التفسير الموضوعي ٢ - جامعة المدينة
التفسير الموضوعي ٢ - جامعة المدينة
Maison d'édition
جامعة المدينة العالمية
Genres
•thematic exegesis
Régions
Malaisie
-[التفسير الموضوعي ٢]-
كود المادة: IUQR٤٠٩٣
المرحلة: بكالوريوس
المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية
الناشر: جامعة المدينة العالمية
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
Page inconnue
الدرس: ١ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خلال الأخلاق في القرآن الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الأول
(الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خلال الأخلاق في القرآن الكريم)
التعريف بالتفسير الموضوعي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فالتفسير الموضوعي:
هو علم يبحث في القرآن الكريم، من حيث استخراج ما في القرآن من موضوعات، وجمع الآيات المتعلقة بكل موضوع، وتقسيمها إلى عناصر يسميها الباحث فصولًا، أو يجعل الفصول أبوابًا، أو يقسمها إلى فقرات يعرضها، فينتقل من فصل إلى فصل، ومن باب إلى باب، ومن فقرة إلى فقرة، إلى أن يوفي الموضوع حقه من البحث، وهو في ذلك يستعين بما يتطلبه البحث من الأحاديث النبوية، وأقوال الأئمة، وما جاء في كتب اللغة، وما إلى ذلك مما يتطلبه الموضوع في تجلية جوانبه، وجمع الآيات في موضوع واحد لدراسته واستخراج فوائده منهج بدأ من عهد نزول القرآن؛ حين كانت تنزل الآية مجملة في موضع، ومفصّلة في موضع آخر، أو عامة في موضع مخصصة في موضع آخر، وهكذا.
وقد ألف العلماء في بداية القرن الثاني الهجري وما بعده كتبًا في موضوعات جمعوا فيها الآيات، فكانت بداية موفقة لدراسة موضوعات القرآن، كمن ألفوا في الناسخ والمنسوخ، وفي غريب القرآن، وفي إعجاز القرآن، وفي أسباب النزول، وفي أقسام القرآن، وفي أحكام القرآن، وفي هذه المؤلفات، ترى أن العلاقة التي تجمع بين أطراف الموضوع علاقة عامة، ولهذا اتجه التفسير الموضوعي نحو التحديد، ومن ذلك ما تراه من دراسة لموضوعات قرآنية محددة، كما ترى فيما كتبت في الإنسان في القرآن، والمرأة في
1 / 9
القرآن، والأخلاق في القرآن، في كتابي (شذرات من التفسير الموضوعي للقرآن الكريم)، وكما ترى فيما كتبه المرحوم الدكتور أحمد الشرباصي، ومن ذلك ما كتبه عن الرجولة في القرآن، القلة والكثرة في القرآن، حديث الغرور في القرآن، إلى غير ذلك مما تراه في كتابات الإخوة الأساتذة، وما تلمحه في موضوعات كتب فيها، وما يزالون يكتبون طلاب الدراسات العليا في الجامعات الإسلامية، أثرت المكتبة القرآنية في جملة من البحوث القرآنية النافعة.
ولا بُدّ أن نفرق بين هذا النوع من التفسير وما نراها من كتابات إسلامية فيما يعرف بالدراسات الإسلامية، وفرق بين أن يقال: المرأة في الإسلام، والمرأة في القرآن، أو أن يقال: الأخلاق في الإسلام، والأخلاق في القرآن، وما إلى ذلك، فالموضوع إذا بحث من الناحية الإسلامية لا يعنيه جمع الآيات في الموضوع، إنما يدرسه دراسة عامّة، يستشهد في الفقرة التي يكتب فيها بما يراه من الآيات والأحاديث وأقوال الأئمة، وما كتبه من سبقوه في دراسة موضوعه، أمّا إذا كان البحث في التفسير الموضوعي فالاعتماد فيه أولًا على جمع الآيات من القرآن، وتقسيمها إلى فقرات أو فصول أو أبواب كما ذكرنا، ودراسة هذه الآيات دراسة متأنية، يقارن بين الآيات ويستنبط منها الأحكام والدروس والعبر، وما إلى ذلك مما يتضح من وضع الآيات بجوار بعضها، والنظر فيها لتكوين رؤية متكاملة عن الموضوع.
