الْبَيْتَ فَقُمْتُ إِلَيْهَا، فَقُلْتُ: أَيَتُهَا الْمَرْأَةُ، إِنَّ السُّنَّةَ إِذَا دَخَلَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا قَامَ فَصَلَّى وَتُصَلِّي خَلْفَهُ، وَيَسْأَلانِ اللَّهَ خَيْرَ لَيْلَتِهِمَا، وَيَتَعَوَّذَانِ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا.
قَالَ: فَتَقَدَّمْتُ لِلْصَلاةِ، فَإِذَا هِيَ خَلْفِي، فَصَلَّيْتُ، فَلَمَّا انْفَلَتُّ إِذَا هِيَ قَاعِدَةٌ عَلَى فِرَاشِهَا، فَأَخَذْتُ بِنَاصِيَتِهَا فَدَعَوْتُ وَبَرَّكْتُ، ثُمَّ مَدَدْتُ يَدِي، فَقَالَتْ: عَلَى رِسْلِكَ، فَقُلَتْ: إِحْدَى الدَّوَاهِي مُنِيتُ بِهَا وَاللَّهِ، فَقَالَتْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَحْمَدُهُ وَأَسْتَعِينُهُ وَأُؤْمِنُ بِهِ وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَصَلَى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي امْرَأَةٌ غَرِيبَةٌ، لا وَاللَّهِ، مَا سِرْتُ مَسِيرًا قَطُّ هُوَ أَشَقُّ عَلَيَّ مِنْ مَسِيرِي إِلَيْكَ، وَأَنْتَ رَجُلٌ لا أَعْرِفُ أَخْلاقَكَ، فَحَدِّثْنِي بِمَا تُحِبُّ فَآتِيَهُ، وَمَا تَكْرَهُ فَأَنْزَجِرَ عَنْهُ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
قَالَ: فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، أَمَّا بَعْدُ: فَقَدِمْتِ خَيْرَ مَقْدَمٍ عَلَى أَهْلِ زَوْجِكِ، سَيِّدِ رِجَالِهِمْ، وَأَنْتِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، سَيِّدَةُ نِسَائِهِمْ.
أُحِبُّ كَذَا، وَأَكْرَهُ كَذَا.
قَالَتْ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَخْتَانِكَ، أَتُحِبُّ أَنْ يَزُورُوكَ؟ فَقُلْتُ: إِنِّي رَجُلٌ قَاضٍ، وَأَكْرَهُ أَنْ يَمَلُّونِي.
قَالَ: فَبِتُّ بِأَعْيَشِ لَيْلَةٍ، ثُمَّ أَقَمْتُ عِنْدَهَا ثَلاثًا، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، فَلَبَثْتُ فِيهِ حَوْلا لا أَرَى فِيهِ يَوْمًا إِلا وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ رَأْسِ السَّنَةِ انْصَرَفْتُ مِنْ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ إِلَى مَنْزِلِي، فَإِذَا عَجُوزٌ تَأْمُرُ وَتَنْهَى، فَقَالَتْ: كَيْفَ أَنْتَ يَا أَبَا أُمَيَّةَ؟ قُلْتُ: يَا زَيْنَبُ مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ: خَتَنَتُكَ فُلانَةُ، تَعْنِي أُمَّهَا.
قُلْتُ: حَيَّاكِ اللَّهُ بِالسَّلامِ، كَيْفَ أَنْتِ يَرْحَمُكِ اللَّهُ؟ قَالَتْ: كَيْفَ رَأَيْتَ صَاحِبَتَكَ؟ قُلْتُ: كَخَيْرِ امْرَأَةٍ.
قَالَتْ: إِنَّ الْمَرْأَةَ لا تَكُونُ فِي حَالٍ أَسْوَأَ خُلُقًا مِنْهَا فِي حَالَيْنِ: إِذَا حَظِيَتْ عِنْدَ زَوْجِهِا، وَإِذَا وَلَدَتْ غُلامًا، فَإِذَا رَابَكَ مِنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَالسَّوْطَ، فَإِنَّ الرِّجَالَ، وَاللَّهِ، مَا حَازَتْ إِلَى بُيُوتِهَا شَيْئًا شَرًّا مِنَ الْوَرْهَاءِ الْحَمْقَاءِ الْمُدَلَّلَةِ.
