رسالة الصولي إلى مزاحم بن فاتك
ما جاء في تفضيل أبي تمام
وهو
نسبه
حبيب بن أوس الطائي صليبةً، ومولده بقرية يقال لها جاسم، سيمر ذكرها في أخباره إن شاء الله.
فضله
حدثني محمد بن يزيد بن عبد الأكبر النحوي. قال: قدم عمارة بن عقيلٍ بغداد، فاجتمع الناس إليه، وكتبوا شعره، وسمعوا منه، وعرضوا عليه الأشعار، فقال له بعضهم: هاهنا شاعر يزعم قوم أنه أشعر الناس طرًا، ويزعم غيرهم ضد ذلك، فقال: أنشدوني له، فأنشدوه:
غَدتْ تستجيرُ الدمعَ خوفَ نوىَ غدِ ... وعادَ قتادًا عندَهَا كلُّ مَرْقَدِ
وأنْقَذَهَا مِنْ غَمْرَةِ الموتِ أَنَّهُ ... صُدُودُ فِراقٍ لا صُدُودُ تَعَمُّدِ
فأَجْرَى لها الإِشْفَاقُ دَمْعًا مُورَّدًا ... من الدَّمِ يَجْرِي فَوْقَ خَدٍّ مُوَرَّدِ
هيَ البدْرُ يُغنِيهاَ تَوَدُّدُ وَجْهِهاَ ... إلى كُلِّ من لاقَتْ وَإِنْ لم تَوَدَّدِ
ثم قطع المنشد، فقال عمارة: زدنا من هذا، فوصل وقال:
ولكنني لم أحْوِ وَفْرًا مُجَمَّعًا ... ففُزْتُ بِه إلاَّ بشَمْلٍ مُبَدَّدِ
ولم تُعطِني الأيَّامُ نومًا مُسَكَّنًا ... أَلَذُّ به بنَوْمٍ مُشَرَّدِ
فقال عمارة: لله دره، لقد تقدم صاحبكم في هذا المعنى جميع من سبقه على كثرة القول فيه، حتى لحبب الاغتراب، هيه! فأنشده:
وطولُ مُقامِ المرءِ في الحَيِّ مُخْلِقٌ ... لديباجَتَيْهِ فاغْتَرِبْ تَتَجدَّدِ
فإنِّي رَأيتُ الشَّمسَ زيِدَتْ مَحَبَّةً ... إلَى النَّاسِ إذْ لَيْسَتْ عليهم بِسَرْمَدِ
فقال عمارة: كَمُل والله، إن كان الشعر بجودة اللفظ، وحسن المعاني، واطراد المراد، واستواء الكلام، فصاحبكم هذا أشعر الناس، وإن كان بغيره فلا أدري!.
حدثني محمد بن موسى قال: سمعت علي بن الجهم ذكر دعبلًا فكفره ولعنه، وطعن على أشياء من شعره، وقال: كان يكذب على أبي تمام، ويضع عليه الأخبار، ووالله ما كان إليه ولا مقاربًا له، وأخذ في وصف أبي تمام، فقال له رجل: والله لو كان أبو تمامٍ أخاك ما زاد على مدحك له، فقال: إلا يكن أخًا بالنسب، فإنه أخٌ بالأدب والدين والمودة، أما سمعت ما خاطبني به:
إن يُكْدِ مُطَّرَفُ الإخاءِ فإِنَّنَا ... نَغْدُو وَنَسْرِي في إِخَاءٍ تَالِدِ
أو يَخْتَلِفْ مَاءٌ الوِصَال فَمَاؤُنا ... عَذْبٌ تَحدَّرَ مِنْ غَمَامٍ وَاحِدِ
أو يَفْتَرِقْ نَسَبٌ يٌؤَلِّفْ بيْنَنَا ... أَدَبٌ أَقَمْنَاهُ مَقَامَ الوَالِدِ
سمعت أبا إسحاق الحري ﵀ يذكر علي بن الجهم، وخبرًا له مع أبي تمام، أظنه هذا أو ما يصححه، ولست أحفظه جيدًا ولم أجده، لأني كتبته فيما أظن في كتب الحديثٍ وسمعته يقول: كان علي بن الجهم من كملة الرجال. وكان يقال: علمه بالشعر أكثر من شعره، فانظر إلى تفضيل هذا الرجل لأبي تمام، مع تقدمه في الشعر والعلم به، وتفضيل عمارة بن عقيلٍ له، والعلماء يقولون: جاء عمارة بن عقيلٍ على ساقة الشعراء.
ويصحح علم عليٍ بالشعر ما جاء به عبد الله بن الحسين قال، قال لي البحتري: دعاني علي ابن الجهم فمضيت إليه، فأفضنا في أشعار المحدثين إلى أن ذكرنا أشجع السلمي، فقال لي: إنه يخلي، وأعادها مراتٍ ولم أفهمها، وأنفت أن أسأله عن معناها، فلما انصرفت فكرت في الكلمة، ونظرت في شعر أشجع السلمي، فإذا هو ربما مرت له الأبيات مغسولةً ليس فيها بيت رائع، فإذا هو يريد هذا بعينه، أنه يعمل الأبيات فلا يصيب فيها ببيتٍ نادرٍ، كما أن الرامي إذا رمى برشقه فلم يصب فيه بشيءٍ قيل أخلى.
قال: وكان علي بن الجهم عالما بالشعر.
حدثني أبو بكر هرون بن عبد الله المهلبي قال: كنا في حلقة دعبل، فجرى ذكر أبي تمامٍ، فقال دعبل: كان يتتبع معاني فيأخذها، فقال له رجل في مجلسه: ما من ذاك أعزك الله؟ قال، قلت:
إِنَّ أمْرَأً أَسدَي إلىَّ بشافعٍ ... إليه ويرجُو الشكرَ مِنِّي لأحْمَقُ
شفيعَكَ فاشكُرْ في الحوائجِ إنه ... يصُونُك عن مكروهِها وهو يُخْلِقُ
فقال له الرجل: فكيف قال أبو تمام؟ قال، قال:

