Les Ministres et les Livres

الوزراء والكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

قال أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري في كتابه المصنف في أخبار الوزراء والكتاب:

روى عن كعب الأحبار إنه قال:

أول من وضع الكتاب السرياني وسائر الكتب آدم عليه السلام قبل موته بثلاث مائة سنة، ثم كتبها في الطين، ثم طبخه. فلما انقضى ما كان أصاب الأرض من الغرق، وجد كل قوم كتابهم فكتبوه، فكان إسماعيل وجد كتاب العرب.

وروي: أن إدريس أول من خط بالقلم بعد آدم.

وروي: أن أول من وضع الكتاب بالعربية إسماعيل بن إبراهيم، وكان أول من نطق بالعربية، فوضع الكتاب على لفظه ومنطقه.

وروي في خبر آخر: أن أول من كتب بالعربية ثلاثة رهط من بولان، يقال لأحدهم: مرامر بن مرة، وأسلم بن سدرة، وعامر ابن جدرة.

وروي أيضا: أن أول من كتب بالعربية من العرب حرب بن أمية ابن عبد شمس.

وكان أول من رتب طبقات الناس، وصنف طبقات الكتاب، وبين منازلهم جمشيد بن أونجهان.

وكان لهراسب بن فنوخا بن كيمنش أول من دون الدواوين، وحضر الأعمال والحسبانات، وانتخب الجنود، وجد في عمارة الأرضين، وجباية الخراج لأرزاق الجيش، وبنى مدينة بلخ.

اخبرني عبد الواحد بن محمد إنه سمع محمد بن واضح يقول:

رأيت بأصبهان كتبا قديمة للأكاسرة إلى عمالهم في الخراج والعمارة، صدورها، إذا كان الكتاب إلى جماعة: خلدتم، وإذا كان إلى واحد: خلدت. ثم يذكر بعد ذلك ما يريد.

وكان للأكاسرة أربعة خواتيم، فكان على خاتم الحرب والشرط: الإنارة، وعلى خاتم الخراج والعمارة: التأييد، وعلى خاتم البريد: الوحاء، وعلى خاتم المظالم: العدل.

وكان لملوك فارس ديوانان، أحدهما: ديوان الخراج، والآخر ديوان النفقات. فكان كل ما يرد ديوان الخراج، وكل ما ينفق ويخرج في جيش أو غيره ففي ديوان النفقات.

وكان من رسم ملوك الفرس أن يلبس أهل كل طبقة، ممن في خدمتهم، لبسة لا يلبسها أحد

Page 1

[2]

ممن في غير تلك الطبقة، فإذا وصل الرجل إلى الملك عرف بلبسته صناعته، والطبقة التي هو فيها.

فكان الكتاب جميعا في الحضر يلبسون لبستهم المعهودة، فإذا سافر الملك تزيوا بزي المقاتلة.

وكانت ملوك فارس جميعا تغلظ على من زور أو نقش خاتما على خاتم الملك، وتلحقه من العقوبة بأهل الجنايات العظائم.

وكانت ملوك فارس تسمي كتاب الرسائل تراجمة الملوك، وكانوا يقولون لهم: لا تحملكم الرغبة في تخفيف الكلام على حذف معانيه، وترك ترتيبه والإبلاغ فيه، وتوهين حججه.

وكان الرسم جاريا في أيام الفرس، أن يجتمع أحداث الكتاب ومن نشأ منهم بباب الملك، متعرضين للأعمال، فيأمر الملك رؤساء كتابه بامتحانهم، والتفتيش عن عقولهم، فمن رضي منهم عرض عليه اسمه، وأمر بملازمة الباب، ليستعان به، ثم أمر الملك بضمهم إلى العمال، وتصريفهم في الأعمال، وتنقلهم على قدر آثارهم وكفاياتهم من الحال إلى الحال، حتى ينتهي بكل واحد منهم إلى ما يستحقه من المنزلة. ولم يكن يهيأ لأحد، ممن عرفه الملك وعرض عليه اسمه، أن يتصرف مع أحد من الناس إلا عن أمر الملك وإذنه.

وكانت الملوك تقدم الكتاب، وتعرف فضل صناعة الكتابة، وتحظى أهلها، لما يجمعونه من فضل الرأي إلى الصناعة، وتقول: هم نظام الأمور، وكمال الملك، وبهاء السلطان، وهم الألسنة الناطقة عن الملوك، وخزان أموالهم، وأمناؤهم على رعيتهم وبلادهم.