ويدخل في التفسير الموضوع ما يسمَّى أيضًا بالوحدة الموضوعية في السورة، بأن يجتهد المفسّر في تحديد الهدف والمحور الذي تدور حوله آيات السورة، وقد يكون للسورة أكثر من هدف، فيقسّم المفسر السورة إلى عناصر، ويعرض هذه العناصر من خلال هدف السورة ومحورها، ويبرز الأسرار العظيمة التي تدلّ
1 / 10
على إعجاز هذا القرآن حين يتحدث حين يتحدث عن سر اختيار حروف معينة تتكرر في الصورة التي يدرسها دون غيرها، وحين يتكلم عن السبب في بسط قصة من قصص الأنبياء في موضع، واختصارها في كلمات في موضع آخر.
وقد بذل قسم التفسير في كلية أصول الدين جامعة الأزهر جهدًا مشكورًا حين كلّف طلاب الدراسات العليا في الماجستير والدكتوراه بالكتابة في سور القرآن، تحت عنوان: سورة كذا والأهداف التي ترمي إليها، فتناول معظم سور القرآن بهذه الطريقة بالبحث والدراسة، وقد بدأ العمل في هذا المشروع في بداية عام ألف وتسعمائة وثلاث وسبعين، واستمر لفترة طويلة من الزمن، وهو جهد مشكور وعمل مبرور، جزا الله الجميع خير الجزاء.
الأخلاق في القرآن الكريم
عرفها الإمام الغزالي في (الإحياء) فقال: "الخلق عبارة عن هيئة في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر، من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلًا وشرعًا، سُمّيت تلك الهيئة خلقًا حسنة، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقًا سيئًا، فما يصدر عن النفس البشرية من أفعال دون تكلّف، هو الذي يطلق عليه بأنه خلق، وما يكون من الإنسان بتكلف وتحت أي ظروف لا يعد خلقًا؛ كمن طبعه السخاء والكرم، لكنه بخل في موقف من المواقف، بسبب من الأسباب، فلا يقال عنه بأنه بخيل، والعكس صحيح، فمن كان خلقه البخل، ولكنه لأمر ما، ساعد محتاجًا أو تبرع بمبلغ من المال، لا يقال عنه بأنه كريم".
1 / 11
وليس معنى قولهم: "الأخلاق في القرآن" أن يستقصي الباحث في كتاب الله كل خلق حثّ عليه القرآن، وكل خلق نفّر منه؛ ليجمع فيه الآيات لدراستها دراسة موضوعية، فهذا يستغرق كما نرى زمن طويلًا، وقد يقع في مجلدات تشكل موسعة في أخلاق القرآن، مما تصعب الإحاطة به، وإنما يعني هذا القول أنّ يؤصِّل من يكتب في التفسير الموضوعي للأخلاق في القرآن، بأن يبيّن ما تعنيه الأخلاق في لغتتنا العربية، وعند العلماء الذين اعتنوا بدراسة الأخلاق، وأن يبيّن الأسس التي أقيمت عليها أخلاق القرآن، وكيف دعا القرآن لمكارم الأخلاق، وكيف نفّر من الأخلاق السيئة، ثم له أن يختار بعض الأخلاق في القرآن ليتحدث عنها وفق منهج التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ندرس هذا الموضوع من خلال العناصر التالية:
أولًا: ورود كلمة المعروف في القرآن الكريم وما تدل عليه.
ثانيًا: ورود كلمة المنكر في القرآن الكريم وما يقصد بها.
ثالثًا: ما ورد في السنة وأقوال السلف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
رابعًا: بواعث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
خامسًا: من له الحق في أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
سادسًا: أثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إصلاح المجتمعات.
