Le Complet sur les Décès
الوافي بالوفيات
Enquêteur
أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى
Maison d'édition
دار إحياء التراث
Lieu d'édition
بيروت
(الْجُزْء الأول)
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم مُقَدّمَة الصَّفَدِي)
(عونك اللَّهُمَّ وعفوك)
الْحَمد لله الَّذِي قهر الْعباد بِالْمَوْتِ ونادى بالفناء فِي فنائهم فانهل فِي كل بقْعَة صوب ذَلِك الصَّوْت واسمع كل حَيّ نُسْخَة وجوده فَلم يخل أحدهم من فَوت نحمده على نعمه الَّتِي جعلت بصائرنا تجول فِي مرْآة العبر وتقف بمشاهدة الْآثَار على أَحْوَال من غبر وَتعلم بِمن تقدم أَن من تَأَخّر يُشَارِكهُ فِي الْعَدَم كَمَا اشْترك فِي الرّفْع الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر ونشكره على مننه الَّتِي جلت لما جلت الضراء بمواقعها وحلت عَن وُجُوه حسانها بإحسانها معاقد براقعها وحلت غمائم جودها على رياض عقولنا فاضحت كَأَن صغرى وكبرى من فواقعها
ونشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة تقر لَهُ بِالْبَقَاءِ السرمد وتجرد من التَّوْحِيد سيوفًا لم تزل فِي مفارق أهل الشّرك تغمد وتبعث لنا فِي ظلمات اللحود أنوارًا لَا تخبو أشعتها وَلَا تخمد ونشهد أَن مُحَمَّدًا سيدنَا عَبده وَرَسُوله الَّذِي أنذر بِهِ الْقَوْم اللد وَنَصره بِالرُّعْبِ فَقَامَ لَهُ مقَام المثقفة الملد وَأنزل عَلَيْهِ فِي مُحكم كِتَابه الْعَزِيز وَمَا جعلنَا لبشر من قبلك الْخلد الْأَنْبِيَاء) (صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه الَّذين خَفَقت بهم عذبات الْإِسْلَام ونشرت أَعْلَام علمهمْ حَتَّى استبانت للهدى أَعْلَام واتضحت بهم غرر الزَّمن حَتَّى انْقَضتْ مددهم فَكَأَنَّهَا وَكَأَنَّهُم أَحْلَام صَلَاة لَا تغيب من سَمَاء روضها مجرة نهر وَلَا تسْقط من أنامل غصونها خَوَاتِم زهر مَا رَاح طَائِر كل حَيّ وَهُوَ على حِيَاض المون حايم وأشبهت الْحَيَاة وَإِن طَال أمدها حلم نَائِم وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا إِلَى يَوْم الدّين وَبعد فَلَمَّا كَانَت هَذِه الْأمة المرحومة وَالْملَّة الَّتِي أمست أَخْبَارهَا بمسك الظلام على كافور الصَّباح مرقومة خير أمة أخرجت للنَّاس وأشرف مِلَّة أبطل فَضلهَا الْمَنْصُوص من غَيرهَا قَوَاعِد الْقيَاس علماؤها كأنبياء بني اسرائيل وامراؤها كملوك فَارس فِي التنويه والتنويل وفضلاؤها آربوا على حكماء الْهِنْد واليونان فِي التَّعْلِيم وَالتَّعْلِيل كم فيهم من فَرد جمع المفاخر وكاثرت مناقبه البحور الزواخر وَغدا فِي الْأَوَائِل وَهُوَ أَمَام فَاتَ سوابق الْأَوَاخِر
1 / 25
(إِذا قَالَ لم يتْرك مقَالا لقَائِل ... بملتمات لَا يرى بَينهَا فصلا)
(كفى وشفى مَا فِي النُّفُوس فَلم يدع ... لذِي إربة فِي القَوْل جدا وَلَا هزلا)
)
وَكم أَتَى فيهم من كحلت مراود رماحه عُيُون اللحوم وتوقل حصونا لم يكن للكواكب فِيهَا ولوج وَلَا لطيف العدى هجوم وَضم عسكره الْمَجْرُور كل فتح أصبح الْعَدو بِهِ وَهُوَ مجزوم
(من كل من ضَاقَ الفضاء بجيشه ... حَتَّى ثوى فحواه لحد ضيق)
إِلَى غير ذَلِك مِمَّن شَارك الْأَوَائِل فِي الْعُلُوم الدقيقة وَاتخذ إِلَيْهَا مجَازًا أَدَّاهُ فِيهَا إِلَى الْحَقِيقَة واستنتج من مقدماتهم بَنَات فكر لم يرض جواهرهم لَهَا عقيقة