وكان ملوك فارس إذا أنفذوا جيشا أنفذوا معه وجها من وجوه كتابهم، وأمروا صاحب الجيش ألا يحل ولا يرتحل إلا برأيه، يبغون بذلك فضل رأى الكتاب وحزمه. ثم يقول الملك للكاتب المندوب للنفوذ معه:

قد علمت أن الأساورة سباع الإنس، وأنه لا عقوبة عليهم إلا في خلع يد من طاعة، أو فشل عن لقاء، أو هرب عن عدو، وما سوى ذلك فلا لوم عليهم فيه، وعليك أعتمد في تدبير هذا الجيش. فينفذ الكاتب مدبرا له، فإذا احتاج إلى مكاتبة بإعذار أو إنذار، أو إخبار أو استخبار، كتب فيه عن صاحب الجيش.

Page 2

وكان ملوك فارس، قبل أنوشروان، يقاسمون الناس على ثمارهم وغلاتهم، فكان أكثر ما

Page 3

[3]

يأخذونه الثلث، وأقله السدس، ويأخذون فيما بين ذلك على قدر الشرب والربع. فأمر قباد بن فيروز بمساحة الأرض، وعدد النخيل والشجر، وإحصاء الجماجم، وعزم على وضع وضائع الخراج، فهلك قبل تمام ذلك.

ولما ملك أنو شروان استتم المساحة والعدد وأحصى الجماجم، ثم جلس مجلسا عاما، وأمر كتابه بإحصاء جمل ذلك ففعلوا، فخاطب الناس بما رآه من ذلك، من وضع الخراج على جربان ما مسح من الأرض، وعلى ما عده من الشجر والنخل، وما أحصى من الناس، وأن يجبى ذلك في ثلاثة أنجم في كل أربعة أشهر الثلث، واستشارهم، فلم يشر أحد منهم بشيء، فأعد القول ثلاث مرات والناس صموت. فقام رجل من عرض الناس، فقال: أيها الملك، أتضع الخراج الباقي على الإنسان الفاني، وعلى كبد تموت، وعلى زرع يجف، ونهر يذهب، وعين تغور؟ فقال كسرى: يا ذا الكلفة المشئوم، من أي طبقات الناس أنت؟ فقال: أنا رجل من الكتاب، فقال كسرى لكتابه: اضربوه بالدوى حتى يموت. فضربه الكتاب تبريا إلى كسرى من رأيه، حتى مات، وقالوا: نحن راضون بما صنع الملك. فصنفت الوضائع على أصناف الغلات والنخل والشجر.

Page 4

ووجدت في عهد لسابور بن أردشير فصلا يخاطب فيه ابنه، يقول: وزيرك يكون مقبول القول عندك، قوى المنزلة لديك، يمنعه مكانه منك، وما يثق به من لطافة منزلته عندك من الخنوع لأحد، أو الضراعة إلى أحد، أو المداهنة لأحد في شيء مما تحت يديه، لتبعثه الثقة بك على محض النصيحة لك، والمنابذة لمن أراد غشك، وانتقاصك حقك، وإن أورد عليك رأيا يخالفك، ولا يوافق الصواب عندك، فلا تجبه جبة الظنين، ولا ترده عليه بالتجهم، فيفت في عضده ذلك، ويقبضه عن ابثاثك كل رأى يلوح صوابه، بل اقبل ما رضيت من رأيه، وعرفه ما تخوفت من ضرر الرأي الذي انصرفت عنه، لينتفعوا بأدبك فيما يستقبلون النظر فيه. واحذر كل الحذر من أن تنزل بهذه المنزلة سواه، ممن يطيف بك من خاصتك وخدمك، وأن تسهل منهم السبيل إلى الانبساط بالنطق عندك، والإفاضة في أمور رعيتك ومملكتك، فانه لا يوثق بصحة آرائهم، ولا يؤمن الانتشار فيما أفضى من السر إليهم.

