606

أرادوه لم يؤمنوا به ، كما لم يؤمن آباؤهم بالأنبياء والذي أتوا به وبغيره من المعجزات. وإنما لم يقطع الله سبحانه عذرهم بما سألوه من القربان الذي تأكله النار ، لعلمه سبحانه بأن في الإتيان به مفسدة لهم ، والمعجزات تابعة للمصالح ، ولأن ذلك اقتراح في الأدلة على الله ، والذي يلزم على الله أن يزيح عنهم العلة بنصب الأدلة فقط.

ثم قال تسلية لرسوله من تكذيب اليهود وقومه : ( فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤ بالبينات والزبر والكتاب المنير ) أي : لست بأول مكذب ، بل كذب قبلك رسل أتوا بالمعجزات الباهرة.

والزبر جمع زبور ، وهو الكتاب الجامع للحكم والمواعظ والزواجر ، من : زبرت الشيء إذا حبسته وزجرته. والكتاب في عرف القرآن ما يتضمن الشرائع والأحكام ، ولذلك جاء الكتاب والحكمة متعاطفين في عامة القرآن. والمنير الذي ينير الحق لمن اشتبه عليه.

وقرأ ابن عامر : وبالزبر ، بإعادة الجار ، للدلالة على أنها مغايرة للبينات بالذات.

( كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (185))

ثم بين سبحانه أن مرجع الخلق إليه ، فيجازي المكذبين رسله على أعمالهم من حيث حتم الموت على جميع خلقه ، فقال : ( كل نفس ذائقة الموت ) وعد ووعيد للمصدق والمكذب. والمراد بالموت هاهنا انتفاء الحياة ، والقتيل قد انتفت الحياة منه ، فهو داخل في الآية ( وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ) تعطون جزاء أعمالكم ، خيرا كان أو شرا ، تاما وافيا يوم قيامكم من القبور. ولفظ التوفية يشعر

Page 611