جمع المؤرخون رَحِمهم الله تَعَالَى أَخْبَار تِلْكَ الْأَحْبَار ونظموا سلوك تِلْكَ الْمُلُوك واحرزوا عُقُود تِلْكَ الْعُقُول وصانوا فصوص تِلْكَ الْفُصُول فوقفت على تواريخ مَاتَت أَخْبَارهَا فِي جلدهَا وَدخلت بتسطيرها الَّذِي لَا يبْلى جنَّة خلدها الْكَامِل
(وَرَأَيْت كلا مَا يُعلل نَفسه ... بتعلة وَإِلَى الْمَمَات يصير)
وَوجدت النَّفس تستروح إِلَى مطالعة أَخْبَار من تقدم ومراجعة آثَار من خرب ربع عمره وتهدم ومنازعة أَحْوَال من غبر فِي الزَّمَان وَمَا ترك للشعراء من متردم إِذْ هُوَ فن لَا يمل من أثارة دفائن دفاتره وَلَا تبل جوانح من الفه إِلَّا بمواطن مواطره كم من نَاظر اجتنى زهرًا ناضرًا من أوراقه وَكم من ماهر اقتنى قمرًا سافرًا بَين أرواقه لِأَن المطلع على أَخْبَار من درج ووقائع من غَابَ فِي غَابَ الْمَوْت وَمَا خرج ومآثر من رقا إِلَى سَمَاء السِّيَادَة وعرج ومناقب من ضَاقَ عَلَيْهِ خناق الشدَّة إِلَى أَن فتح لَهُ بَاب الْفرج يعود كَأَنَّهُ عاصر أُولَئِكَ وَجلسَ مَعَهم على نمارق الأسرة واتكا بَينهم على وسائد الأرائك واستجلى أقمار وُجُوههم إِمَّا فِي هالات الطيالس أَو فِي دارات الترائك وَشَاهد من أشرارهم شرر الشَّيَاطِين وفض لَهُ فضل أخيارهم فِي مَلأ الملائك وعاطاهم سلافة عصرهم فِي عصرهم السالف ورآهم فِي معاركهم ينتشقون رياحين السيوف ويستظلون القنا الراعف فَكَأَنَّمَا أُولَئِكَ الْقَوْم لداته وأترابه وَمن سَاءَهُ مِنْهُم أعداؤه وَمن سره أحبابه لكِنهمْ درجوا فِي الطليعة من قبله وأتى هُوَ فِي السَّاقَة على مهله الطَّوِيل
(وَمَا نَحن إِلَّا مثلهم غير أَنهم ... مضوا قبلنَا قدما وَنحن على الْأَثر)
والتاريخ للزمان مرْآة وتراجم الْعَالم للمشاركة فِي الْمُشَاهدَة مرقاة وأخبار الماضين لمن عَاقِر الهموم ملهاة الْبَسِيط
(لَوْلَا أَحَادِيث أبقاها أوائلنا ... من الندى والردى لم يعرف السمر)
1 / 26
)
وَمَا أحسن قَول الأرجاني الْبَسِيط
(إِذا عرف الْإِنْسَان أَخْبَار من مضى ... توهمته قد عَاشَ فِي أول الدَّهْر)
(وتحسبه قد عَاشَ آخر دهره ... إِلَى الْحَشْر إِن أبقى الْجَمِيل من الذّكر)
(فقد عَاشَ كل الدَّهْر من كَانَ عَالما ... كَرِيمًا حَلِيمًا فاغتنم أطول الْعُمر)
وَرُبمَا أَفَادَ التَّارِيخ حزما وعزما وموعظة وعلما وهمة تذْهب هما وبيانا يزِيل وَهنا ووهما وجيلا تثار للأعادي من مكامن المكائد وسبلًا لَا تعرج بالأماني إِلَى أَن تقع من المصائب فِي مصائد وصبرًا يَبْعَثهُ التأسي بِمن مضى واحتسابا يُوجب الرِّضَا بِمَا مر وحلا من القضا وكلا نقص عَلَيْك من أنباء الرُّسُل مَا نثبت بِهِ فُؤَادك هود فكم تشبت من وقف على التواريخ بإذيال معال تنوعت أجناسها وتشبه بِمن أخلده خموله إِلَى الأَرْض وأصعده سعده إِلَى السهى لِأَنَّهُ أَخذ التجارب مجَّانا مِمَّن انفق فِيهَا عمره وتجلت لَهُ العبر فِي مرْآة عقله فَلم تطفح لَهَا من قلبه جَمْرَة وَلم تسفح لَهَا فِي خَدّه عِبْرَة لقد كَانَ فِي قصصهم عِبْرَة لأولى الْأَلْبَاب يُوسُف فَأَحْبَبْت أَن أجمع من تراجم الْأَعْيَان من هَذِه الْأمة الْوسط وكملة هَذِه الْملَّة الَّتِي مد الله تَعَالَى لَهَا الْفضل الأوفى وَبسط ونجباء الزَّمَان وأمجاده ورؤوس كل فضل واعضاده وأساطين كل علم وأوتاده وأبطال كل ملحمة وشجعان كل حَرْب وفرسان كل معرك لَا يسلمُونَ من الطعْن وَلَا يخرجُون عَن الضَّرْب مِمَّن وَقع عَلَيْهِ اخْتِيَار تتبعي واختباري ولزنى إِلَيْهِ اضطرام تطلبي