وقد وردت مادة العين والراء والفاء عدة مرات في كتاب الله، كما وردت مادة النون والكاف والراء عدة مرات كذلك، وهي غالبًا تأتي مقترنة بالمعروف، وأحيانًا تنفرد كلّ منهما فتذكر وحدها، والذي يعنينا منها ما له صلة بموضوع
1 / 12
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالنظر في كتاب الله، نجد أنها قد وردت بهذا المعنى في سورة "آل عمران"، في ثلاثة مواضع، في سياق الحديث عن واجب الأمة المسلمة تجاه مجتمعها، بل والمجتمع البشري، في قول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٤).
فهذا أمر من الله لأمة الإسلام أن تكون بكامل أفرادها قائمة على قدم وساق، لا يغفلون ولا يتهاونون ولا يتوانون في الدعوة إلى الخير، وفي الأمر بالمعروف والنهي عنه، كما دلّ على ذلك استعمال الفعل المضارع في قوله: ﴿يَدْعُونَ﴾ و﴿يَأْمُرُونَ﴾ و﴿يَنْهَوْنَ﴾ وقد حكم الله بأنّ الفلاح مختص بهذه الأمة وحدها إن هي فعلت ذلك، كما يفهم من أسلوب القصر في قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وإنها قد بلغت الغاية التي لا تدرك، كما يرشد إليه استعمال اسم الإشارة البعيد في قوله: ﴿وَأُولَئِكَ﴾ ويجوز أن تكون "من" في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ﴾ للتبعيض، وهذا يعني أن يكون في الأمة أناس هم أعمدة الأمة وحداتها والحراس لدينه، يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولو خلت الأمة من هؤلاء انفرط عقدها، وانتشر الفساد في أرجائها، وكانت عرضة للزوال، ولذلك قال الضحاك في هذه الفرقة: "هم خاصة الصحابة وخاصة الرواة" يعني المجاهدين والعلماء، وهذا لا يتعارض مع أن تكون أمة الإسلام بأكملها قائمة على شريعة الله حامية لحوزة الدين، وليقم كل واحد بدوره، حسب موقعه وظروفه.
ومما يؤيد ذلك ما جاء في الموضع الثاني في السورة -سورة آل عمران- من بيان سبب خيرية الأمة الإسلامية، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: ١١٠)
1 / 13
يقول ابن كثير بعد أن ذكر بعض الأحاديث والأقوال: "والصحيح أنّ هذه الآية عامّة في جميع الأمة، كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذي بعث فيه رسول الله ﷺ، ثم الذين يلوونهم، ثم الذين يلوونهم".
والموضع الثالث في سورة "آل عمران" جاء في ذكر صفة فئة من أهل الكتاب، عرفوا الحق فاتبعوه؛ كعبد الله بن سلام، وغيره ممّن أسلموا من أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران: ١١٣، ١١٤)، فذكر من صفاتهم التي تميزوا بها، وكانوا بها من الصالحين، أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
وفي سورة "النساء" في قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (النساء: ١١٤) ترى أنّ الله حصر خير الكلام في ثلاثة، في الأمر بصدقة، أو معروف، أو إصلاح بين الناس، ومع أنّ الأمر بالصدقة أمرٌ بالمعروف، وأن الأمر بالإصلاح بين الناس أمر بالمعروف، إلّا أن الأمر بالمعروف أعمّ وأشمل، فقد ذكر أمرًا خاصًّا ثم عامًّا ثم خاصًّا؛ ليكون هذا الأمر العام -وهو المعروف- واسطة العقد؛ إزهارًا لمنزلته وأهميته.