1 / 1

فلَقيِتُ بين يَديكَ حُلوَ عَطائِهِ ... ولَقيتَ بين يدَيَّ مُرَّ سُؤَالِه
وإذا امرُؤٌ أَسْدَي إلىَّ صنيعةً ... من جاهِهِ فكأنَّها من مالِه
فقال الرجل: أحسن والله، فقال: كذبت قبحك الله، فقال: والله لئن كان أخذ هذا المعنى وتبعته فما أحسنت، وإن كان أخذه منك. لقد أجاده فصار أولى به منك، فغضب دعبلٌ وقام.
قال أبو بكر: وشعر أبي تمام أجود، فهو مبتدئًا ومتبعًا أحق بالمعنى، ولدعبلٍ خبر في شعره هذا مشهور أذكره بسبب ما قبله.
حدثني محمد بن داود قال، حدثني يعقوب بن إسحاق الكندي قال: كانت على القاسم بن محمد الكندي وظيفة لدعبل في كل سنةٍ، فأبطأت عليه، فكلمني فأذكرته بها، فما برح حتى أخذها فقال دعبل:
إنَّ أمرأً أسْدَى إليَّ بشافعٍ
وذكر البيتين. وقد تبع البحتري أبا تمامٍ، فقال في هذا المعنى:
وعطاءٌ غيرِك إن بذْلتَ عنايةً فيِهِ عطاؤُكْ
حدثني أبو جعفر المهلبي قال، حدثني ابن مهرويه قال، حدثني عبد الله بن محمد بن جرير قال: سمعت محمد بن حازمٍ الباهلي الشاعر يصف أبا تمام، ويقدمه في الشعر والعلم والفصاحة، ويقول: ما سمعت لمتقدمٍ ولا محدثٍ بمثل ابتدائه في مرثيته:
أصمَّ بك النَّاعِي وإن كانَ أسمَعَا
ولا مثل قوله في الغزل:
ما إنْ رَأى الأقْوَامُ شَمْسًا قَبْلَها ... أَفَلَتْ فَلَمْ تُعْقِبْهُمُ بظَلاَم
لو يَقْدِرُونَ مَشَوْا عَلَى وَجَنَاتِهمْ ... وعُيُونِهمْ فَضْلًا عَنِ الأقْدَامِ
حدثني سوار بن أبي شراعة قال، حدثني البحتري قال: كان أول أمري في الشعر، ونباهتي فيه، أني صرت إلى أبي تمامٍ وهو بحمص، فعرضت عليه شعري، وكان يجلس فلا يبقى شاعر إلا قصده وعرض عليه شعره، فلما سمع شعري أقبل علي وترك سائر الناس، فلما تفرقوا قال: أنت أشعر من أنشدني، فكيف حالك؟ فشكوت خلةً، فكتب لي إلى أهل معرة النعمان، وشهد لي بالحذق، وقال: امتدحهم، فصرت إليهم فأكرموني بكتابه ووظفوا لي أربعة آلاف درهم، فكانت أول ما أصبته.
حدثني أبو عبد الله العباس بن عبد الرحيم الألوسي قال، حدثني جماعة من أهل معرة النعمان قال: ورد علينا كتاب أبي تمامٍ للبحتري: يصل كتابي على يدي الوليد بن عبادة، وهو على بذاذته شاعر فأكرموه.
وسمعت أبا محمد عبد الله بن الحسين بن سعد يقول للبحتري، وقد اجتمعا في داره بالخلد، وعنده محمد بن يزيد النحوي، وذكروا معنىً تعاوره البحتري وأبو تمام: أنت في هذا أشعر من أبي تمام، فقال: كلا والله ذاك الرئيس الأستاذ، والله ما أكلت الخبز إلا به، فقال له محمد ابن يزيد: يا أبا الحسن، تأبى إلا شرفًا من جميع جوانبك!.
حدثني أبو عبد الله الحسين بن علي قال، قلت للبحتري: أيما أشعر، أنت أو أبو تمام؟ فقال: جيده خير من جيدي، ورديئي خير من ردئيه. قال أبو بكر: وقد صدق البحتري في هذا، جيد أبي تمام لا يتعلق به أحد في زمانه، وربما اختل لفظه قليلًا لا معناه، والبحتري لا يختل.
حدثني أبو الحسن الكاتب قال: كان إبراهيم بن الفرج البندنيجي الشاعر يجيئنا كثيرًا، وكان أعلم الناس بالشعر، ويجيئنا البحتري وعلي بن العباس الرومي، وكانوا إذا ذكروا أبا تمام عظموه ورفعوا مقداره في الشعر حتى يقدموه على أكثر الشعراء، وكل يقر بأستاذيته، وأنه منه تعلم، وقال: هؤلاء أعلم أهل زمانهم بالشعر، وأشعر من بقي.
حدثني أبو الحسن علي بن محمد الأنباري قال، سمعت البحتري يقول: أنشدني أبو تمام لنفسه:
وَسَابحٍ هَطِلِ التَّعْدَاءِ هَتَّانِ ... عَلَى الجِرَاءِ أَميِنٍ غيرِ خَوَّانِ
أَظْمَى الفُصُوصِ ولم تَظْمأْ قوائمُه ... فَخَلِّ عَيْنَيَكَ فيِ ظَمْآنَ رَيَّانِ
فَلَوْ تَرَاهُ مُشِيحًا والحَصىَ زِيَمٌ ... بَيْنَ السَّنابِكِ مِن مَثْنَى وَوُحْدَانِ
أَيْقَنْتَ إنْ لَمْ تَثَبَّتْ أَنَّ حَافِرَهُمِنْ صَخْرِ تَدْمُرَ أَوْ مِنْ وَجْهِ عُثْمانِ
ثم قال لي: ما هذا من الشعر؟ قلت: لا أدري، قال: هذا المستطرد، أو قال الاستطراد، قلت: وما معنى ذلك؟ قال: يرى أنه يريد وصف الفرس، وهو يريد هجاء عثمان. فاحتذى هذا البحتري فقال في قصيدته التي مدح فيها محمد بن علي القمي ويصف الفرس أولها:

