The World of the Righteous Angels
عالم الملائكة الأبرار
Maison d'édition
مكتبة الفلاح
Édition
الثالثة
Année de publication
١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م
Lieu d'édition
الكويت
Genres
•General Creed
التعريف بالملائكة والإيمان بهم
الملائكة عالم غير عالم الإنس وعالم الجن، وهو عالم كريم، كله طهر وصفاء ونقاء، وهم كرام أتقياء، يعبدون الله حق العبادة، ويقومون بتنفيذ ما يأمرهم به، ولا يعصون الله أبدًا.
وسنرى عبر نصوص الكتاب والسنة صفاتهم التي حدثتنا بها النصوص.
والملك أصله: أَلكَ، والمألكة، والمألكُ: الرسالة. ومنه اشتق الملائك؛ لأنهم رسل الله.
وقيل: اشتق من (لَ أك) والملأكة: الرسالة، وألكني إلى فلان؛ أي: بلغه عني، والملأك: الملك؛ لأنه يبلغ عن الله تعالى.
وقال بعض المحققين: الملك من الملك. قال: والمتولي من الملائكة شيئًا من السياسات يقال له مَلَك، ومن البشر مَلِك. (١)
والإيمان بالملائكة أصل من أصول الإيمان، لا يصح إيمان عبد ما لم يؤمن بهم، قال تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله) [البقرة: ٢٨٥] .
كيف يكون الإيمان بالملائكة
نقل السيوطي عن البيهقي في كتابه (شعب الإيمان): " أن الإيمان بالملائكة ينتظم في معانٍ:
أحدهما: التصديق بوجودهم.
الثاني: إنزالهم منازلهم، وإثبات أنهم عباد الله وخلقه، كالإنس والجن مأمورون مكلفون، لا يقدرون إلا على ما أقدرهم الله عليه، والموت عليهم جائز، ولكنّ الله تعالى جعل لهم أمدًا بعيدًا، فلا يتوفاهم حتى يبلغوه، ولا يوصفون بشيء يؤدي وصفهم به إلى إشراكهم بالله تعالى، ولا يدعون آلهة كما دعتهم الأوائل.
الثالث: الاعتراف بأنّ منهم رسلًا يرسلهم الله إلى من يشاء من البشر، وقد يجوز أن يرسل بعضهم إلى بعض، ويتبع ذلك الاعتراف بأنّ منهم حملة العرش، ومنهم الصافّون، ومنهم خزنة الجنّة، ومنهم خزنة النار، ومنهم كتبة الأعمال، ومنهم الذين يسوقون السحاب، فقد ورد القرآن بذلك كله أو بأكثره ". (٢)
وهذا الكتاب فيه تفصيل لما جاءَت به النصوص في الإيمان بالملائكة.
(١) راجع: بصائر ذوي التمييز، للفيروزآبادي: ٤/٥٢٤.
(٢) الحبائك في أخبار الملائك، للسيوطي: ص ١٠. وانظر مختصر شعب الإيمان: ١/٤٠٥-٤٠٦.
Page inconnue
الفصل الأول
صفاتهم وقدراتهم
سنحاول أن نتبين من خلال النصوص الصحيحة صفات الملائكة الخَلقية والُخلُقية، ثم نتحدث عن القدرات التي وهبهم الله إياها.
المبحث الأول
الصفات الخلقية وما يتعلق بها
المطلب الأول
مادة خلقهم ووقته
إنّ المادة التي خلقوا منها هي النور؛ ففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ وعن أبيها: أن رسول الله ﷺ قال: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم) . (١)
ولم يبين لنا رسول الله ﷺ أي نور هذا الذي خلقوا منه، ولذلك فإننا لا نستطيع أن نخوض في هذا الأمر لمزيد من التحديد؛ لأنه غيب لم يرد فيه ما يوضحه أكثر من هذا الحديث.
وما روي عن عكرمة أنه قال: (خلقت الملائكة من نور العزة، وخلق إبليس من نار العزة)، وما روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: (خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر)، لا يجوز الأخذ به، وعلى فرض صحته عن هؤلاء العلماء الأفاضل فهم غير معصومين، ولعلهم قد استقوه من الإسرائيليات. (٢)
(١) صحيح مسلم: ٤/٢٢٩٤. ورقمه: ٢٩٩٦. وبعض الذين ينسبون إلى العلم يردون هذا الحديث وأمثاله زاعمين أنه حديث آحاد، وأن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، وقد ناقش أ. د. عمر الأشقر هذا القول وبين بطلانه في رسالة بعنوان: (أصل الاعتقاد) .