وفي سورة "المائدة" في بيان ما كان من أمر بني إسرائيل، يقول تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة: ٧٩)، وقد ذكر الله ذلك؛ ليبين لماذا استحق بني إسرائيل اللعنة على لسان داود وعيسى بن مريم، كما قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (المائدة: ٧٨)،
1 / 14
ثم قال: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ (المائدة: ٧٩) ومعنى ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ﴾ أي: لا ينهي بعضهم بعضًا عن المنكر الذي يشيع بينهم، وهذا يعني أنّ أي إنسان لا يسلم من النقص، ولا يخلو من الوقوع في خطأ، فكل بني آدم خطّاء، وخير الخطاءين التوابون، وإذا كان المجتمع نابضًا بوحي الله، مشرقًا بنور ما أنزل الله، لم يقبل أن يرى أحد أفراده غارقًا في بحار المعاصي، ملوثًا بالخطيئة، فينبري كل واحد يأخذ بيد أخيه يدله على الطريق الصحيح، فإن لم يحدث هذا، واستمرأ الناس المعاصي، وسكت الآخرون فلم ينكروا المنكر، وإنما كما سنرى في الحديث «آكلوهم وشاربوهم» وكأنّ هؤلاء العصاة لم يرتكبوا منكرًا يستحق الإنكار، إن حدث هذا غرق الجميع وضاع الجميع، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وفي سورة "الأعراف" نرى ذلك في بيان صفة رسول الله ﷺ، وأن أهل الكتاب يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، كما قال ربنا: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (الأعراف: ١٥٧).
وفي أمر رسول الله ﷺ بأن يأخذ العفو، ويأمر بالعرف -أي المعروف، وأن يعرض عن الجاهلين، قال تعالى: ﴿خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩).
وفي سورة "التوبة" في ذكر صفات المنافين والمنافقات، وأنهم كما قال تعالى: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ (التوبة: ٦٧).
1 / 15
وفي بيان صفات المؤمنين والمؤمنات، وأنهم كما قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: ٧١).
ثالثًا: في جعلها صفة من صفات المؤمنين، الذين باعوا أنفسهم وأموالهم لله وجاهدوا في سبيله، فكانت لهم البشرى من الله بالنعيم المقيم في جنات النعيم، قال تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: ١١٢).
وفي سورة "النحل" يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٩٠).
وفي سورة "الحج" في ذكر عمل المؤمنين إن نصرهم الله ومكّن لهم في أرضه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج: ٤١).
في سورة "النور" حيث يحذّر الله من اتباع خطوات الشيطان؛ لأنه كما قال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (النور: ٢١).
وفي سورة "العنكبوت" في موضعين، في ذكر ما كان من فعل قوم لوط ﵇ يقول ربنا على لسان لوط: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ (العنكبوت: ٢٩) وفي بيان أثر الصلاة في
1 / 16
السلوك: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (العنكبوت: ٤٥).
وفي سورة "لقمان" في قوله وصايا لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان: ١٧).
وفي سورة "المجادلة" في بيان أن من يقول لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي، يقول منكرًا من القول وزورًا، كما ذكر ربنا ذلك فقال: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (المجادلة: ٢).
وفي سورة "الممتحنة" فيما بايع عليه رسول الله ﷺ النساء، قال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الممتحنة: ١٢).
هذه معاشر الأبناء هي الآيات التي وردت فيها كلمة المعروف وكلمة المنكر في كتاب الله، ومن سياق الآيات نستطيع أن نفهم المعنى المقصود بكلٍّ منهما؛ فليس المعروف أو المنكر ما تواضعت عليه المجتمعات، ورضيه الناس طريقًا لحياتهم، فكثيرًا ما يختار الناس ما فيه ضرر بهم، فقد يرى بعضهم أنّ الخمر لذة للشاربين، فيشربها ويستمتع بها، وينكر على من لا يحضر مجلسها، ويشارك الآخرين في شربها، مع أنها أم الخبائث، وقد قدر بعض الأمم أنّ الزنا لا حرمة فيه؛ لأنه متعة مشتركة بين الرجل والمرأة، وأمر يرجع إلى حرية الفرد في اختياره، وإنما يمنع ويعاقب المجتمع على ذلك، إذا ما كان هذا الأمر على فراش الزوجية، أو كان عن طريق الإجبار والإكراه، والحرمة هنا -كما نرى- لا لذات الزنا، وإنما للاعتداء على حرية الفرد.
1 / 17