واضطراري مَا يكون متسقا فِي هَذَا التَّأْلِيف دره منتشقا من روض هَذَا التصنيف زهره فَلَا أغادر أحدا من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وأعيان الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ والملوك والأمراء والقضاة والعمال والوزراء والقراء والمحدثين وَالْفُقَهَاء والمشايخ والصلحاء وأرباب الْعرْفَان والأولياء والنحاة والأدباء وَالْكتاب وَالشعرَاء والأطباء والحكماء والألباء والعقلاء وَأَصْحَاب النَّحْل والبدع والآراء وأعيان كل فن اشْتهر مِمَّن اتقنه من الْفُضَلَاء من كل نجيب مجيد ولبيب مُفِيد الطَّوِيل
(طواه الردى طي الرِّدَاء وغيبت ... فواضله عَن قومه وفضائله)
فقد دَعَوْت الجفلى إِلَى هَذَا التَّأْلِيف وَفتحت أبوابه لمن دَخلهَا بِلَا تسويغ تسويف وَلَا تكليم تَكْلِيف وَذكرت لمن يجب فتحا يسره أَو خيرا قَرَّرَهُ أَو جودا أرْسلهُ أَو رَأيا أعمله أَو حَسَنَة أسداها أَو سَيِّئَة أبداها أَو بِدعَة سنّهَا وزخرفها أَو مقَالَة حرر فنها وَعرفهَا أَو كتابا وَضعه)
أَو تأليفًا جمعه أَو شعرًا نظمه أَو نثرا أحكمه الْبَسِيط
1 / 27
(ذكر الْفَتى عمره الثَّانِي وَحَاجته ... مَا فَاتَهُ وفضول الْعَيْش أشغال)
وَلم أخل بِذكر وَفَاة أحد مِنْهُم إِلَّا فِيمَا ندر وشذ وانخرط فِي سلك أقرانه وَهُوَ فذ لِأَنِّي لم أتحقق وَفَاته وَكم من حاول أمرا فَمَا بلغه وَفَاته على أَنه قد يَجِيء فِي خلال ذَلِك من لَا يضْطَر إِلَى ذكره ويبدو هجر شوكه بَين وصال زهره
قَالَ الْخَلِيل بن أَحْمد رَحمَه الله تَعَالَى لَا يصل أحد من النَّحْو إِلَى مَا يحْتَاج إِلَيْهِ إِلَّا بعد معرفَة مَا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ قلت فقد صَار مَا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ مُحْتَاجا إِلَيْهِ لِأَن المتوقف وجوده على وجود شَيْء آخر مُتَوَقف على وجود ذَلِك الشَّيْء وَهَكَذَا كل علم لَا يبلغ الْإِنْسَان اتقانه إِلَّا بعد تَحْصِيل مَا لم يفْتَقر إِلَيْهِ فقد اذكر فِي كتابي هَذَا من لَا لَهُ مزية وَجعلت أصْبع الْقَلَم من ذكره تَحت رزة رزية غير أَن لَهُ مُجَرّد رِوَايَة عَن المعارف متفردة وَلم تكن لَهُ دراية حمائمها على غصون النَّقْل مغردة الْبَسِيط
(والأيك مُشْتَبهَات فِي منابتها ... وَإِنَّمَا يَقع التَّفْضِيل فِي الثَّمر)
وَلَكِن أردْت النَّفْع بِهِ للمحدث والأديب وَالرَّغْبَة فِيهِ للبيب والأريب وَجعلت ترتيبه على الْحُرُوف وتبويبه وتذهيب وَضعه بذلك وتهذيبه على أنني ابتدأت بِذكر سيدنَا مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ إِذْ هُوَ الَّذِي أَتَى بِهَذَا الدّين الْقيم وسراجه وهاج وَصَاحب التَّنْبِيه على هَذِه الشرعة والمنهاج فاذكر تَرْجَمته مُخْتَصرا وأسرد أمره مُقْتَصرا لِأَن النَّاس قد صنفوا الْمَغَازِي وَالسير وأطالوا الْخَبَر فِيهَا كَمَا أطابوا الْخَبَر ومليت لما ملئت بشمائله مهارق التواليف وَرفعت لما وضعت تيجانها على مفارق التصانيف فَأول من صنف فِي الْمَغَازِي عُرْوَة بن الزبير ﵄ ثمَّ مُوسَى بن عقبَة ثمَّ عبد الله بن وهب ثمَّ فِي السّير ابْن إِسْحَق وَرَوَاهَا عَنهُ جمَاعَة مِنْهُم من زَاد وَمن نقص فَمنهمْ زِيَاد بن عبد الله البكائي شيخ عبد الْملك بن هِشَام مُخْتَصر السِّيرَة وَسَلَمَة بن الْفضل الأبرش وَمُحَمّد بن سَلمَة الْحَرَّانِي وَيُونُس بن بكير الْكُوفِي