(٢) راجع سلسلة الأحاديث الصحيحة: ١/١٩٧.
1 / 9
وأما ما ذكره ولي الله الدهلوي من: " أن الملأ الأعلى ثلاثة أقسام:
قسم علم الحقُّ أن نظام الخير يتوقف عليهم، فخلق أجسامًا نورية بمنزلة نار موسى، فنفخ فيها نفوسًا كريمة.
وقسم اتفق حدوث مزاج في البخارات اللطيفة من العناصر استوجب فيضان نفوس شاهقة شديدة الرفض؛ (أي الترك) للألواث البهيمية.
وقسم هم نفوس إنسانية قريبة المأخذ من الملأ الأعلى، ما زالت تعمل أعمالًا منجية تفيد اللحوق بهم، حتى طرحت عنها جلايب أبدانها، فانسلكت في سلكهم، وعدّت منهم " (١) . فلا يوجد دليل صحيح يدل على صحة هذا التقسيم بهذا التفصيل والتحديد.
ولا ندري متى خُلقوا، فالله - سبحانه - لم يخبرنا بذلك، ولكننا نعلم أنّ خلقهم سابق على خلق آدم أبي البشر، فقد أخبرنا الله أنه أعلم ملائكته أنه جاعل في الأرض خليقة: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة) [البقرة: ٣٠]، والمراد بالخليفة آدم ﵇، وأمرهم بالسجود له حين خلقه: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) [الحجر: ٢٩] .
رؤية الملائكة:
ولما كانت الملائكة أجسامًا نورانية لطيفة، فإن العباد لا يستطيعون رؤيتهم، خاصة أن الله لم يعط أبصارنا القدرة على هذه الرؤية.
ولم ير الملائكة في صورهم الحقيقية من هذه الأمة إلا الرسول ﷺ، فإنه رأى جبريل مرتين في صورته التي خلقه الله عليها، وقد دلت النصوص على أن البشر يستطيعون رؤية الملائكة، إذا تمثل الملائكة في صورة بشر.
المطلب الثاني
عِظَم خلقهم
قال الله تعالى في ملائكة النار: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون) [التحريم: ٦] .
وسأكتفي بسوق الأحاديث التي تتحدث عن ملكين كريمين فحسب.
(١) الحجة البالغة: ص ٣٣.
1 / 10
١-عِظم خلق جبريل ﵇:
رأى رسول الله ﷺ جبريل ﵇ على صورته الملائكية التي خلقه الله عليها مرتين، هما المذكورتان في قوله تعالى: (ولقد رآه بالأفق المبين) [التكوير: ٢٣]، وفي قوله: (ولقد رآه نزلةً أخرى - عند سدرة المنتهى - عندها جنة المأوى) [النجم: ١٣-١٥]، عندما عرج به إلى السموات العلا.
وقد ورد في صحيح مسلم: أن عائشة ﵂ سألت الرسول ﷺ عن هاتين الآيتين فقال ﷺ: (إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين.
رأيته منهبطًا من السماء، سادًّا عِظَمُ خَلْقه ما بين السماء إلى الأرض) (١) .
وسئلت عائشة ﵂ عن قوله تعالى: (ثم دنا فتدلَّى) [النجم: ٨]، فقالت: " إنما ذلك جبريل ﵇، كان يأتيه في صورة الرجال، وإنه أتاه في هذه المرة في صورته، التي هي صورته، فسدّ أفق السماء " (٢) .
وورد في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود أنه قال: " رأى محمد ﷺ جبريل له ستمائة جناح " (٣) .
وقال ابن مسعود أيضًا في قوله تعالى: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) [النجم: ١٨] " أي رفرفًا أخضر قد سدّ الأفق " (٤) . وهذا الرفرف الذي سدّ الأفق هو ما كان عليه جبريل، فقد ذكر ابن حجر أن النسائي والحاكم رويا من طريقهما عن ابن مسعود قال: " أبصر نبي الله ﷺ جبريل ﵇ على رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض " (٥) .
وذكر ابن حجر أن ابن مسعود قال في رواية النسائي: " رأى محمد ﷺ جبريل له ستمائة جناح قد سدّ الأفق " (٦) .
وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: " رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته، وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد سدّ الأفق. يسقط من جناحه التهاويل (٧) من الدرر واليواقيت ".
قال ابن كثير في هذا الحديث: " إسناده جيد " (٨) .