1 / 2

أهلًا بذلكُمِ الخيالِ المقْبلِ ... فَعَلَ الذي نَهْوَاهُ أو لم يفَعلِ
ثم وصف الفرس فقال:
وأغرَّ في الزمنِ البهيمِ محجَّلٍ ... قد رُحتُ منه على أغرَّ مُحجَّلِ
كالهيكلِ المْبنِيِّ إلاَّ أَنَّهُ ... في الحُسْنِ جاءَ كصورةٍ في هيكلِ
يَهْوِي كما تَهْوِي العُقَابُ إذَا رأَتْ ... صَيْدًا وينتصبُ انتصابَ الأجْدَلِ
مُتوجِّسٌ برِقيقَتَينِ كأَنَّما ... يُرَيانِ مِن وَرَقٍ عليهِ مُوَصَّلِ
وكأنَّمَا نَفَضَتْ عَلَيْهِ صِبْغَهَا ... صَهْبَاءُ اللبرَدان أَوْ قُطْرُبُّلِ
مَلكَ العُيُونَ فإن بدَا أعطينَه ... نظرَ المحبِّ إلى الحبيبِ المقبلِ
مَا إن يَعَافُ قَذًى وَلَوْ أَوْرَدْتَهُ ... يومًا خلائقَ حَمْدَوَيْهِ الأحْوَلِ
وكان هذا عدوًا للذي مدحه. فحدثني عبد الله بن الحسين وقد اجتمعنا بقرقيسياء قال، قلت للبحتري: إنك احتذيت في شعرك - يعني الذي ذكرناه - أبا تمام، وعملت كما عمل من المعنى، وقد عاب هذا عليك قوم، فقال لي: أيعاب على أن أتبع أبا تمام، وما عملت بيتًا قط حتى أخطر شعره ببالي؟ ولكنني أسقط بيت الهجاء من شعري. قال: فكان بعد ذلك لا ينشده، وهو ثابت في أكثر النسخ.
حدثني محمد بن سعيد أبو بكر الأصم قال، حدثني أحمد بن أبي فنن قال: حضرت أبا تمام وقد وصل بمائتي دينارٍ، فدفع إلى رجلٍ عنده منها مائةً، وقال: خذها. ثم قيل لي إنه صديق له، واستبنت منه خلةً فعذلته على إعطائه ما أعطى، وقلت: لو كان شقيقك ما عذرتك مع اضطراب حالك، فقال:
ذُو الوُدِّ مِني وذو القُربي بمنزلةٍ ... وإخوتي أُشوةٌ عنديِ وإخواني
عِصَابَةٌ جاوَرَتْ آدابُهم أَدبِي ... فَهُمْ وإنْ فُرِّقُوا في الأرض جيراني
أرواحُنَا في مكانٍ وَاحِدٍ وَغَدَتْ ... أَجْسامُنَا لِشَآمٍ أو خُراسانِ
قال ابن أبي فنن: وكان أبو تمام أحضر الناس خاطرًا. وقد أجاد هذا المعنى إبراهيم بن العباس الصولي فقال:
أَمِيلُ معَ الذِّمامِ على ابنِ عمِّي ... وأقضِي للصَّديقِ على الشَّقِيقِ
افَرِّقُ بين مَعْروفِي ومَنَّي ... وأجمعُ بَيْن مالِي والحقوقِ
وإمَّا تلْقَنِي حُرًّا مُطاعًا ... فإنكَ وَاجِدِي عبدَ الصَّديقِ
حدثني أبو الحسن الأنصاري قال، حدثني ابن الأعرابي المنجم قال: كان أبو تمامٍ إذا كلمه إنسان أجابه قبل انقضاء كلامه، كأنه كان علم ما يقول فأعد جوابه، فقال له رجل: يا أبا تمام. ولم لا تقول من الشعر ما يعرف؟ فقال: وأنت لم لا تعرف من الشعر ما يقال؟ فأفحمه. وحدثني أبو الحسين الجرجاني قال: الذي قال له هذا أبو سعيدٍ الضرير بخراسان، وكان هذا من علماء الناس، وكان متصلًا بالطاهرية. ولا أعرف أحدًا بعد أبي تمام أشعر من البحتري، ولا أغض كلامًا، ولا أحسن ديباجةً، ولا أتم طبعًا وهو مستوى الشعر، حلو الألفاظ، مقبول الكلام، يقع على تقديمه الإجماع، وهو مع ذلك يلوذ بأبي تمامٍ في معانيه. فأي دليلٍ على فضل أبي تمامٍ ورياسته يكون أقوى من هذا؟.
قال أبو تمام:
يَسْتنْزِلُ الأملَ البعيدَ ببِشرِهِ ... بُشْرَى المُخِيلَةِ بالربيِع المغدِقِ
وكذَا السحائبُ قلَّما تدعُو إلى ... مَعْروُفِها الرُّوادَ ما لم تَبْرُقِ
فحسن هذا المعنى وكمله، ثم أوضحه في مكانٍ آخر واختصره فقال:
إنما البِشْرُ رَوْضةٌ فإذَا أَعْقَبَ بَذْلًا فَروْضَةٌ وغَديرُ
فما زال البحتري يردد هذا المعنى في شعره، ويتبع أبا تمام فيه، ويقع في أكثره دونه، قال في قصيدةٍ يمدح بها رافعًا:
كانتْ بشاشتُك الأولَى التي ابتدَأَتْ ... بالبِشْرِ ثم اقتبلْنَا بعدَها النِّعَما
كالمُزنِة استَوْبَقتْ أُولَى مَخيلتِها ... ثم استهلَّتْ بغُزْرٍ تَابَعَ الدِّيَمَا

1 / 3

فاحتذى معانيه واقتصها، فجذبته المعاني واضطرته إلى أن حكى لفظه في هذا، فصار يشبه لفظ أبي تمام، ولفظ البحتري في أكثر هذه أسهل؛ ثم ردد هذا المعنى البحتري فقال واستعاره للسيف:
مُشْرِقُ للنَّدَى ومِن حَسَبِ السَّيْ ... فِ لِمُسْتَلِّه ضياءُ حَديِدِهْ
ضَحَكَاتٌ في إثْرِهِنَّ العَطَايَا ... وَبُرُوقُ السَّحَابِ قبلَ رُعُودِهْ
ثم ردد المعنى وأسقط البشر منه وصير مكانه الرعد فقال في أبي الصقر:
يُولِيكَ صَدْرَ الَيْومِ قاصِيَة الغِنَى ... بِفَوائدٍ قَدْ كُنَّ أَمْسِ مَوَاعِدَا
سَوْمَ السَّحَائِبِ ما بَدَأْنَ بَوَارِقًا ... في عَارِضٍ إلاَّ ثَنَيْنَ رَوَاعِدَا
ثم ردد المعنى الأول بحاله، فقال في المعتز بالله وأحسن:
متهلِّلٌ طَلْقٌ إذا وعدَ الغِنَى ... بالبِشْرِ أتْبَعَ بِشْرَهُ بالنَّائِلِ
كالمُزْنِ إنْ سَطَعتْ لوامعُ بَرْقِهِ ... أَجْلَتْ لنَا عَنْ دِيَمةٍ أَوْ وَابِلِ
وهذا المعنى فإنما ابتدأه أبو نواس، فقال يمدح قومًا من قريش في أرجوزةٍ وصف فيها الحمام:
بِشْرُهُمُ قبلَ النَّوالِ اللاَّحِقِ ... كالْبَرْقِ يبدوُ قبلَ جُودٍ دَافِقِ
والغيثُ يخْفَي وقْعُه للرَّامقِ ... ما لم تَجِدْهُ بِدَليلِ البارقِ
ومن تبحر شعر أبي تمام وجد كل محسنٍ بعده لائذًا به، كما أن كل محسنٍ بعد بشارٍ لائذ ببشار، ومنتسب إليه من أكثر إحسانه، قال أبو تمام:
فَسَواءٌ إِجَابَتِي غَيْرَ دَاعِ ... وَدُعَائي بالقَاعِ غَيْرَ مُجيبِ
فقال البحتري نسخًا له:
وسأَلْتَ مَنْ لا يستجيبُ فكنتَ في اس ... تِخْبارِهِ كمجيبِ مَنْ لا يَسْأَلُ
وقال أبو تمام:
إذا القصائدُ كانتْ مِن مدائِحِهِمْ ... يومًا فأَنْتَ لَعَمْرِي من مدائِحها
فقال البحتري:
ومَنْ يَكنْ فاخِرًا بِالشعرِ يُذكر في ... أَصنافِهِ فَبِكَ الأشْعارُ تَفتِخر
وقال أبو تمام:
وإذا أرادَ اللهُ نَشْرَ فَضيلةٍ ... طُويتْ أَتاحَ لها لِسَانَ حَسُودِ
فقال البحتري:
ولنْ تَسْتبينَ الدهرَ مَوْضعَ نِعْمةٍ ... إذا أنت لم تُدْلَلْ عليها بحَاسِدِ
وقال أبو تمام:
بُخْلٌ تَديِنُ بِحُلْوِهِ وَبِمُرِّهِ ... فكأَنَّهُ جُزْءٌ منَ التَّوحِيدِ
فقال البحتري:
وَتَدَيُّنٌ بِالبُخْلِ حَتَّى خِلْتُهُ ... فَرْضًا يُدَانُ به الإلهُ ويُعْبدُ
وقال أبو تمام:
أوْ يَخْتَلِفْ مَاءُ الوِصَالِ فَماؤُنَا ... عَذْبٌ تَحَدَّرَ مِنْ غَمامٍ وَاحِدِ
وإنما أخذه أبو تمام من قول الفرزدق:
يا بشْرُ أَنْتَ فَتَى قريشٍ كُلِّها ... وِيِشِي وريشُكَ من جناحٍ واحِدِ
فقال البحتري:
وَأَقَلُّ ما بيْنِي وبينَكَ أَننا ... نَرْمِي القبائلَ عَنْ قَبيلٍ واحدِ
وقال أبو تمام:
ثَوَى بالمشْرِقيْنِ لهم ضَجَاجٌ ... أَطَارَ قُلوبَ أَهْلِ المغربيْنِ
وإنما أخذه أبو تمام من قول مسلم:
لما نَزَلْتَ على أَدْنَى بِلاَدِهِمِ ... أَلْقَى إليكَ الأقاصِي بالمقاليدِ
فقال البحتري:
غَدا غَدْوَةً بَيْن المشارقِ إذ غَدَا ... فَبَثَّ حَرِيقًا في أقاصِي المغارِبِ
وجاذبني يومًا بعض من يتعصب على أبي تمام بالتقليد لا بالفهم، ويقدم غيره بلا درايةٍ فقال: أيحسن أبو تمام أن يقول كما قال البحتري:
تَسَرَّعَ حتى قال مَنْ شَهِدَ الوَغَى ... لِقاءُ أَعَادٍ أمْ لقاءُ حبائبِ؟
فقلت له: وهل افتض هذا المعنى قبل أبي تمام أحد في قوله:
حَنَّ إلى المَوْتِ حَتَّى ظَنَّ جَاهِلُهُ ... بأنه حَنَّ مُشْتَاقًا إلَى وَطَنِ
ولولا أنَّ بعض أهل الأدب ألف في أخذ البحتري من أبي تمام كتابا، لكنت قد سقت كثيرًا مثل ما ذكرنا، ولكنني أكره إعادة ما ألف، وأجتنب أن أجتذب من الأدب ما ملك قبلي، إلا أنني سآتي بأبياتٍ من جملة ذلك تدل على جميعه إن شاء الله: قال أبو تمام:

