231

Tiraz pour les secrets de l'éloquence et les sciences des réalités du miracle

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

Maison d'édition

المكتبة العنصرية

Édition

الأولى

Année de publication

١٤٢٣ هـ

Lieu d'édition

بيروت

المعنى الثانى أن لا يكون المقصود الاختصاص، وإنما المقصود التحقق
، وتمكين ذلك المعنى فى نفس السامع بحيث لا يخالجه فيه ريب، ولا يعتريه شك، وهذا كقولك: هو يعطى الجزيل، وهو الذى يجود بنفسه، فغرضك تحقيق إعطائه للجزيل، وكونه لا يبخل بنفسه، وتمكّنه فى نفس من تخاطبه، وعلى هذا ورد قوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ
[البقرة: ١٤] فخاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية، وشياطينهم بالجملة الاسمية المحقّقة بإنّ المشددة، وإنما كان الأمر كذلك لأنهم فى خطابهم لإخوانهم مخبرون عن أنفسهم بالثبات والتصميم على اعتقاد الكفر مصرون على التمادى فى الجحود والإنكار، فلهذا وجّهوه بالجملة المؤكدة الاسمية بخلاف خطابهم للمؤمنين، فإنما كان عن تكلف وإظهار للإيمان، خوفا ومداجاة من غير عزم عليه، ولا شرح صدورهم به، ومن هذا قوله تعالى فى سورة يوسف: قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
[يوسف:
١١- ١٢] فانظر إلى ما أخبروا به عن أنفسهم فى قولهم: لَناصِحُونَ
ولَحافِظُونَ
كيف ورد بالجملة الاسمية المؤكدة بإن، وما كان عن غيرهم كقوله: ما لَكَ لا تَأْمَنَّا
، وقوله: أَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ
، وهذا فيه دلالة على ما ذكرناه من الاختصاص والتحقيق والثبوت، ومن هذا قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ
[ق: ٤٣] وقوله تعالى: وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ
[الحجر: ٢٣] وقوله فى سورة الواقعة: أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ
[الواقعة: ٥٩] أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ
[الواقعة: ٦٤] وقوله: أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها
[الواقعة: ٧٢] إلى غير ذلك من الآى المصدرة بالجمل الابتدائية، ومن هذا القبيل قوله تعالى: وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ
[المائدة: ٦١] فإنما صدر الخروج بالضمير، وصيرها جملة ابتدائية، مبالغة فى تصميم عزمهم على الكفر عند الخروج، وقطع الإياس عن الإيمان يخالف دخولهم، فإنه ربما كانت نفوسهم تحدثهم بإظهار الإيمان على وجه التقية والمخادعة، فأما الخروج فهو على قطع وحقيقة،

2 / 16