وَعمل أَبُو الْقَاسِم السُّهيْلي رَحمَه الله تَعَالَى كتاب الرَّوْض الْأنف فِي شرح السِّيرَة الْمشَار إِلَيْهَا وَوضع عَلَيْهِ شَيخنَا الإِمَام الْحَافِظ شمس الدّين الذَّهَبِيّ كتابا سَمَّاهُ بلبل الرَّوْض وَفِي الطَّبَقَات الْكُبْرَى لِابْنِ سعد سيرة مُطَوَّلَة ثمَّ دَلَائِل النُّبُوَّة لأبي زرْعَة الرَّازِيّ شيخ مُسلم ثمَّ دَلَائِل السَّرقسْطِي ثمَّ دَلَائِل الْحَافِظ أبي نعيم فِي سفرين ثمَّ دَلَائِل النُّبُوَّة للنقاش صَاحب التَّفْسِير)
وَدَلَائِل النُّبُوَّة للطبراني وَدَلَائِل أبي ذَر الْمَالِكِي ثمَّ دَلَائِل الإِمَام الْبَيْهَقِيّ فِي سِتَّة أسفار كبار فأجاد مَا شَاءَ وأعلام النُّبُوَّة لأبي الْمطرف قَاضِي الْجَمَاعَة وأعلام النُّبُوَّة لِابْنِ قُتَيْبَة اللّغَوِيّ وَمن أَصْغَر مَا صنف فِي ذَلِك جُزْء لطيف لِابْنِ فَارس صَاحب الْمُجْمل فِي اللُّغَة وَكتاب الشَّمَائِل لِلتِّرْمِذِي ﵀ كتبته بخطى وقرأته على
1 / 28
شَيخنَا الْحَافِظ جمال الدّين الْمزي وَالشَّمَائِل لِلْحَافِظِ المستغفري النَّسَفِيّ وَكتاب صفة النَّبِي ﷺ للْقَاضِي أبي البخْترِي وَكتاب الْأَخْلَاق للْقَاضِي اسماعيل الْمَالِكِي وَكتاب الشفا للْقَاضِي عِيَاض وَالْوَفَاء لِابْنِ الْجَوْزِيّ فِي مجلدين والاقتفاء لِابْنِ مُنِير خطيب الاسكندرية ونظم الدُّرَر لِابْنِ عبد الْبر وسيرة ابْن حزم وَحجَّة الْوَدَاع فأجاد فِيهَا وسيرة الشَّيْخ شرف الدّين الدمياطي وسيرة الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ مختصرة وعيون الْأَثر فِي الْمَغَازِي وَالشَّمَائِل وَالسير لشَيْخِنَا الإِمَام الْحَافِظ فتح الدّين مُحَمَّد بن سيد النَّاس ورويتها عَنهُ سَمَاعا لبعضها من لَفظه وإجازة لعامتها وَله سيرة أُخْرَى مختصرة سَمعتهَا من لَفظه ولشيخنا الإِمَام الْحَافِظ شمس الدّين الذَّهَبِيّ فِي أول تَارِيخ الْإِسْلَام مُجَلد فِي الْمَغَازِي ومجلد فِي السِّيرَة قرأتهما عَلَيْهِ وَفِي تَارِيخ ابْن جرير فِي الْأَيَّام النَّبَوِيَّة جملَة من ذَلِك وَلابْن عَسَاكِر فِي صدر تَارِيخه لدمشق جُزْء كَبِير وَلابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه فِيمَا يتَعَلَّق بذلك نفس طَوِيل هَذَا إِلَى مَا فِي الْكتب الصِّحَاح السِّتَّة من ذكر شمائله ومغازيه وسيره الوافر
(وَيبقى ضعف مَا قد قيل فِيهِ ... إِذا لم يتْرك أحد مقَالا)
وَقد اتيت فِي التَّرْجَمَة النَّبَوِيَّة بِمَا لَا غنى عَن عرفانه وَلَا يسع الْفَاضِل غير الِاطِّلَاع على بديع مَعَانِيه وَبَيَانه وسردت ذكر من جَاءَ بعده من المحمدين إِلَى عصري وَأَبْنَاء زماني الَّذين أينع زهرهم فِي روض دهري ثمَّ أذكر البَاقِينَ من حرف الْألف إِلَى الْيَاء على توالي الْحُرُوف وأتيت فِي كل حرف بِمن جَاءَ فِيهِ من الْآحَاد والعشرات والمئين والألوف بِشَرْط أَن لَا أدع كميت الْقَلَم يمرح فِي ميدان طرسه إِذا أجررته رسنه وَلَا أكون إِلَّا من الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه الزمر وَلَا أغدو إِلَّا مِمَّن يلغي السَّيئَة وَيذكر الحسنه مجزوء الْكَامِل
(لَا خير فِي حَشْو الْكَلَام إِذا اهتديت إِلَى عيونه)
اللَّهُمَّ إِلَّا أَن كَانَ لِلْقَوْلِ مجَال ومجاز وَلم يرخ دون الإطالة حجاب وَلَا حجاز فقد رَأَيْت كثيرا مِمَّن تصدى لذَلِك أَتَى فِي كِتَابه بِفُضُول كَثِيرَة وفصول لَا تضطجع الْمَنَافِع مِنْهَا على فرش وثيرة ونقول لَيست مثيبة للْوَاقِف وَلَا للفوائد مثيرة الْخَفِيف)