ومن هذا العهد فصل، قال فيه:

وأعلم أن قوام أمرك بدرور الخراج، ودروره بعمارة البلاد، وبلوغ الغاية في ذلك يكون

Page 5

[4]

باستصلاح أهله، بالعدل عليهم والمعونة لهم، فإن بعض الأمور لبعض سبب، وعوام الناس لخواصهم عدة، وبكل صنف منهم إلى الآخر حاجة، فاختر لذلك أفضل من تقدر عليه من كتابك. وليكونوا من أهل البصر والعفاف والكفاية، وأسند إلى كل امرئ منهم شقصا يضطلع به، ويمكنه الفراغ منه. فإن اطلعت على أن أحدا منهم خان أو تعدى، فنكل به، وبالغ في عقوبته. واحذر أن تستعمل على الأرض الكثير خراجها إلا البعيد الصوت، العظيم شرف المنزلة. ولا تولين أحدا من قادة جندك، الذين اتخذتهم عدة الحرب، وجنة من الأعداء،

خراجا، فلعلك أن تهجم من بعضهم على خيانة للأموال، وتضييع للعمل، فإن سوغته المال، وأغضيت له على التضييع، كان ذلك هلاكا للمال، وإضرارا بالرعية، وداعية إلى فساد غيره، وان أنت كافأته على فعله استفسدته، وأذهبت بهاءه، وأضغنت صدره، وهذا أمر توقيه حزم، والإقدام عليه خرق، والتقصير فيه عجز. ثم اعلم إنه إذا تطعم جمع الأموال من غير الجهة التي تعود أخذها منها، اشتد ركوبه إلى الدنيا، وصار طلبه الأموال من غير الوجه الذي قرب به، وأعطى عليه. وليس شيء أفسد لسائر العمال والكتاب، ولا أدعى إلى خراب أماناتهم، وهلاك ما تحت أيديهم، من جهالة الملك، وقلة معرفته بحالاتهم، وتركه مكافأة المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، فأكثر الفحص عن عمال الخراج وسيرهم وآثارهم، واختر لذلك العيون الموثوق بهم. واعلم أن من أهل الخراج من يلجئ بعض أرضه وضياعه إلى خاصة الملك وبطانته، لأحد أمرين، أنت حرى بكراهتهما: أما لامتناع من جور العمال، وظلم الولاة، فتلك منزلة يظهر بها سوء أثر العمال، وضعف الملك، وإخلاله بما تحت يده، وأما لدفع ما يلزمهم من الحق والكسر له، فهذه خلة يفسد بها أدب الرعية، وتنتقض الملك، فاحذر ذلك، وعاقب الملجئين والملجأ إليهم.

Page 6

وفصل من كتاب لأردشير يخاطب به وزراءه: اعلموا أنكم إن هممتم ألا تستعينوا إلا بمن تكاملت فيه الخصال الرضية، وأحرز المذاهب المحمودة ، فقد رمتم شيئا عسيرا غير موجود. فاكتفوا من دين المرء وورعه، بأن يكون للكبائر والفواحش مجتنبا، ومن الإصرار على العسف والظلم مستوحشا، ومن أمانته وعفافه، أن يكون عما يعرض له من الطمع، وأمر في دخوله ظاهر نقص أو ضرر، ومن غنائه ونفاذه أن يكون بالعمل الذي تستعينون

Page 7

[5]

به فيه مضطلعا، وأن لا يضيع لكم فيما يلي من أموركم حقا. واعلموا أن لكم أعمالا يكفيكموها من دونكم، وأعمالا لا يضطلع بها سواكم، فاعرفوا حدود ذلك، ولا تتكلفوا ما يكفيكموه من تحت أيديكم، ولا تكلفوا ما يجب عليكم النظر فيه من سواكم، فإن حدث لكم فراغ بعد قضائكم ما عليكم، فاستعينوا بالتودع والراحة على ساعات الشغل.

وكان كشتاسب يقول للكتاب:

الزموا العفاف، وأدوا الأمانة في كل ما يفوض إليكم، واجمعوا على غزائزكم وعقولكم سماع الأدب، واستعملوا ما استفدتم من الأدب بما طبعت عليه عقولكم، وليكن اجتباؤكم بالقسط والمعدلة، ولا تزينوا لنا ما لا تليق بنا الأحدوثة به، والإيثار له.

ولما ملك أبرويز بن هرمز جمع رعيته وخطب عليهم خطبة، قال في فصل منها يخاطب وزيره:

اكتم السر، وأصدق الحديث، وأجهد في النصيحة، واحترس بالحذر، فعلي ألا أعجل عليك حتى أستأني، ولا أقبل عليك حتى أستيقن، ولا أطمع فيك فأغتالك.