1 / 4

شَهِدْتُ جَسيماتِ العُلاَ وَهْوَ غَائِبٌ ... وَلَوْ كانَ أيضًا شَاهِداُ كان غَائبَا
فقال البحتري:
نَصَحْتُكُمُ لَوْ كان للنُّصْحِ سامِعٌ ... لَدَى شَاهِدٍ عَن مَوْضعِ الفهْمِ غائبِ
على أن محمد بن عبيد الله العتبي قد قال:
قَوْمٌ حُضُورٌ غائِبْو اْلأذْهانِ ليسَ لها قُفُولُ
وقال أبو تمام:
فإِنْ أنا لَمْ يَحْمَدْكَ عَنِّي صاغِرًا ... عَدُوُّكَ فاعْلَمْ أَنَّني غَيْرُ حامِدِ
فقال البحتري:
لَيُواصِلَنّكَ ذكُر شِعْرٍ سائرٍ ... يَرْويه فيكَ لحسِنِه الأعْدَاءُ
وكأن هذا المعنى من قولهم: من فضل فلان أن أعداءه مجمعون على فضله، وقولهم: خير المدح ما رواه العدو والصديق.
وقال أبو تمام:
ونَغْمَةُ مُعْتَفِي جدْوَاهُ أَحْلَى ... على أذُنيْهِ مِنْ نَغَمِ السَّماعِ
فقال البحتري:
نَشْوانُ يطَربُ للسؤَالِ كأنما ... غَنَّاهُ مالكُ طيئٍ أوْ معبدُ
وأول من أتى بفرح المسؤول، وطلاقة وجهه، ثم أخذه الناس فولدوه فقالوا: السؤال أحلى عنده من الغناء، وراجيه أحب إليه من معطيه، زهير، قال:
تراه إذا ما جئتَه متهلِّلًا ... كأنك تُعطيهِ الذي أنتَ سائلهُ
وقال أبو تمام:
ومُجَرَّبُونَ سَقَاهُمُ من بَأسِهِ ... فَإذَا لَقُوا فكأَنَّهم أغْمَارُ
فأخذه البحتري فقال:
مَلِكٌ لهُ في كل يومِ كريهةٍ ... إِقدامُ غِرٍّ واعتزامُ مُجَرِّبِ
فأما الذي نقله البحتري نقلًا، فأخذ اللفظ والمعنى، فقول أبي تمام يصف شعره:
مُنزَّهَةٌ عن السَّرَقِ الموَرَّي ... مكرَّمةٌ عن المعْنَى المُعادِ
فقال البحتري يصف بلاغةً:
لا يَعْملُ المْعنَى المكَرَّ ... رَ فِيهِ واللفظَ المرّدَّدْ
وقال أبو تمام:
البيدُ والعِيسُ والليلُ التَّمام معًا ... ثَلاثةٌ أَبدًا يُقْرَنَّ فِي قَرَنِ
فقال البحتري:
اطلُبَا ثالثًا سِوَاىَ فإِنِّي ... رَابعُ العِيسِ والدُّجَى والبِيدِ
وأخذه أبو تمام من قول ذي الرمة:
وَلَيلٍ كجِلْبَابِ العَروسِ ادَّرَعْتُهُ ... بأربعةٍ والشخْصُ في العينِ واحدُ
أَحَمُّ عِلاَفِيٌّ، وأبيضُ صارِمٌ ... وأعْيِسُ مَهْرِيٌّ، وأروعُ ماجدُ
وقال أبو تمام:
تَفيِضُ سماحةً والمُزْنُ مُكْدٍ ... وتَقْطَعُ والحُسامُ العَضْبُ نَابِي
فقال البحتري:
يَتوَقَّدْنَ والكواكبُ مُطْفاَ ... ةٌ ويَقْطَعْنَ والسُّيُوفُ نوابِي
وقال الطائي:
لا تَدْعُوَنْ نُوحَ بنَ عمرو دَعوةً ... للخطْبِ إلاَّ أَنْ يكونَ جَليلًا
فقال البحتري:
يا أبا جَعْفرٍ وما أنتَ بالمدْ ... عُوِّ إلاَّ لِكلِّ أمرٍ كُبارِ
وقال أبو تمام:
ولقد أَردتُمْ مجدَه وجهَدَتُمُ ... فإذَا أَبانٌ قَدْ رسَا وَيلَمْلَمُ!
فقال البحتري ونقله لفظًا ومعنى:
وَلَنْ يَنْقُلَ الحُسَّادُ مَجْدَكَ بعدمَا ... تمكَّنَ رَضْوَى واطمأَنَّ مُتَالِعُ
وقال أبو تمام:
وتُشَرِّفُ العُلْيا وهَلْ مِنْ مَذْهَبٍ ... عَنْها وأنتَ عَلَى المعالِي قَيِّمُ
فقال البحتري:
متقلقلً الأحْشاءِ في طلبِ العُلاَ ... حتَّى يكونَ عَلَى المعالِي قيمِّا
وقال أبو تمام:
ويلبَسُ أَخلاقًا كِرامًا كأَنَّها ... عَلَى العِرْضِ من فَرْطِ الحَصانَةِ أدْرُعُ
فقال البحتري، ولم يستوف، وكذلك هو في أكثر ما ذكرت يقع دونًا:
قومٌ إذا لبسُوا الدروعَ لموقفٍ ... لبِسَتْهُمُ الأخلاقُ فيه دُروعا
وقال أبو تمام:
وقد كانَ فَوْتُ الموتِ سَهلًا فردَّهُ ... إليهِ الحِفَاظُ المرُّ والخُلُقُ الوَعْرُ
فقال البحتري:
ولَوَ أنَّهُ اسْتَامَ الحياةَ لِنَفسِهِ ... وجَدَ الحياةَ رخيصَةَ الأسْبابِ
وهذا أيضًا من قول الآخر:
ولو أنهم فَرُّوا لكانُوا أعِزَّةً ... ولكنْ رَأَوْا صَبْرًا على الموتِ أكرمَا
وقال أبو تمام:

1 / 5

وما العُرْفُ بالتَّسْويفِ إلا كخُلةٍ ... تَسَلَّيْتَ عنها حينَ شَطَّ مَزارُهَا
فقال البحتري:
وكنتُ وَقد أَمَّلْتُ مُرًّا لِنَائِلٍ ... كَطالبِ جَدْوَى خُلَّةٍ لا تُواصِلُ
ومما احتذى فيه البحتري أبا تمام، وقدر مثل كلامه فعمل معناه عليه، ما أخذه من قول أبي تمام:
هِمةٌ تنطِحُ النجومَ وَجَدٌّ ... ألِفٌ للحضيِضِ فهو حضيضُ
فقال البحتري:
متحير بعزم قائم ... في كل نازلة وجد قاعد
قال أبو تمام:
مُتَوَطِّئُو عَقِبَيْكَ فيِ طَلَبِ العُلاَ ... والمْجدِ ثُمَّتَ تَسْتوِي الأَقدامُ
فقال البحتري:
حُزْتَ العُلا سَبْقًا وصلَّى ثانيًا ... ثم اسْتَوَتْ من بَعْدِه الأَقْدَامُ
وقال أبو تمام:
تَنْدَى عُفاتُكَ للعُفاةِ وتَغْتَدِى ... رُفَقًا إلى زُوَّارِكَ الزُّوَّارُ
فقال البحتري على تقديره:
ضَيْفٌ لَهُم يَقْرِي الضيوفَ ونازلٌ ... مُتَكَفِّلٌ فيِهمْ بِبِرِّ النُّزَّلِ
وقال أبو تمام:
عَطَفُوا الخُدورَ عَلَى البُدُورِ وَوَكَّلوا ... ظُلَمَ السُّتُورِ بِنُورِ حُورٍ نهَّدِ
فقال البحتري:
وَبِيضٍ أضَاءَتْ فِي الخُدُورِ كأنها ... بُدُورُ دُجىً جَلَّتْ سَوَادَ الحَنَادِس
حدثني عبد الله بن المعتز قال: حدثني أبو سعيد النحوي المعروف بصعودا عن أبي تمام الطائي قال: خرجت يومًا إلى سر من رأى، حين ولي الواثق، فلقيني أعرابي وقد قربت منها، فأردت أن أسأله عن شيءٍ من أخبار الناس بها، فخاطبته، فإذا أفصح الناس وأفطنهم، فقلت: ممن الرجل؟ قال: من بني عامر، قلت: كيف علمك بأمير المؤمنين؟ قال: قتل أرضًا عالمها، قلت فما تقول فيه؟ قال: وثق بالله فكفاه، أشجى العاصية، وقمع العادية، وعدل في الرعية، وأرعف كل ذي قلمٍ خيانته. قلت: فما تقول في أحمد بن أبي دؤاد؟ قال: هضبة لا ترام، وجندلة لا تضام، تشحذ له المدى، وتحبل له الأشراك، وتبغي له الغوائل، حتى إذا قيل كأن قد، وثب وثبة الذئب، وختل ختل الضب. قلت: فما تقول في محمد بن عبد الملك؟ قال: وسع الدانى شره، وقتل البعيد ضره، له كل يومٍ صريع لا يرى فيه أثر نابٍ، ولا ندب مخلبٍ. قلت: فما تقول في عمرو بن فرج؟ قال: ضخم لهم، مستعذب للذم. قلت: فما تقول في الفضل بن مروان؟ واستعذبت خطابه، قال: ذاك رجل نشر بعد ما قبر، فعليه حياة الأحياء وخفته الموتى. قلت: فما تقول في أبي الوزير؟ قال: كبش الزنادقة الذي تعرف، ألا ترى أن الخليفة إذا أهمله. سنح ورتع، فإذا هزه أمطر فأمرع؟ قلت: فابن الخصيب؟ قال: أكل أكلة نهم، فذرق ذرقة بشم. قلت: فما تقول في إبراهيم أخيه؟ قال: " أموات غير أحياءٍ وما يشعرون أيان يبعثون ". قلت: فما تقول في أحمد بن إسرائيل؟ قال: لله دره، أي قلقلٍ هو؟ غرس في منابت الكرم، حتى إذا اهتز لهم حصدوه. قلت: فما تقول في إبراهيم بن رياح؟ قال: أوبقه كرمه، وأسلمه حسبه، وله معروف لا يسلمه، ورب لا يخذله، وخليفة لا يظلمه. قلت: فما تقول في نجاح بن سلمة؟ قال: لله دره، أي طالب وترٍ، ومدرك ثأرٍ! يتلهب كأنه شعلةُ نار، له من الخليفة جلسة تزيل نعمًا، وتحل نقمًا. قلت: يا أعرابي، أين منزلك؟ قال: اللهم غفرًا، إذا اشتمل الظلام فحيثما أدركني الرقاد رقدت! قلت: فكيف رضاك عن أهل العسكر؟ قال: لا أخلق وجهي بمسألتهم، أوأما سمعت قول هذا الفتى الطائي، الذي قد ملأ الدنيا شعره:
ومَا أُبالِي وخَيْرُ القَوْلِ أَصْدَقُهُ ... حَقَنتَ لي ماءَ وجهي أو حقَنْتَ دَمِي
قلت: فأنا الطائي قائل هذا الشعر! فدنا مبادرًا فعانقني وقال: لله أبوك، ألست الذي يقول:
ما جُودُ كفِّكَ إن جادت وإن بخِلَتْ ... من ماءِ وجهي إذَا أخلقتُه عِوَضُ
قلت: نعم، قال: أنت والله أشعر أهل الزمان. فرجعت بالأعرابي معي إلى ابن أبي دؤاد، وحدثته بحديثه، فأدخله إلى الواثق، فسأله عن خبره معي، فأخبره به، فأمر له بمالٍ، وأحسن إليه، ووهب له أحمد بن أبي دؤاد، فكان يقول لي: قد عظم الله بركتك علي.
حدثني محمد بن القاسم بن خلادٍ قال: انصرفت يومًا من عند ابن أبي دؤادٍ، فدخلت إلى محمد ابن