وقال في وصف جبريل: (إنه لقول رسولٍ كريمٍ - ذي قوةٍ عند ذي العرش مكينٍ - مُّطاعٍ ثم أمينٍ) [التكوير: ١٩-٢١]، والمراد بالرسول الكريم هنا: جبريل، وذي العرش: رب العزة سبحانه.
٢-عِظم خلقه حَمَلة العرش:
روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أُذن لي أن أُحدِّث عن ملك من ملائكة الله، من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام) (٩) .
ورواه ابن أبي حاتم وقال: (تخفق الطير) . قال محقق مشكاة المصابيح: " إسناده صحيح " (١٠) .
وروى الطبراني في معجمه الأوسط بإسناد صحيح عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: (أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش، رجلاه في الأرض السفلى، وعلى قرنه العرش، وبين شحمة أذنيه وعاتقه خفقان الطير سبعمائة عام، يقول ذلك الملك: سبحانك حيث كنت) (١١) .
(١) صحيح مسلم: ١/١٥٩. ورقم الحديث: ١٧٧.
(٢) صحيح مسلم: ١/١٦٠. ورقمه: ١٧٧.
(٣) صحيح البخاري: ٨/٦١٠. ورقمه: ٤٨٥٦، ٤٨٥٧.
(٤) صحيح البخاري: ٨/٦١١. ورقمه: ٤٨٥٨.
(٥) فتح الباري: ٨/٦١١.
(٦) فتح الباري: ٨/٦١١.
(٧) التهاويل: الأشياء المختلفة الألوان.
(٨) البداية والنهاية: ١/٤٧.
(٩) صحيح سنن أبي داود: ٣/٨٩٥. ورقمه: ٩٣٥٣.
(١٠) مشكاة المصابيح: ٣/١٢١. وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، حديث رقم: ١٥١.
(١١) صحيح الجامع الصغير. الطبعة الثالثة: ١/٢٠٨. ورقمه: ٨٥٣.
1 / 11
المطلب الثالث
أهم الصفات الخَلقية
أولًا: أجنحة الملائكة:
للملائكة أجنحة كما أخبرنا الله تعالى، فمنهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، أو أربعة، ومنهم من له أكثر من ذلك: (الحمد لله فاطر السَّماوات والأرض جاعل الملائكة رسلًا أولي أجنحةٍ مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إنَّ الله على كل شيءٍ قدير ٌ) [فاطر: ١] .
والمعنى أن الله جعلهم أصحاب أجنحة، بعضهم له جناحان، وبعضهم له ثلاثة أو أربعة، أو أكثر من ذلك.
وقد سبق ذكر الأحاديث التي يخبر فيه الرسول ﷺ أن لجبريل ستمائة جناح.
ثانيًا: جمال الملائكة:
خلقهم الله على صور جميلة كريمة قال تعالى في جبريل: (علَّمه شديد القوى - ذو مرةٍ فاستوى) [النجم: ٥-٦] . قال ابن عباس: (ذو مرة): ذو منظر حسن، وقال قتادة: ذو خَلْقٍ طويل حسن. وقيل: ذو مرة: ذو قوة. ولا منافاة بين القولين، فهو قوي وحسن المنظر.
وقد تقرر عند الناس وصف الملائكة بالجمال، كما تقرر عندهم وصف الشياطين بالقبح، ولذلك تراهم يشبهون الجميل من البشر بالملك، انظر إلى ما قالته النسوة في يوسف الصديق عندما رأينه: (فلما رأينه أكبرنه وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وقلن حاش لله ما هذا بشرًا إن هذا إلا ملكٌ كريمٌ) [يوسف: ٣١] .
ثالثًا: هل بين الملائكة والبشر شبه في الشكل والصورة:
روى مسلم في صحيحه، والترمذي في سننه عن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (عُرض عليَّ الأنبياء، فإذا موسى ضرب من الرجال (١)، كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ابن مريم، فإذا أقرب من رأيت به شبهًا عروة بن مسعود، ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه، فإذا أقرب من رأيت به شبهًا صاحبُكم، (يعني نفسه) .
(١) الضرب من الرجال: هو الرجل المتوسط في كثرة اللحم وقلته. وقيل: الخفيف اللحم.
1 / 12
ورأيت جبريل ﵇، فإذا أقرب من رأيت به شبهًا (دحية) وفي رواية: (دحية بن خليفة) (١) .
فهل هذا الشبه كائن بين صورة جبريل الحقيقية وصورة دحية الكلبي، أم هو بين الصورة التي يكون بها جبريل عندما يتمثل في صورة بشر؟ ! الأرجح هذا الأخير؛ لما سيأتي أن جبريل كان يتمثل في صورة دحية كثيرًا.