قُلْتُ: أَشْهَدُ أَنَّهَا ابْنَتُكِ، قَدْ كَفَيْتِنَا الرِّيَاضَةَ، وَأَحْسَنْتِ الأَدَبَ.
قَالَ: وَكَانَتْ تَأْتِي فِي كِلِّ سَنَةٍ تُوصِينِي بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ، ثُمَّ تَنْصَرِفُ، فَِذَلِكَ حَيْثُ أَقُوْلُ:
إِذَا زَيْنَبٌ زَارَهَا أَهْلُهَا ... حَشَدْتُ وَأَكْرَمْتُ زُوَّارَهَا
وَإِنْ هِيَ زَارَتْهُمُ زُرْتُهَا ... وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِي هَوًى دَارَهَا

1 / 6

قَالَ: فَأَقَامَتْ عِنْدِي عِشْرِينَ سَنَةً، فَمَا غَضِبْتُ عَلَيْهَا يَوْمًا، وَلا لَيْلَةً إِلا يَوْمًا كُنْتُ لَهَا ظَالِمًا، كُنْتُ إِمَامَ قَوْمِي، فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، فَأَبْصَرْتُ عَقْرَبًا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي رَكَعْتُ فِيهِ، وَأَقَامَ الْمُؤَذِّنُ فَعَجِلْتُ عَنْ قَتْلِهَا، فَأَكْفَأْتُ عَلَيْهَا إِنَاءً، فَلَمَّا كُنْتُ عِنْدَ الْبَابِ، قُلْتُ: يَا زَيْنَبُ، إِيَّاكِ وَالإِنَاءَ حَتَّى أَرْجِعَ.
فَعَجِلَتْ فَحَرَّكَتْهُ، فَجِئْتُ وَقَدْ ضَرَبَتْهَا الْعَقْرَبُ، فَلَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَمْرُسُ إِصْبَعَهَا، وَأَقْرَأُ عَلَيْهَا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ.
وَكَانَ لِي جَارٌ مِنْ كِنْدَةَ، يُقَالُ لَهُ: مَيْسَرَةُ، لا يَزَالُ يَقْرَعُ امْرَأَتَهُ، فَذَلِكَ حِينَ أَقُولُ:
رَأَيْتُ رِجَالا يَضْرِبُونَ نِسَاءَهُمْ ... فَشُلَّتْ يَمِينِي يَوْمَ أَضْرِبُ زَيْنَبَا
أَأَضْرِبُهَا فِي غَيْرِ جُرْمٍ أَتَتْ بِهِ ... إِلَيَّ فَمَا عُذْرِي إِذَا كُنْتُ مُذْنِبَا
فَتَاةٌ تَزِينُ الْحَلْيَ إِنْ هِيَ زُيِّنَتْ ... كَأنَّ بِفِيهَا الْمِسْكَ خَالَطَ مَحْلَبًا
فَلَوْ كُنْتَ يَا شَعْبِيُّ صَادَفْتَ مِثْلَهَا ... لَعِشْتَ زَمَانًا نَاعِمَ الْبَالِ مُخْصَبًا
وَكَانَتْ أَقَامَتْ مَعِي يَا شَعْبِيُّ عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ أَغْضَبْ عَلَيْهَا، فَأَفْسَدَتْ عَلَيَّ النِّسَاءَ، لَمْ أَتَزَوَّجْ بَعْدَهَا، وَوَدِدْتُ يَا شَعْبِيُّ أَنِّي تَبِعْتُهَا، فَقَدْ أَبْغَضْتُ الْعَيْشَ بَعْدَهَا، فَعَلَيْكَ يَا شَعْبِيُّ بِنِساءِ بَنِي تَمِيمٍ
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ صَالِحٍ: " أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ جَمَعَ بَنِيهِ ذَاتَ يَوْمٍ: الْوَلِيدَ، وَسُلَيْمَانَ، وَمَسْلَمَةَ، فَاسْتَقْرَأَهُمْ فَقَرَءُوا، وَاسْتَنْشَدَهُمْ فَأَنْشَدُوا لِكِلِّ شَاعِرٍ غَيْرِ الأَعْشَى، فَقَالَ لَهُمْ: قَرَأْتُمْ فَأَحْسَنْتُمْ، وَأَنْشَدْتُمْ فَأَحْسَنْتُمْ لِكُلِّ شَاعِرٍ غَيْرِ الأَعْشَى، فَمَا لَكُمْ تَهْجُرُونَهُ؟ فَقَدْ أَخَذَ فِي كِلِّ فَنٍّ فَأَحْسَنَ، وَمَا امْتَدَحَ رَجُلا قَطُّ إِلا جَعَلَهُ مَذْكُورًا.