(إِن بعض القريض مِنْهُ هذاء ... لَيْسَ شَيْئا وَبَعضه أَحْكَام)
(مِنْهُ مَا يجلب البراعة وَالْفضل وَمِنْه مَا يجلب البرسام)
وَقد قدمت قبل ذَلِك مُقَدّمَة فِيهَا فُصُول فوائدها مهمة وقواعدها يملك الْفَاضِل بهَا من الاتقان أزمة تتنوع الإفادة فِيهَا كَمَا تنوع الْأَعْرَاب فِي كم عمَّة وينال بهَا المتأدب مَا ناله أَبُو
1 / 29
مُسلم من الحزم وعلو الهمة ويهيم بهَا فكره كَمَا هام بمية ذُو الرمة ويبدو لَهُ من محاسنها مَا بدا من جمال ريا للصمة ثمَّ إِنِّي أعقد لكل اسْم بَابا يَنْقَسِم إِلَى فُصُول بِعَدَد حُرُوف المعجم تتَعَلَّق الْحُرُوف فِي الْفُصُول بأوائل أَسمَاء الْآبَاء ليتنزل كل وَاحِد فِي مَوْضِعه ويشرق كل نجم فِي هَذَا الْأُفق من مطلعه فَلَا يعدو أحدهم مَكَانَهُ وَلَا يرفع هَذَا تمسك تنسك وَلَا يخْفض ذَاك جِنَايَة خِيَانَة وَلَا يتَأَخَّر هَذَا لمهابط مهانة وَلَا يتَقَدَّم ذَاك لمكارم مكانة وَقد سميته الوافي بالوفيات وَمن الله تَعَالَى اطلب الإغاثة بالأعانة واستمد مِنْهُ التَّوْفِيق لطريق الْإِنَابَة والأبانة واستعينه على زمَان غلبت فِيهِ الزمانة لَا رب غَيره ينول العَبْد مناه وَأَمَانَة وَلَا إِلَه إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ هُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل
1 / 30
(الْمُقدمَة)
وفيهَا فُصُول الأول كَانَت الْعَرَب تورخ فِي بني كنَانَة من موت كَعْب بن لؤَي فَلَمَّا كَانَ عَام الْفِيل أرخت مِنْهُ وَكَانَت الْمدَّة بَينهمَا مئة وَعشْرين سنة قَالَ صَاحب الأغاني أَبُو الْفرج أَنه لما مَاتَ الْوَلِيد بن المُغيرة بن عبد الله بن عَمْرو بن مَخْزُوم أرخت قُرَيْش بوفاته مُدَّة لأعظامها إِيَّاه حَتَّى إِذا كَانَ عَام الْفِيل جَعَلُوهُ تَارِيخا هَكَذَا ذكره ابْن دَاب وَأما الزبير بن بكار فَذكر أَنَّهَا تؤرخ بوفاة هِشَام بن الْمُغيرَة تسع سِنِين الى ان كَانَت السّنة الَّتِي بنوا فِيهَا الْكَعْبَة فارخوا بهَا انْتهى وارخ بَنو اسماعيل ﵇ من نَار ابراهيم ﵇ إِلَى بنائِهِ الْبَيْت وَمن بنائِهِ الْبَيْت الى تفّرق معد وَمن تفرق معّد الى موت كَعْب بن لؤيّ وَمن عَادَة النَّاس ان يؤرخوا بالواقع الْمَشْهُور وَالْأَمر الْعَظِيم فأرخ بعض الْعَرَب بعام الْخِتَان لشهرته قَالَ النَّابِغَة الْجَعْدِي الوافر
(فَمن يَك سَائِلًا عني فَإِنِّي ... من الفتيان أَيَّام الْخِتَان)
(مَضَت مئة لعام ولدت فِيهِ ... وعام بعد ذَاك وحجتان)
(وَقد أبقت صروف الدَّهْر مني ... كَمَا أبقت من السَّيْف الْيَمَانِيّ)
وَكَانَت الْعَرَب قَدِيما تورخ بالنجوم وَهُوَ أصل قَوْلك نجمت على فلَان كَذَا حَتَّى يُؤَدِّيه فِي)
نُجُوم وَقَالَ بَعضهم قَالَت الْيَهُود إِن الْمَاضِي من خلق آدم ﵇ إِلَى تَارِيخ الاسكندر ثَلَاثَة آلَاف سنة وَأَرْبَعمِائَة سنة وَثَمَانِية وَأَرْبَعُونَ سنة وَقَالَت النَّصَارَى أَنَّهَا خَمْسَة آلَاف سنة وَمِائَة
1 / 31