1 / 6

منصور فوجدت عنده عمارة بن عقيل، وكان خلا له، وهو ينشده قصيدةً له في الواثق أولها:
عرَفَ الديارَ رُسُومُها قَفْرُ ... لَعِبَتْ بها الأرْوَاحُ والقَطْرُ
فلما فرغ منها قلنا له: ما سمعنا أحسن من هذه الرائية، أحسن الله إليك يا أبا عقيل! فقال: والله لقد عصفت رائية طائيكم هذا بكل شعرٍ في لحنها، قلنا له: وما هي؟ قال: كلمته التي هجا بها الأفشين، فقال محمد بن يحيى بن الجهم: أنا أحفظها، فقال: هاتها فأنشده:
الحقُّ أَبلجُ والسيوفُ عَوَارٍ ... فَحَذَار من أَسَدِ العَرينِ حَذارِ
فقال له عمارة: أنشدنا ذكر النار، فأنشد:
ما زالَ سِرُّ الكُفْرِ بين ضُلوعِه ... حتى اصْطَلَى سِرَّ الزِّنادِ الواري
نارًا يُساورُ جسْمَهُ من حَرِّها ... لَهَبٌ كما عَصْفَرتَ نِصْفَ إزارِ
طارتْ لها شُعَلٌ يُهدّم لَفحُها ... أَرْكانَهُ هَدْمًا بغيرِ غُبارِ
ففصَلْنَ منه كُلَّ مَجْمَعِ مَفصِلٍ ... وفَعلْنَ فاقرةً بكُلّ فَقَارِ
قال أبو بكر: إنما قال: وفعلن، فخص هذه اللفظة لقول الله جل وعز " تظنُّ أَنْ يُفعلَ بِها فَاقِرَةٌ "، ولقول الناس: فعل به الفواقر، أي الدواهي:
رَمَقُوا أَعَالَي جِذْعِه فكأنَّما ... وَجدْوا الهِلالَ عَشِيَّةَ الإفطار
ثم ذكر المصلبين فقال:
سُودُ اللباسِ كأنما نَسَجَتْ لُهمْ ... أَيْدِي الشُّمُوسِ مَدَارِعًا مِنْ قَارِ
بَكَرُوا وأسْرَوْا في مُتُونِ ضَوامرٍ ... قِيدَتْ لهم من مَرْبَطِ النجَّارِ
لا يبْرَحُون ومَنْ رآهُم خَالَهْم ... أبدًا على سَفَرٍ من الأسْفارِ
جهِلُوا فلم يستكثِروُا مِنْ طَاعَةٍ ... مَعْروفَةٍ بِعمارَةِ الأعْمارِ
فقال عمارة: لله دره، لقد وجد ما أضلته الشعراء، حتى كأنه كان مخبوءًا له. قال محمد بن القاسم: فاعتقدت في أبي تمامٍ من ذلك اليوم أنه أشعر الناس، وما كان ذا رأيي من قبل.
حدثني أبو العباس عبد الله بن المعتز قال: جاءني محمد بن يزيد المبرد يومًا فأفضنا في ذكر أبي تمام، وسألته عنه وعن البحتري، فقال: لأبي تمام استخراجات لطيفة، ومعانٍ طريفةٌ، لا يقول مثلها البحتري، وهو صحيح الخاطر، حسن الانتزاع، وشعر البحتري أحسن استواءً، وأبو تمام يقول النادر والبارد، وهو المذهب الذي كان أعجب إلى الأصمعي، وما أشبه أبا تمام إلا بغائصٍ يخرج الدر والمخشلبة، ثم قال: والله إن لأبي تمامٍ والبحتري من المحاسن ما لو قيس بأكثر شعر الأوائل ما وجد فيه مثله. قال أبو بكر: وقول أبي العباس المبرد " ما أشبهه إلا بغائص "، فإنما أخذه من قول الأصمعي في النابغة الجعدي: تجد في شعره مطرفًا بآلاف، وكساءً بواف.
حدثني عبد الله بن المعتز قال: كان إبراهيم بن المدبر يتعصب على أبي تمام ويحطه عن رتبته، فلاحاني فيه يومًا فقلت له: أتقول هذا لمن يقول:
غَدَا الشيبُ مُختطا بفَوْدَىَّ خُطَّةُ ... سبيلُ الرَّدَى مِنها إلى الموتِ مَهْيَع
هو الزَّوْرُ يُجْفَى والمُعاشِرُ يُجتَوَى ... وذُو الإلْفِ يُقْلَى والجديدُ يُرَفَّعُ
له منظَرٌ في العينِ أَبْيضُ ناصِعٌ ... ولكنَّهُ في القلبِ أسْودُ أسْفَعُ
ولمن يقول:
فَإنْ تُرْمَ عن عُمرٍ تَدَانَى به المَدَى ... فَخَانَكَ حتَّى لم يَجِدْ فيكَ مَنْزَعَا
فما كنْتَ إلاَّ السَّيْفَ لاَقَى ضرِيبةً ... فَقَطَّعَها ثمَّ انثْنَى فَتَقَطَّعَا
ولمن يقول:
خَشَعُوا لصَوْلتِكَ التي هي عندهُم ... كالموتِ يأتِي ليسَ فيه عارُ
فالمشيُ هَمْسٌ، والنداءُ إشارةٌ ... خَوْفَ انتقامِكَ، والحديثُ سِرار
أيامُنا مَصْقُولةٌ أطْرَافُها ... بِكَ واللياليِ كلُّها أَسْحارً
تنْدَى عُفَاتُكَ للعُفَاةِ وتغَتدِي ... رُفَقًا إلى زُوَّارِك الزُّوَّارُ
قال: وأنشدته أيضًا غير ذلك، فكأني - والله - ألقمته حجرًاَ! قال أبو بكر: أما قوله " فقطعها ثم انثنى فتقطعا " فهو مأخوذ من قول البعيث:

1 / 7

وإنا لنُعِطي المشْرَفيَّةَ حقَّهَا ... فتقْطَعُ في أَيْمَانِنَا وَتَقَطَّعُ
ومن قوله أيضًا:
أَوْفَى به الدهْرُ من أحداثِه شَرَفًا ... والسَّيفُ يمِضي مِرارًا ثمَّ يَنْقصِدُ
وأما قوله: " والليالي كلها أسحار " فهو من قول عبد الملك بن صالح، وسأله الرشيد: كيف ليل منبج؟ فقال: سحر كله، وقد أخذه ابن المعتز فقال:
يا رُبَّ ليلٍ سَحَرٍ كلُّه ... مُفْتَضِحِ البدْرِ عَليلِ النَّسيمْ
ولو جاز أن يصرف عن أحدٍ من الشعراء سرقة، لوجب أن يصرف عن أبي تمام لكثرة بديعه واختراعه واتكائه على نفسه، ولكن حكم النقاد للشعر، العلماء به، قد مضى بأن الشاعرين إذا تعاورا معنىً ولفظًا أو جمعاهما، أن يجعل السبق لأقدمهما سنًا، وأولهما موتًا، وينسب الأخذ إلى المتأخر، لأن الأكثر كذا يقع، وإن كانا في عصرٍ الحق بأشبههما به كلاما، فإن أشكل ذلك تركوه لهما.
حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال: جاءني فضل اليزيدي بشعر أبي تمام، فجعل يقرؤه علي، ويعجبني ممن جهل مقداره. فقلت له: الذين جهلوه كما قال:
لا يدهَمَنَّكَ من دهْمائِهِمْ عددٌ ... فإنَّ أكثرَهُمْ أو كُلَّهُمْ بَقَرُ
فقال لي: قد عابه جماعةُ من الرواة للشعر، فقلت: الرواة يعلمون تفسير الشعر ولا يعلمون ألفاظه، وإنما يميز هذا منهم القليل، فقال: هذه العلة في أمرهم.
وكنا عند أبي علي الحسين بن فهم، فجري ذكر أبي تمام فقال رجل: أيما أشعر: البحتري أو أبو تمام؟ فقال: سمعت بعض العلماء بالشعر - ولم يسمه - قد سئل عن مثل هذا فقال: وكيف يقاس البحتري بأبي تمام، وهو به، وكلامه منه، وليس أبو تمام بالبحتري، ولا يلتفت إلى كلامه؟.
حدثني القاسم بن إسماعيل أو ذكوان قال: سمعت عمك إبراهيم بن العباس الصولي يقول: ما اتكلت في مكاتبتي إلا على ما يجيله خاطري، ويجيش به صدري، إلا قولي: وصار ما كان يحرزهم يبرزهم، وما كان يعقلهم يعتقلهم، وقولي في رسالةٍ أخرى: فأنزلوه من معقل إلى عقال، وبدلوه آجالًا من آمال؛ فإني ألممت في قولي: " آجالًا من آمال " بقول مسلم بن الوليد:
مُوفٍ على مُهَجٍ في يومِ ذي رَهَجٍ ... كأَنه أَجَلٌ يَسْعى إلى أملِ
وفي " المعقل والعقال " بقول أبي تمام، ثم أنشد:
فإنْ باشَرَ الإِصْحَارَ فالبيضُ والقَنَا ... قِرَاهُ وأَحْوَاضُ المنَايا مَنَاهِلُهْ
وإن يَبْنِ حِيطاَنًا عَلَيْهِ فإِنَّمَا ... أُولئكَ عُقَّالاَتُهُ لاَ مَعَاقِلُهْ
وإلاّ فأعْلِمْهُ بأنّكَ سَاخِطٌ ... وَدَعْهُ فَإنّ الخَوْفَ لا شَكَّ قاتِلُهْ
بِيُمْنِ أبيِ إسْحاقَ طَالَتْ يدُ الهُدَىوَقَامَتْ قَنَاةُ الدِّينِ واشْتَدَّ كَاهِلُهْ
هُوَ البَحْرُ مِنْ أَيِّ النِّواحِي أَتَيْتَهُفَلُجَّتُهُ المعرُوفُ والجُودُ سَاحِلُهْ
تَعَوَّدَ بَسْطَ الْكَفِّ حتَّى لو أنَّهُ ... ثَنَاهَا لِقَبْضٍ لَمْ تُجِبْهُ أَنَامِلُهْ
ثم قال لي: أما تسمع يا قاسم؟ قلت: بلى والله يا سيدي، قال: إنه اخترم وما استمتع بخاطره، ولا نزح ركي فكره، حتى انقطع رشاء عمره.
حدثني أبو الحسين بن السخي قال، حدثني الحسن بن عبد الله قال: سمعت إبراهيم بن العباس يقول لأبي تمام، وقد أنشده شعرًا له في المعتصم: يا أبا تمام، أمراء الكلام رعية لإحسانك، فقال له أبو تمام: ذاك لأني أستضئ برأيك، وأرد شريعتك.
حدثني أبو عبد الله الحسين بن علي قال، حدثني سليمان بن وهب قال: رآني أبو تمام وأنا أكتب كتابا، فاطلع فيه ثم قال لي: يا أبا أيوب، كلامك ذوب شعري.
حدثني أحمد بن يزيد المهلبي قال: سألت أبي عن أبي تمام فقال: سمعني أبي وأنا ألاحي إنسانًا في أبي تمام فقال لي: ما كان أحد من الشعراء يقدر أن يأخذ درهما واحدًا في أيام أبي تمام، فلما مات أبو تمام اقتسم الشعراء ما كان يأخذه.
حدثني أبو الحسن علي بن إسماعيل قال، قال لي البحتري: أول ما رأيت أبا تمامٍ مرةً ما كنت عرفته قبلها، أني دخلت على أبي سعيد محمد بن يوسف وقد امتدحته بقصيدتي التي أولها:
أَأَفاقَ صَبٌّ من هَوىً فأُفيقَا ... أَوْ خَانَ عَهدًا أو أطاعَ شفيقاَ؟

1 / 8

فأنشدته إياها، فلما أتمتها سر أبو سعيد بها وقال: أحسن الله إليك يا فتى، فقال له رجل في المجلس: هذا - أعزك الله - شعر لي، علقه هذا فسبقني به إليك، فتغير وجه أبي سعيد وقال: يا فتى قد كان في نسبك وقرابتك ما يكفيك أن تمت به إلينا، ولا تحمل نفسك على هذا، فقلت: هذا شعر لي أعزك الله، فقال الرجل: سبحان الله يا فتى، لا تقل هذا، ثم ابتدأ فأنشد من القصيدة أبياتا، فقال لي أبو سعيد: نحن نبلغ ما تريد، ولا تحمل نفسك على هذا فخرجت متحيرًا لا أدري ما أقول، ونويت أن أسأل عن الرجل من هو؟ فما أبعدت حتى ردني أبو سعيد ثم قال: جنيت عليك فاحتمل، أتدري من هذا؟ قلت: لا، قال: هذا ابن عمك حبيب بن أوس الطائي أبو تمام، فقم إليه، فقمت إليه فعانقته، ثم أقبل يقرظني ويصف شعري، وقال: إنما مزحت معك. فلزمته بعد ذلك وكثر عجبي من سرعة حفظه.
حدثني علي بن إسماعيل قال: كنت عند البحتري فأنشدته وهو كالمفكر:
أَحْلَى الرجالِ من النساءِ مَواقعًا ... مَنْ كان أَشْبههَمُ بهنَّ خُدُودَا
فاطلب هُدُوءًا في التقلقلِ واستثرْ ... بالعيس من تحتِ السّهادِ هُجُودَا
من كل مُعْطِيةٍ على عَلَلِ السَّرَي ... وخْدًا يَبيتُ النومُ فيهِ شريدَا
طلبتْ ربيعَ ربيعَةَ المُمْهَي لنا ... ووردْنَ ظِلَّ ربيعةَ الممدودَا
ذُهْلِيَّها مُرِّيَّهَا مَطَرِيَّها ... يُمْنَى يَدَيْها خالدَ بنَ يزيدَا
نسبٌ كأنَّ عليهِ من شمس الضُّحى ... نُورًا ومن فَلَقِ الصَّباح عَمُودَا
عُرْيانَ لا يَكْبُو دَليلٌ مِن عَمىً ... فيهِ ولا يَبْغِي عليه شُهودَا
شَرفٌ على أولَى الزمانِ وإنما ... خَلَقُ المَنَاسبِ أَنْ يكونَ جَديدَا
مَطَرٌ أبوك أبُو أَهِلَّةِ وَائِلٍ ... ملأَ البسيطةَ عُدَّة وعَديِدَا
وَرِثُوا الأُبُوَّةَ والحظوظَ فأصبَحُوا ... جمعُوا جُدُودًا في العُلا وجُدودَا
إِنَّ القوافَيِ والمساعَيِ لم تَزَلْ ... مِثلَ النظامِ إذا أصابَ فَريِدا
هي جوهَرٌ نَثْرٌ فإن ألَّفْتَهُ ... بالنَّظمِ صار قلائِدًا وعُقودا
فقال: ما هذا؟ وهو فزع، فقلت له: ألا تعرفه؟ هذا لأبي تمام، فقال: أذكرتني والله وسررتني، لا تحسن هذا الإحسان أحد غيره.
حدثني محمد بن موسى بن حماد قال: كنت عند الحسن بن وهب، فدخل إليه أبو سليمان داود ابن الجراح كاتب أبي إسحاق إبراهيم بن العباس، فسأله عن خبره فأخبره بما أراده، ثم قال: ناظر اليوم أبو إسحاق رجلًا في دولة بني أمية ودولة بني العباس - مدها الله - فقال له الرجل: أين مثل شعراء بني أمية الذين كانوا في زمانهم؟ فقال له أبو إسحاق: إن كانت دولة بني أمية حلبة الشعراء فدولة بني هاشم حلبة الكتاب، فقال الحسن: ما يترك أبو إسحاق عصبيته للأوائل من الشعراء، والله ما كان في دولة بني أمية مثله، هلا قال: أنا أعد شعراء هذه الدولة، فعد كتاب تلك الدولة؟ ثم أقبل علينا الحسن فقال: أما البلاغة في الكتبة فما ينازع أهل هذه الدولة فيها، وأما الشعر فلا أعرف - مع كثرة مدحي له وشغفي به في قديمه ولا حديثه - أحسن من قول أبي تمام في المعتصم بالله، ولا أبدع معاني، ولا أكمل مدحًا، ولا أعذب لفظًا، ثم أنشد:
فتحُ الفُتوحِ تَعالَى أن يُحيطَ به ... نظمٌ من الشِّعرِ أو نثرٌ من الخُطَبِ
قال أبو بكر: ما سمعت " تعالى " إلا في هذا الخبر، والناس يروونه " المعلى "
فتحٌ تَفَتَّحُ أبوابُ السماءِ له ... وتَبُرزُ الأرضُ في أبرادِها القُشُبِ
يا يومَ وقعةِ عَمُّورِيَّةَ انصرفتْ ... عنكَ المُنَى حُفَّلا مَعْسُولةَ الحَلبِ
أبَقيْتَ جَدَّ بني الإسلامِ في صَعَدِ ... والمشركينَ ودَارَ الشِّركِ في صَبَبِ
أُمٌّ لُهمْ لَوْ رَجَوْا أن تُفْتَدَى جَعلُوا ... فداءَها كلَّ أَمٍّ منهمُ وأب
وبَرْزَةُ الوجهِ قد أعْيتْ رياضَتُها ... كِسْرَى وصدَّتْ صُدودًا عن أبي كرَبِ