هَذَا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ وَعَلَقَمَةُ بْنُ عُلاثَةَ، وَهُمَا مِنْ بَيْتٍ وَاحِدٍ، هَجَا عَلْقَمَةَ فَأَخْمَلَهُ، وَكَانَ شَرِيفًا مَذْكُورًا، وَمَدَحَ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ فَرَفَعَهُ، ثُمَّ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لِيُنْشِدْنِي كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ أَرَقَّ بَيْتٍ قَالَتْهُ الْعَرَبُ، وَلا يُفْحِشْ وَلا يَسْتَحِيَنَّ مِنْ إِنْشَادٍ، هَاتِ يَا وَلِيدُ، فَقَالَ الْوَلِيدُ:
مَا مَرْكَبٌ وَرُكُوبُ الْخَيْلِ يُعْجِبُنِي ... كَمَرْكَبٍ بَيْنَ دُمْلُوجٍ وَخَلْخَالِ
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَهَلْ يَكُونُ فِي الشِّعْرِ أَرَفَثُ مِنْ هَذَا؟ هَاتِ يَا سُلَيْمَانُ، فَقَالَ:
حَبَّذَا رَجْعُهَا إِلَيْهَا يَدَيْهَا ... فِي ذُرَا دَرْعِهَا تَحُلُّ الإِزَارَا
قَالَ: لَمْ تُصِبْ، هَاتِ يَا مَسْلَمَةُ.
قَالَ مَسْلَمَةُ:
وَمَا ذَرَفَتْ عَيْنَاكِ إِلا لِتَضْرِبِي ... بِسَهْمَيْكِ فِي أَعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
قَالَ: كِدْتَ وَلَمْ تُصِبْ إِذَا ذَرَفَتْ عَيْنَاهَا بِالْوَجْدِ فَمَا بَقِيَ إِلا اللِّقَاءُ، إِنَّمَا يَنْبَغِي لِلْعَاشِقِ أَنْ يَقْتَضِيَ مِنْهِا الْجَفَاءَ وَيَكْسُوَهَا الْمَوَدَةَ، أَنَا مُؤَجِّلُكُمْ فِي هَذَا الْبَيْتِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، عَلَى أَنْ لا تَسْأَلُوا عَنْهُ أَحَدًا، فَمَنْ أَتَانِي بِهِ فَلَهُ حِكْمَةٌ.
فَنَهَضُوا وَخَرَجُوا عَنْهُ، فَبَيْنَا سُلَيْمَانُ فِي مَوْكِبٍ لَهُ إِذَا هُوَ بِأَعْرَابِيٍّ يَسُوقُ إِبِلا وَهُوَ يَقُولُ:

1 / 7

لَوْ حُزَّ بِالسَّيْفِ رَأْسِي فِي مَوَدَّتِهَا ... لَمَالَ يَهْوِي سَرِيعًا نَحْوَهَا رَأْسِي
فَقَالَ سُلَيْمَانُ: عَلَيَّ بِالأَعْرَابِيِّ، فَأُتِيَ بِهِ، فَوُكِّلَ بِهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَا وَرَاءُكَ يَا سُلَيْمَانُ؟ قَالَ: قَدْ أَجَبْتُكَ إِلَى مَا سَأَلْتَ عَنْهُ، وَجِئْتُكَ بِالْبَيْتِ.
قَالَ: هَاتِهِ، فَأَنْشَدَهُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَحْسَنْتَ، أَنَّى لَكَ هَذَا؟ فَقَصَّ عَلَيْهِ خَبَرَ الأَعْرَابِيِّ، فَقَالَ: حَاجَتُكَ وَلا تَنْسَ حَظَّ صَاحِبِكَ؟ قَالَ: حَاجَتِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ عَهْدَ الْعَهْدِ لَيْسَ بِمُقَرِّبٍ أَجَلا، وَلا تَرْكَهُ بِمُبَاعِدٍ حَتْفًا، وَقَدْ عَهِدَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْوَلِيدِ، فَإِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْهَدَ إِلَيَّ بَعْدَهُ فَعَلَ.