وحكي أن الجور كثر الجور كثر في أيام الملك أنوشروان، فقال له موبذان موبذ:

أيها الملك، أني سمعت فقهاءنا يقولون: إنه متى لم يغمر العدل الجور في بلدة، ابتلى أهلها بعدو يغزوهم، وخيف تتابع الآفات عليهم، وقد خفنا ذلك بشيء قد فشا من جور أسبابك.

فنظر أنوشروان في ذلك، فاستقر عنده أن ظلما وجورا قد جرى، فصلب ثمانين رجلا منهم، من الكتاب خمسون رجلا، ومن العمال والأمناء ثلاثون رجلا.

وكانت الاكاسرة بعد أنوشروان تقول لأهل الخراج:

من كره منكم الأداء إلى العمال، فهذا بيت مالنا فأدوا اليه. فلم يكن عامل يبسط يده إلى ظلم أحد، خوفا من عدول الرعية إلى بيت المال بأداء الخراج، فيستدل بذلك على مذهبه.

ولم يكن يركب الهماليج في أيام الفرس إلا الملك والكاتب والقاضي.

Page 8

وكان أرسطاطاليس أدب الاسكندر، فلما نشأ الاسكندر وعلا، وعرف من أرسطاطاليس ما عرفه من عرفه من الحكمة، كان شبه الوزير له، وكان يعتمد عليه في الرأي والمشورة. فكتب إليه يخبره إنه قد كثر في خواصه وعسكره قوم ليس يأمنهم على نفسه، لما يرى من بعد هممهم وشجعانهم، وشذوذ آلتهم، وليس يرى لهم عقولا تفي بهذه الفضائل التي فيهم

Page 9

[6]

بقدر هممهم.

فكتب إليه أرسطاطاليس:

فهمت ما ذكرت عن القوم الذين ذكرت. فأما هممهم، فمن الوفاء بعد الهمة، وأما ما ذكرت من شجاعتهم مع نقص عقولهم، فمن كانت هذه حاله فرفهه في المعيشة، واخصصه بحسان النساء، فإن رفاهة العيش توهي العزم، وان حب النساء يحبب السلامة، ويباعد من ركوب المخاطرة، وليكن خلقك حسنا، تستدع به صفو النيات، وإخلاص المقالات، ولا تتناول من لذيذ العيش مالا يمكن أوساط أصحابك مثله، فليس مع الاستئثار محبة، ولا مع المؤاساة بغضة.

وأوصى أبرويز ابنه شيرويه وصية طولية، قال في فصل منها:

وليكن من تختاره لوزارتك أمرا كان متضعا فرفعته، وذا شرف كان مهتضما فاصطنعته، ولا تجعله امرأ أصبته بعقوبة فاتضع عنها، ولا امرأ أطاعك بعد ما أذللته، ولا أحدا يقع في خلده أن إزالة سلطانك خير له، وأدعى إلى ثبوته، وإياك أن تستعمل ضرعا غمرا، ولا كبيرا مدبرا، قد أخذ الدهر من عقله، كما أخذت السن من جسمه.

وكانت الفرس تقول:

للوزير على الملك، وللكاتب على الصاحب، ثلاث خصال: رفع الحجاب عنه، واتهام الوشاة عليه، وإفشاء السر إليه.

وفي كتاب من كتب الهند:

إذا كان الوزير يساوي الملك في المال والهيبة والطاعة من الناس، فليصرعه الملك، فإن لم يفعل، فليعلم إنه المصروع.

ومما استحسنه من شدة التحرز ما حكي في كتاب من كتب الهند: أنه أهدى إلى بعض ملوكهم حلى وكسوة، وبحضرته امرأتان من نسائه، ووزير من وزرائه. فخير إحدى امرأتيه بين اللباس والحلية، فنظرت المرأة إلى الوزير كالمستشيرة له، فغمزها بإحدى عينيه على أخذ الكسوة، ولحظة الملك، فعدلت عما أشار به من الكسوة، واختارت الحلي، لئلا يفطن الملك للغمزة، ومكث الوزير أربعين سنة كاسرا عينه، ليظن الملك أنها عادة وخلقه.

Page 10