599

يقبل نصحه : ما زادك نصحي إلا شرا ووعظي إلا فسادا.

ونظيره قوله تعالى : ( حتى أنسوكم ذكري ) (1). ومعلوم ان الرسل ما أنسوهم ذكر الله على الحقيقة ، وما بعثوا إلا للتذكير والتنبيه دون الإنساء. مع أن الإنساء ليس من فعلهم فلا يجوز إضافته إليهم ، ولكنه إنما أضيف إليهم لأن دعاءه إياهم لما كان لا ينجع (2) فيهم ، ولا يردهم عن معاصيهم ، فأضيف الإنساء إليهم.

وعلى هذا المعنى قوله تعالى حكاية عن نوح : ( فلم يزدهم دعائي إلا فرارا ) (3).

ومثله في قول الشاعر :

أموالنا لذوي الميراث نجمعها

ودورنا لخراب الدهر نبنيها

وأيضا مثله :

فللموت تغذوا الوالدات سخالها

كما لخراب الدهر تبنى المساكن

وقول الآخر :

أأم سماك فلا تجزعي

فللموت ما تلد الوالدة

ومثله :

لدوا للموت وابنوا للخراب

ولا يجوز أن يكون اللام لام الإرادة والغرض كما زعمت الأشاعرة ، لأن إرادة القبيح قبيحة ، والله تعالى منزه عنها. ولأنه لو كانت لام الإرادة لوجب أن يكون الكفار مطيعين لله سبحانه من حيث فعلوا ما وافق إرادته ، وذلك خلاف الإجماع ، وقد قال الله تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) (4).

Page 604