قَالَ: نَعَمْ، فَأَقَامَ َالْحَجُّ لِلْنَاسِ بِمَكَّةَ وَوَصَلَهُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَجَعَلَهَا لِلأَعْرَابِيِّ، وَهِيَ سَنَةُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ
حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: " بَيْنَمَا الْمَأْمُونُ فِي بَعَضِ مَغَازِيهِ يَسِيرُ مُنْفَرِدًا عَنْ أَصْحَابِهِ وَمَعَهُ عُجَيْفُ بْنُ عَنْبَسَةَ، إِذْ طَلَعَ رَجُلٌ مُتَخَبِّطٌ مُتَكَفِّنٌ، فَلَمَّا عَايَنَهُ الْمَأْمُونُ وَقَفَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى عُجَيْفٍ، فَقَالَ: وَيْحَكَ، أَمَا تَرَى صَاحِبَ الْكَفَنِ مُقْبِلا يُرِيدُنِي؟ قَالَ عُجَيْفٌ: أُعِيذُكَ بِاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا كَذَّبَ الرَّجُلُ أَنْ وَقَفَ عَلَى الْمَأْمُونِ، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: يَا صَاحِبَ الْكَفَنِ، مَنْ أَنْتَ؟ وَإِلَى مَنْ قَصَدْتَ؟ قَالَ: إِيَّاكَ أَرَدْتُ، قَالَ: وَعَرَفْتَنِي؟ قَالَ: لَوْ لَمْ أَعْرِفْكَ مَا قَصَدْتُكَ، قَالَ: أَفَلا سَلَّمْتَ عَلَيَّ؟ قَالَ: لا أَرَى السَّلامَ عَلَيْكَ.
قَالَ: ولِمَ؟ قَالَ: لإِفْسَادِكَ الْغَزَاةَ عَلَيْنَا.
قَالَ عُجَيْفٌ: وَأَنَا أُلَيِّنُ مَتْنَ سَيْفِي لِئَلا يُبْطِئَ ضَرْبَ رَقَبَتِهِ، إِذِ الْتَفَتَ الْمَأْمُونُ، فَقَالَ: يَا عُجَيْفُ، إِنِّي جَائِعٌ وَلا رَأْيَ لَلْجَائِعِ، فَخُذْهُ إِلَيْكَ حَتَّى أَتَغَدَّى وَأَدْعُوَ بِهِ.
فَتَنَاوَلَهُ عُجَيْفٌ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا صَارَ الْمَأْمُونُ إِلَى رَحْلِهِ دَعَا بِالطَّعَامِ، فَلَمَّا وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَمَرَ بِرَفْعِهِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أُسِيغُهُ حَتَّى أُنَاظِرَ خَصْمِي، يَا عُجَيْفُ عَلَيَّ بِصَاحِبِ الْكَفَنِ.
قَالَ: فَلَمَّا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: هِيهِ يَا صَاحِبَ الْكَفَنِ، مَاذَا قُلْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا أَرَى السَّلامَ عَلَيْكَ لإِفْسَادِكَ الْغَزَاةَ عَلَيْنَا.
قَالَ: بِمَاذَا أَفْسَدْتُهَا؟ قَالَ: بِإِطْلاقِكَ الْخَمْرَ يُبَاعُ فِي عَسْكَرِكَ، وَقَدْ حَرَّمَهَا اللَّهُ، فَابْدَأْ بِعَسْكَرِكَ فَنَظِّفْهُ، ثُمَّ اقْصِدِ الْغَزْوَ، وَبِمَ اسْتَحْلَلَتَ أَنْ تُبِيحَ شَيْئًا حَرَّمَهُ اللَّهُ كَهَيْئَةِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ؟ قَالَ: أَوَ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّهَا تُبَاعُ ظَاهِرًا وَرَأَيْتَهَا؟ قَالَ: لَوْ لَمْ أَرَهَا وَتَصِحَّ عِنْدِي مَا وَقَفْتُ هَذَا الْمَوْقِفَ.