1 / 9

من عهدِ إِسكندرٍ أو قبلَ ذلكَ قَدْ ... شابتْ نواصِي الليالي وَهيْ لم تَشِبِ
بِكْرٌ فما افتَرَعَتْها كفُّ حادثَةٍ ... ولا ترقَّتْ إليها هِمَّةُ النُّوَبِ
جَرَى لها الفالُ برْحًا يومَ أَنْقِرَةٍ ... إذْ غُودِرَتْ وَحْشَةَ السَّاحات والرَّحَبِ
لما رأتْ أختَها بالأمسِ قد خَرِبتْ ... كانَ الخرابُ لهَا أَعْدَي من الجربِ
لقد تَركْتَ أميرَ المؤمنينَ بها ... للِنَّارِ يَوْمًا ذليلَ الصَّخرِ والخشَبِ
غادرتَ فِيهَا بَهيمَ الليل وَهْو ضُحًى ... يَشُلُّهُ وَسْطَهَا صُبْحٌ من اللَّهَبِ
حتى كأَنَّ جَلاَبيبَ الدُّجَى رَغَبِتْ ... عنْ لَوْنِها وكأنَّ الشّمسَ لم تَغبِ
ضوءٌ من النارِ والظَّلماء عاكفةٌ ... وظُلمةٌ من دخانٍ في ضُحىً شَحِبِ
قال أبو بكر: كذا قال أبو مالك - ضوء -، والرواية - صبح -
فالشمسُ طالعةٌ من ذا وقد أَفَلَتْ ... والشمسُ واجِبةٌ مِنْ ذا ولم تَجِبِ
ما رَبْعُ مَيَّةَ مَعْمُورًا يُطيفُ به ... غَيْلانُ أَبْهَى رُبىً من ربعها الخرِبِ
ولا الخدودُ ولَوْ أُدْمِينَ من خجَلٍ ... أَشْهَى إلى ناظرٍ من خَدِّها التَّرِبِ
سماجةٌ غَنَيِتْ منها العيونُ بها ... عن كلِّ حُسنٍ بَدا أو منظَرِ عَجبِ
وحُسْنُ مُنقلَبٍ تبقَى عواقبُهُ ... جاءتْ بشاشَتُه من سُوءِ مُنْقَلَبِ
تدبيرُ معتصمٍ باللهِ منتقمٍ ... لله مُرْتقبٍ في الله مُرْتَغبِ
لم يَرْمِ قَومًا ولم يَنْهَدْ إلى بلدٍ ... إلا تقدَّمَهُ جيشٌ منَ الرُّعُبِ
لو لم يَقُدْ جَحْفَلًا يوْمَ الوَغَى لَغَدا ... من نَفْسِه وَحْدَها في جَحفلٍ لِجبِ
لما رأى الحربَ رأىَ العينِتَوْفَلِسٌوالحرْبُ مشتقةُ المعنَى من الحَرَبِ
ولي وقد أَلْجمَ الخَطِّىُّ مَنْطقَهُ ... بسَكْتَةٍ تحتَها الأحْشَاءُ في صخَبِ
بَصُرْتَ بالراحةِ الكُبرى فلم تَرَها ... تُنالُ إلا عَلَى جِسْرٍ من التّعَبِ
إن كانَ بينَ مرورِ الدهرِ من رحمٍ ... مَوْصُولةٍ وذِمامٍ غيرِ مُنْقَضِبِ
فبينَ أيامِكَ اللائِي نُصِرْتَ بِها ... وبين أيامِ بدرٍ أقربُ النَّسَبِ
ثم قال: هل وقع في لفظةٍ من هذا الشعر خلل؟ كان يمر للقدماء بيتان يستحسنان في قصيدة فيجلون بذلك، وهذا كله بديع جيد.
قال أبو أحمد: وما رأيت أحدًا في نفس أحدٍ أجل من أبي تمام في نفس الحسن بن وهب. قال: وكان الحسن يحفظ أكثر شعر أبي تمام كأنه يختار من القصيدة ما يحفظه.
وقيل لأبي تمام: مدحت دينار بن يزيد! فقال: ما أردت بمدحه إلا أن أكشف شعر علي بن جبلة فيه، فقلت:
مَهاةَ النَّقَا لولاَ الشَّوَى والمآبِضُ
ولم يمدحه بغيرها.
حدثني به علي بن إسماعيل قال، حدثني علي ابن العباس الرومي قال، حدثني مثقال قال: دخلت على أبي تمام وقد عمل شعرًا لم أسمع أحسن منه، وفي الأبيات بيت واحد ليس كسائرها، وعلم أني قد وقفت على البيت، فقلت له: لو أسقطت هذا البيت! فضحك وقال لي: أتراك أعلم بهذا مني؟ إنما مثل هذا مثل رجل له بنون جماعة، كلهم أديب جميل متقدم، فيهم واحد قبيح متخلف، فهو يعرف أمره ويرى مكانه، ولا يشتهي أن يموت، ولهذه العلة وقع مثل هذا في أشعار الناس.
حدثنا أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال: لما قدم أبو تمام إلى خراسان اجتمع الشعراء إليه فقالوا: نسمع شعر هذا العراقي، فسألوه أن ينشدهم، فقال: قد وعدني الأمير أن أنشده غدًا وستسمعون، فلما دخل على عبد الله أنشده:
هُنَّ عوادِي يوسفٍ وصواحِبُهْ ... فعَزْمًا فقِدْمًا أدركَ السؤلَ طالبُهْ
فلما بلغ إلى قوله:
وقلْقَل نَأيٌ من خراسانَ جأشَها ... فقلتُ اطمئِنِّي أنضرُ الرَّوْضِ عازبُهْ
ورَكبٍ كأَطْرافِ الأَسِنَّةِ عَرَّسُوا ... على مِثْلِها والَّليْلُ داجٍ غَياهُبهْ

1 / 10