وَثَمَانُونَ سنة وَأما الْمدَّة المحررة من هبوط آدم ﵇ من الْجنَّة إِلَى الأَرْض لتاريخ اللَّيْلَة المسفرة عَن صباح يَوْم الْجُمُعَة الَّذِي كَانَ فِيهِ الطوفان عِنْد الْيَهُود ألف سنة وسِتمِائَة وَخَمْسُونَ سنة وَعند النَّصَارَى ألفا سنة ومائتان وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ سنة وَعند السامرة ألف وثلاثمائة سنة وَسبع سِنِين وَقَالَ آخر الْمدَّة الَّتِي بَين خلق آدم وَيَوْم الطوفان ألفا سنة ومائتان وَعِشْرُونَ سنة وَثَلَاثَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَأما تَارِيخ الاسكندر الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن الْعَظِيم وتاريخ بخت نصر فمعلومان وتاريخ الطوفان مَجْهُول فأردنا تَصْحِيح ذَلِك وتحريره فصححناه بحركات الْكَوَاكِب وأوساطها من وَقت كَون الطوفان الَّذِي وضع فِيهِ بطلميوس أوساط الْكَوَاكِب فِي المجسطي فبمعاونة هذَيْن الْأَصْلَيْنِ صححنا تَارِيخ الطوفان بحركات الْكَوَاكِب كَمَا تصحح حركات الْكَوَاكِب بالتاريخ طردًا فعكسنا ذَلِك إِلَى خلف وجمعنا أزمنته وحررناه فَوَجَدنَا بَين الطوفان وبخت نصر من السنين الشمسية على أبلغ مَا يُمكن من التَّحْرِير ألفي سنة وَأَرْبَعمِائَة سنة وثلثي سنة وَربع سنة وَمِنْه إِلَى تَارِيخ السريان أَرْبَعمِائَة سنة وَسِتَّة وَثَلَاثُونَ سنة وجمعنا ذَلِك فَكَانَ مَا بَين الطوفان وَذي القرنين بعد جبر الكسور أَلفَيْنِ وتسع مائَة واثنين وَثَلَاثِينَ سنة ثمَّ زِدْنَا على ذَلِك مَا بَيْننَا وَبَين ذِي القرنين إِلَى عامنا هَذَا وَهُوَ سنة إِحْدَى وَسبعين وسِتمِائَة لِلْهِجْرَةِ فَبلغ من آدم ﵇ إِلَى الْآن سِتَّة آلَاف سنة وَسَبْعمائة وتسعا وَسبعين سنة على أبلغ مَا يُمكن من التَّحْرِير وَقَالَ وهب عَاشَ آدم ألف سنة وَفِي التَّوْرَاة تِسْعمائَة وَثَلَاثِينَ سنة وَكَانَ بَين آدم وطوفان نوح ألفا سنة ومائتان وَأَرْبَعُونَ سنة وَبَين الطوفان وَإِبْرَاهِيم ﵇ تِسْعمائَة وَسَبْعَة وَأَرْبَعُونَ سنة وَبَين إِبْرَاهِيم ومُوسَى ﵉ سَبْعمِائة سنة وَبَين مُوسَى وَدَاوُد ﵉ خَمْسمِائَة سنة وَبَين دَاوُد وَعِيسَى ﵉ ألف سنة وَمِائَة سنة وَبَين عِيسَى وَمُحَمّد نَبينَا صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِمَا سِتّمائَة وَعِشْرُونَ سنة وَالله أعلم بِالصَّوَابِ
(أقدم التواريخ الَّتِي بأيدي النَّاس)
زعم بَعضهم أَن أقدم التواريخ تَارِيخ القبط لِأَنَّهُ بعد انْقِضَاء الطوفان وَأقرب التواريخ الْمَعْرُوفَة تَارِيخ يزدجرد بن شهريار الْملك الْفَارِسِي وَهَذَا هُوَ تَارِيخ أرخه الْمُسلمُونَ عِنْد افتتاحهم بِلَاد)
الأكاسرة وَهِي الْبِلَاد الَّتِي تسمى بِلَاد إيران شهر وَأما التَّارِيخ المعتضدي فَمَا أَظُنهُ تجَاوز بِلَاد الْعرَاق وَفِيمَا بَين هَذِه التواريخ تواريخ القبط وَالروم وَالْفرس وَبني إِسْرَائِيل وتاريخ عَام الْفِيل وأرخ النَّاس بعد ذَلِك من عَام الْهِجْرَة وَأول من أرخ الْكتب من الْهِجْرَة عمر بن الْخطاب ﵁ فِي شهر ربيع الأول سنة سِتّ عشرَة وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَن أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ كتب إِلَى عمر ﵁ أَنه يأتينا من قبل أَمِير الْمُؤمنِينَ كتب لَا نَدْرِي على أَيهَا نعمل قد قَرَأنَا صكًا مِنْهَا مَحَله شعْبَان فَمَا نَدْرِي أَي الشعبانين الْمَاضِي أَو الْآتِي فَعمل عمر ﵁ على كتب التَّارِيخ فَأَرَادَ أَن يَجْعَل أَوله رَمَضَان فَرَأى أَن الْأَشْهر الْحرم تقع حِينَئِذٍ فِي سنتَيْن فَجعله من الْمحرم وَهُوَ
1 / 32