قَالَ: فَشَيْءٌ سِوَى الْخَمْرِ أَنْكَرْتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِظْهَارَكَ الْجَوَارِي الْعَمَّارِيَّاتِ، وَكَشْفَهُنَّ الشُّعُورَ مِنْهُنَّ بَيْنَ أَيْدِينَا كَأَنَّهُنَّ الأَقْمَارُ.

1 / 8

يَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنَّا يُرِيدُ أَنْ يُهْرَاقَ دَمُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَيَعْقِرَ جَوَادَهُ، قَاصِدًا أَعْدَاءَ اللَّهِ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِنَّ أَفْسَدْنَ قَلْبَهُ وَرَكَنَ إِلَى الدُّنْيَا، وَانْصَاعَ إِلَيْهَا، فَبِمَ اسْتَحْلَلَتَ ذَلِكَ؟ قَالَ الْمَأْمُونُ: نَعَمْ، صَدَقْتَ قَدْ فَعَلْتُ ذَاكَ، وَسَأُخْبِرُكَ بِالْعُذْرِ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ صَوَابًا، وَإِلا رَجَعْتُ إِلَى رَأْيِكَ، فَشَيْءٌ سِوَى هَذَا أَنْكَرْتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، شَيْءٌ آمُرُ وَأَحُثُّ عَلَيْهِ، خَرَجَ نَاهِيكَ يَنْهَانَا عَنْهَ.
قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: الأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَبِمَ اسْتَحْلَلَتَ أَنْ تَنْهَى عَمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ؟ قَالَ: أَمَّا الَّذِي يُدْخِلُ الأَمْرَ بِالْمَعُروفِ فِي الْمُنْكَرِ، فَإِنِّي أَنْهَاهُ وَقَدْ نَهَيْتُهُ، وَأَمَّا الَّذِي يَأْمُرُ بَالْمَعْرُوفِ بَالْمَعْرِفَةِ، فَإِنِّي أَحُثُّهُ عَلَى ذَلِكَ وَأَحْدُوهُ عَلَيْهِ، فَشَيْءٌ سِوَى هَذِهِ الثَّلاثِ؟ قَالَ: لا.
قَالَ: يَا صَاحِبَ الْكَفَنِ، أَمَّا الْخَمْرُ لَعَمْرِي لَقَدْ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَكِنْ لا تُعْرَفُ إِلا بِثَلاثِ جَوَارِحَ: بِالنَّظَرِ وَالشَّمِّ وَالشُّرْبِ، أَفَتَشْتَرِيهَا أَنْتَ؟ قَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أُنْكِرَ مَا أَشْرَبُ.
قَالَ: فَيُمْكِنُ فِي وَقْتِكَ هَذَا أَنْ تُوقِفَنَا عَلَى بَيْعِهَا حَتَّى نُوَجِّهَ مَعَكَ مَنْ يَشْتَرِي مِنْهَا؟ قَالَ: وَمَنْ يُظْهِرُهَا وَيَبِيعُنِيهَا، وَعَلَيَّ هَذَا الْكَفَنُ؟ قَالَ: صَدَقْتَ.
قَالَ: فَكَأَنَّكَ إِنَّمَا عَرَفْتَهَا بِهَاتَيْنِ الْجَارِحَتَيْنِ.
يَا عُجَيْفُ، عَلَيَّ بِقَوَارِيرَ فِيهَا شَرَابٌ.
فَانْطَلَقَ عُجَيْفٌ فَأَتَاهُ بِعِشْرِينَ قَارُورَةً، فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ مَعَ عِشْرِينَ وَصِيفًا.
ثُمَّ قَالَ: يَا صَاحَبَ الْكَفَنِ، نُفِيتُ مِنْ آبَائِي الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْخَمْرُ فِيهَا.
فَأَيُّهَا الْخَمْرُ؟ فَإِنِّكَ تَعْلَمُ أَنَّ الْخَمْرَ مِنْ سُنَنِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلا يَجُوزُ لِي أَنْ أَحُدَّ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ إِلا بِعَلامَةٍ أَوْ شَاهِدَيْ عَدْلٍ أَوْ إِقْرَارٍ.
فَنَظَرَ صَاحَبُ الْكَفَنِ إِلَى الْقَوَارِيرِ، وَقَالَ عُجَيْفٌ: أَيُّهَا الرَّجُلُ وَالَّلهِ لَوْ كُنْتَ خَمَّارًا مَا عَرَفْتَ مَوْضِعَ الْخَمْرِ بِعَيْنِهَا مِنْ هَذِهِ الْقَوَارِيرِ.
فَوَضَعَ نَظَرَهُ عَلَى قَارُورَةٍ، فَقَالَ لَهُ: هَذِهِ الْخَمْرُ.
فَدَعَا الْمَأْمُونُ بِالْقَارُورَةِ، فَأُتِيَ بِهَا، فَذَاقَهَا فَقَطَّبَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا صَاحَبَ الْكَفَنِ، انْظُرْ هَذِهِ الْخَمْرَ.
قَالَ: فَتَنَاوَلَ الرَّجُلُ الْقَارُورَةَ فَذَاقَهَا، فَإِذَا خَلٌّ ذَابِحٌ.
قَالَ: قَدْ خَرَجَتْ هَذِهِ مِنْ حَدِّ الْخَمْرِ.
قَالَ الْمَأْمُونُ: صَدَقْتَ، إِنَّ الْخَلَّ الْمَصْنُوعَ مِنَ الْخَمْرِ لا يَكُونُ خَلًّا حَتَّى يَكُونَ خَمْرًا أَوَّلا، وَاللَّهِ مَا كَانَتْ هَذِهِ خَمْرًا قَطُّ، وَمَا هُوَ إِلا مَاءُ رُمَّانٍ حَامِضٍ يُعْصَرُ لِي فَأَصْطَبِحُ بِهِ.
سَاعَتَهُ قَدْ سَقَطَتْ جَارِحَتَانِ وَبَقِيَ الشَّمُّ، يَا عُجَيْفُ صَيِّرْهَا فِي رَصَاصِيَّاتٍ وَائْتِ بِهَا.
قَالَ: فَفَعَلَ، فَعُرِضَتْ عَلَى صَاحِبِ الْكَفَنِ، فَشَمَّهَا، فَوَقَعَ مَشَمُّهُ عَلَى قَارُورَةِ مُبَخْتَجٍ، فَقَالَ: هَذِهِ.
فَأَخَذَهَا الْمَأْمُونُ فَصَبَّهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: انْظُرْ إِلَيْهَا، قَدْ عَقَدَتْهَا النَّارُ كَأَنَّهَا طُلاءُ الإِبِلِ يُقْطَعُ بِالْسِكِّينِ.
وَقَدْ سَقَطَتْ إِحْدَى الثَّلاثِ الَّتِي أَنْكَرْتَ يَا صَاحَبَ الْكَفَنِ.

1 / 9

ثُمَّ رَفَعَ الْمَأْمُونُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ قَالَ: اللُّهُمَّ إِنِّي أَتَقَرَّبُ إِلَيْكَ بِنَهْيِ هَذَا وَنُظَرَائِهِ عَنِ الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ فِي أَعْظَمِ الْمُنْكَرِ، شَنَّعْتَ عَلَى قَوْمٍ بَاعُوا مِنْ هَذَا الْخَمْرِ وَمِنْ هَذَا الْمُبَخْتَجِ الَّتِي شَمَمْتَ، فَبِمَ تَسْلَمُ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ؟ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ ذَنْبَكَ هَذَا الْعَظِيمَ، وَتُبْ إِلَيْهِ.
مَا الثَّانِي الَّذِي أَنْكَرْتَهُ؟ َقَالَ: الْجَوَارِي.
قَالَ: صَدَقْتَ، أَخْرَجْتُهُنَّ إِبْقَاءً عَلَيْكَ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ كَرَاهَةَ أَنْ يَرَاهُنَّ الْعَدُوُّ وَالْعُيوُنُ وَالْجَوَاسِيسُ فِي الْعُمَارِيَّاتِ وَالْقِبَابِ، وَالْسُجُوفُ عَلَيْهِنَّ، فَيُتَوَهَّمُ أَنَّهُنَّ بَنَاتٌ وَأَخَوَاتٌ فَيَجِدُّوا فِي قِتَالِنَا، وَيَحْرِصُوا عَلَى الطَّلِبَةِ عَلَى مَا فِي أَيْدِينَا إِلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُنَّ إِمَاءٌ نَقِي بِهِنَّ حَوَافِرَ دَوَابِّنَا، لا قَدْرَ لَهُنَّ عِنْدَنَا، هَذَا تَدْبِيرٌ دَبَّرْتُهُ لِي وَلِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً، وَيَعُزُّ عَلَيَّ أَنْ تَرَى لِي حُرْمَةً، فَدَعْ فَلَيْسَ هُوَ شَأْنُكَ وَقَدْ صَحَّ عِنْدَكَ أَنِّي مُصِيبٌ فِي هَذَا، وَأَنَّكَ أَنْكَرْتَ بَاطِلا.