آخرهَا فصيره أَولا لتجتمع فِي سنة وَاحِدَة وَكَانَ قد هَاجر ﷺ يَوْم الْخَمِيس لأيام من الْمحرم فَمَكثَ مُهَاجرا بَين سير ومقام حَتَّى دخل الْمَدِينَة شَهْرَيْن وَثَمَانِية أَيَّام وَقَالَ العسكري فِي كتاب الْأَوَائِل أول من آخر النيروز المتَوَكل قَالَ بَينا المتَوَكل يطوف فِي متصيد لَهُ إِذْ رأى زرعا أَخْضَر قَالَ قد استأذنني عبيد الله بن يحيى فِي فتح الْخراج وَأرى الزَّرْع أَخْضَر فَقيل لَهُ أَن هَذَا قد أضرّ بِالنَّاسِ فهم يقترضون ويستسلفون فَقَالَ هَذَا شَيْء حدث أم هُوَ لم يزل كَذَا فَقيل لَهُ حَادث ثمَّ عرف أَن الشَّمْس تقطع الْفلك فِي ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة وَسِتِّينَ يَوْمًا وَربع يَوْم وَأَن الرّوم تكبس فِي كل أَربع سِنِين يَوْمًا فيطرحونه من الْعدَد فيجعلون شباط ثَلَاث سِنِين مُتَوَالِيَات ثَمَانِيَة وَعشْرين يَوْمًا وَفِي السّنة الرَّابِعَة وَهِي الَّتِي تسمى الكبيس نيجر من ذَلِك الرّبع يَوْم تَامّ فَيصير شباط تِسْعَة وَعشْرين يَوْمًا فَكَانَت الْفرس تكبس الْفضل الَّذِي بَين سنتها وَبَين سنة الشَّمْس فِي كل مئة وَسِتَّة عشر سنة شهرا وَهَذَا الكبس على طوله أصح من كبس الرّوم لِأَنَّهُ أقرب إِلَى مَا يحصله الْحساب من الْفضل فِي سنة الشَّمْس فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام عطل ذَلِك وَلم يعْمل بِهِ فاضر بِالنَّاسِ ذَلِك وَجَاء زمن هِشَام فَاجْتمع الدهاقنة إِلَى خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي فشرحوا لَهُ وسألوه أَن يُؤَخر النيروز شهرا فَكتب إِلَى هِشَام بن عبد الْملك وَهُوَ خَليفَة فَقَالَ هِشَام أَخَاف أَن يكون هَذَا من قَول الله تَعَالَى إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر التَّوْبَة فَلَمَّا كَانَ أَيَّام الرشيد اجْتَمعُوا إِلَى يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي وسألوه أَن يُؤَخر النيروز نَحْو شهر فعزم على ذَلِك فَتكلم اعداؤه فِيهِ فَقَالُوا هُوَ يتعصب للمجوسية فَاضْرب عَنهُ فَبَقيَ على ذَلِك إِلَى الْيَوْم فَاحْضُرْ المتَوَكل إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس وَأمره أَن يكْتب كتابا فِي تَأْخِير النيروز بعد أَن يحسبوا الْأَيَّام فَوَقع الْعَزْم على تَأْخِيره إِلَى سَبْعَة وَعشْرين يَوْمًا)
من حزيران فَكتب الْكتاب على ذَلِك وَهُوَ كتاب مَشْهُور فِي رسائل إِبْرَاهِيم وَإِنَّمَا احتذى المعتضد مَا فعله المتَوَكل إِلَّا أَنه قد قصره فِي أحد عشر يَوْمًا من حزيران فَقَالَ البحتري يمدح المتَوَكل الْخَفِيف
(لَك فِي الْمجد أول وأخير ... ومساع صغيرهن كَبِير)
(إِن يَوْم النيروز عَاد إِلَى الْعَهْد الَّذِي كَانَ سنه ازدشير)
(أَنْت حولته إِلَى الْحَالة الأولى وَقد كَانَ حائرا يستدير)
قَالَ أَحْمد بن يحيى البلاذري حضرت مجْلِس المتَوَكل وَإِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس يقْرَأ الْكتاب الَّذِي انشأه فِي تَأْخِير النيروز والمتوكل يعجب من حسن عِبَارَته ولطف مَعَانِيه وَالْجَمَاعَة تشهد لَهُ بذلك فدخلتني نفاسة فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي هَذَا الْكتاب خطأ فَأَعَادُوا النّظر فِيهِ وَقَالُوا مَا نرَاهُ وَمَا هُوَ فَقلت أرخ السّنة الفارسية بالليالي والعجم تورخ بِالْأَيَّامِ وَالْيَوْم عِنْدهم أَربع وَعِشْرُونَ
1 / 33