أَيُّ شَيْءٍ الثَّالِثَةُ؟ مَا الَّتِي أَنْكَرْتَ؟ قَالَ: الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ.
قَالَ: هَذَا إِنَّكَ قَدْ أَمَرْتَ بِالْمَعْرُوفِ فَدَخَلْتَ فِي عَمَلِ الْمُنْكَرِ، فَدَعْ دِينَكَ هَذَا، وَنَسْأَلُكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ، إِنْ أَجَبْتَ فِيهَا عَفَوْنَا عَنْكَ.
تُبْصِرُ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ؟ قَالَ: نَعَمْ، أُبْصِرُهُ.
قَالَ: رَأَيْتُكَ لَوْ أَنَّكَ أَصَبْتَ فَتَاةً مَعَ فَتًى فِي هَذَا الْفَجِّ، قَدْ خَضَعَا عَلَى حَدِيثٍ لَهُمَا، مَا كُنْتَ صَانِعًا لَهُمَا؟ قَالَ: كُنْتُ أَسْأَلُهُمَا: مَنْ أَنْتُمَا؟ قَالَ: كُنْتَ تَسْأَلُ الرَّجُلَ، فَيَقُولُ: امْرَأَتِي، وَتَسْأَلُ الْمَرْأَةَ: فَتَقُولُ زَوْجِي، مَا كُنْتَ صَانِعًا بِهِمَا؟ قَالَ: كُنْتُ أَحُولُ بَيْنَهُمَا وَأَحْبِسُهُمَا.
قَالَ: حَتَّى يَكُونَ مَاذَا؟ قَالَ: حَتَّى أَسْأَلَ عَنْهُمَا.
قَالَ: وَمَنْ تَسْأَلُ؟ قَالَ: كُنْتُ أَسْأَلُهُمَا مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ قَالَ: أَحْسَنْتَ، سَأَلْتُ الرَّجُلَ مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ أَسْبِيجَابَ، وَسَأَلْتَ الْمَرْأَةَ، قَالَتْ: مِنْ أَسْبِيجَابَ، ابْنُ عَمِّي تَزَوَّجْنَا وَجِئْنَا.
أَكُنْتَ حَابِسًا الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ بِسُوءِ ظَنِّكَ الرَّدِيءِ وَتَوَهْمِكَ الْكَاذِبِ، إِلَى أَنْ يَرْجِعَ الرَّسُولُ مِنْ أَسْبِيجَابَ، مَاتَ الرَّسُولُ، أَوْ مَاتَا إِلَى أَنْ يَعُودَ رَسُولُكَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَسْأَلُ فِي عَسْكَرِكَ؟ قَالَ: فَلَعَلَّكَ لا تُصَادِفُ فِي عَسْكَرِي مِنْ أَهْلِ أَسْبِيجَابَ إِلا رَجُلا أَوْ رَجُلَيْنِ، فَيَقُولانِ لَكَ: لا نَعْرِفُ.
عَلَى هَذَا لَبِسْتَ الْكَفَنَ يَا صَاحَبَ الْكَفَنِ؟ مَا أَحْسَبُكَ إِلا أَحَدَ رِجَالٍ: إِمَّا رَجُلٌ مَدْيُونٌ، وَإِمَّا رَجُلٌ مَظْلُومٌ، وَإِمَّا رَجُلٌ تَأَوَّلْتَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي خُطْبَةِ النَّبِيِّ ﵌، قَالَ: وَرَوَى لَهُ الحَدِيثُ عَنْ هُشَيْمٍ وَغَيْرِهِ، وَنَحْنُ نَسْمَعُ الْخُطْبَةَ إِلَى مُغَيْرِبَانِ الشَّمْسِ، إِلَى أَنْ بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ: «أَلا إِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» .

1 / 10