سَاعَة تشْتَمل على اللَّيْل وَالنَّهَار وَهُوَ جُزْء من ثَلَاثِينَ جُزْءا من الشَّهْر وَالْعرب تورخ بالليالي لِأَن سنتهمْ وشهورهم قمرية وَابْتِدَاء رُؤْيَة الْهلَال بِاللَّيْلِ قَالَ فَشَهِدُوا بِصِحَّة مَا قلت واعترف إِبْرَاهِيم وَقَالَ لَيْسَ هَذَا من علمي قَالَ فخف عني مَا دخلني من النفاسة ثمَّ قتل المتَوَكل قبل دُخُول السّنة الجديدة وَولى الْمُنْتَصر واحتيج إِلَى المَال فطولب بِهِ النَّاس على الرَّسْم الأول وانتقض مَا رسمه المتَوَكل فَلم يعْمل بِهِ حَتَّى ولي المعتضد فَقَالَ ليحيى بن عَليّ المنجم قد كثر ضجيج النَّاس فِي أَمر الْخراج فَكيف جعلت الْفرس مَعَ حكمتها وَحسن سيرتها افْتِتَاح الْخراج فِي وَقت لَا يتَمَكَّن النَّاس من أَدَائِهِ فِيهِ قَالَ فشرحت لَهُ أمره وَقلت يَنْبَغِي أَن يرد إِلَى وقته وَيلْزم يَوْمًا من أَيَّام الرّوم فَلَا يَقع فِيهِ تَغْيِير فَقَالَ الْحق عبد الله بن سُلَيْمَان فوافقه على ذَلِك فصرت إِلَيْهِ ووافقته وحسبنا حسابه فَوَقع فِي الْيَوْم الْحَادِي عشر من حزيران وَأحكم أمره على ذَلِك وَأثبت فِي الدَّوَاوِين وَكَانَ النيروز الْفَارِسِي فِي وَقت نقل المعتضد لَهُ يَوْم الْجُمُعَة لإحدى عشرَة لَيْلَة خلت من صفر سنة اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَمن شهور الرّوم الْحَادِي عشر مكن نيسان فاخره حَسْبَمَا أوجبه الكبس سِتِّينَ يَوْمًا حَتَّى رَجَعَ إِلَى وقته الَّذِي كَانَت الْفرس ترده إِلَيْهِ وَكَانَ قد مضى لذَلِك مِائَتَان وَاثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سنة فارسية تكون من سني الْعَرَب مِائَتَيْنِ وَتِسْعَة وَثَلَاثِينَ سنة وَبضْعَة عشر يَوْمًا وَوَقع بعد التَّأَخُّر يَوْم الْأَرْبَعَاء لثلاث عشرَة لَيْلَة خلت من شهر ربيع الآخر سنة اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَمن شهور الرّوم الْحَادِي عشر من حزيران)
انْتهى مَا حَكَاهُ العسكري قلت قَوْله تَعَالَى إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر التَّوْبَة الْآيَة فِي النسيء قَولَانِ الأول إِنَّه التَّأْخِير قَالَ أَبُو زيد نسأت الْإِبِل عَن الْحَوْض إِذا أخرتها وَكَأن النسيء عبارَة عَن التَّأْخِير من شهر إِلَى شهر آخر وَالثَّانِي هُوَ الزِّيَادَة قَالَ قطرب نسأ الله فِي الْأَجَل إِذا زَاد فِيهِ وَالصَّحِيح الأول نسأت الْمَرْأَة إِذا حملت لتأخير حَيْضهَا ونسأت اللَّبن إِذا أَخَّرته حَتَّى أَكثر المَاء فِيهِ كَانَت الْعَرَب تعتقد تَعْظِيم الْأَشْهر الْحرم تمسكا بِهِ من مِلَّة إِبْرَاهِيم ﵇ وَكَانَ يشق عَلَيْهِم الْكَفّ عَن مَعَايشهمْ وَترك الإغارة والقتال ثَلَاثَة أشهر على التوالي فنسئوا أَي أخروا تَحْرِيم ذَلِك الشَّهْر إِلَى غَيره فأخروا حُرْمَة الْمحرم إِلَى صفر فيحلون الْمحرم ويحرمون صفر وَإِذا احتاجوا إِلَى تَحْرِيم صفر أخروه إِلَى ربيع الأول هَكَذَا كل شهر حَتَّى يَدُور التَّحْرِيم على شهور السّنة كلهَا فَقَامَ الْإِسْلَام وَقد رَجَعَ الْمحرم إِلَى مَوْضِعه وَذَلِكَ بعد دهر طَوِيل فَخَطب ﷺ فِي حجَّة الْوَدَاع وَقَالَ إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَته يَوْم خلق الله السَّمَاوَات وَالْأَرْض السّنة اثْنَا عشر شهرا مِنْهَا أَرْبَعَة حرم ثَلَاثَة مُتَوَالِيَات ذُو الْقعدَة وَذُو الْحجَّة وَالْمحرم وَوَاحِد فَرد وَهُوَ رَجَب مُضر الَّذِي بَين جُمَادَى وَشَعْبَان ووقف ﷺ بِعَرَفَة فِي حجَّة الْوَدَاع يَوْم التَّاسِع وخطب بمنى يَوْم الْعَاشِر واعلمهم أَن
1 / 34