رابعًا: تفاوتهم في الخلق والمقدار:
الملائكة ليسوا على درجة واحدة في الخلق والمقدار، فبعض الملائكة له جناحان، وبعضهم له ثلاثة، وجبريل له ستمائة جناح، ولهم عند ربهم مقامات متفاوتة معلومة: (وما منَّا إلاَّ له مقامٌ معلومٌ) [الصافات: ١٦٤] .
وقال في جبريل: (إنَّه لقول رسولٍ كريمٍ - ذي قوةٍ عند ذي العرش مكينٍ) [التكوير: ١٩-٢٠]؛ أي له مكانة ومنزلة عالية رفيعة عند الله.
وأفضل الملائكة هم الذين شهدوا معركة بدر، ففي صحيح البخاري عن رفاعة بن رافع: أن جبريل جاء للنبي ﷺ فقال: (ما تعدّون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين، أو كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة) (٢) .
خامسًا: لا يوصفون بالذكورة والأنوثة:
من أسباب ضلال بني آدم في حديثهم عن عوالم الغيب أن بعضهم يحاول إخضاع هذه العوالم لمقاييسه البشرية الدنيوية، فنرى أحدًا من هؤلاء يعجب في مقال له من أن جبريل كان يأتي الرسول ﷺ بعد ثوان من توجيه سؤال إلى الرسول ﷺ يحتاج إلى جواب من الله، فكيف يأتي بهذه السرعة الخارقة، والضوء يحتاج إلى ملايين السنوات الضوئية؛ ليصل إلى بعض الكواكب القريبة من السماء.
(١) صحيح مسلم: ١/١٥٣. ورقمه: ١٦٧.
(٢) رواه البخاري: ٧/٣١٢. ورقمه: ٣٩٩٢.
1 / 13
وما درى هذا المسكين أن مثله كمثل بعوضة، تحاول أن تقيس سرعة الطائرة بمقياسها الخاص، لو تفكر في الأمر، لعلم أن عالم الملائكة له مقاييس تختلف تمامًا عن مقاييسنا نحن البشر.
ولقد ضلّ في هذا المجال مشركو العرب الذين كانوا يزعمون أن الملائكة إناث، واختلطت هذه المقولة المجافية للحقيقة عندهم بخرافة أعظم وأكبر؛ إذ زعموا أن هؤلاء الإناث بنات الله.
وناقشهم القرآن في هاتين القضيتين، فبين أنهم - فيما ذهبوا إليه - لم يعتمدوا على دليل صحيح، وأن هذا القول قول متهافت، ومن عجب أنهم ينسبون لله البنات، وهم يكرهون البنات، وعندما يبشر أحدهم أنه رزق بنتًا يظل وجهه مسودًا وهو كظيم، وقد يتوارى من الناس خجلًا من سوء ما بُشر به، وقد يتعدى هذا المأفون طوره، فيدس هذه المولودة في التراب، ومع ذلك كله ينسبون لله الولد، ويزعمون أنهم إناث، وهكذا تنشأ الخرافة، وتتفرع في عقول الذين لا يتصلون بالنور الإلهي.
استمع إلى الآيات التالية تحكي هذه الخرافة وتناقش أصحابها: (فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون - أم خلقنا الملائكة إناثًا وهم شاهدون - ألا أنهم من إفكهم ليقولون - ولد الله وإنَّهم لكاذبون - أَصْطَفَى البنات على البنين - ما لكم كيف تحكمون - أفلا تذكرون - أم لكم سلطانٌ مبينٌ) [الصافات: ١٤٩-١٥٦] .
وقد جعل الله قولهم هذا شهادة سيحاسبهم عليها، فإن من أعظم الذنوب القول على الله بغير علم: (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرَّحمن إناثًا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون) [الزخرف: ١٩] (١) .
(١) ومن هنا يجب أن يحذر المسلم في أن يتقول في مثل هذه الأمور بلا علم، فهؤلاء الذين يزعمون أن أصل الإنسان حيوان: قرد، أو غيره، يقال لهم القول نفسه: (أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم)، والله يقول: (ما أشهدتهم خلق السَّماوات والأرض ولا خلق أنفسهم) [الكهف: ٥١] .
1 / 14
سادسًا: لا يأكلون ولا يشربون:
أشرنا من قبل أنهم لا يوصفون بالذكورة والأنوثة، وكذلك هم لا يحتاجون إلى طعام البشر وشرابهم، فقد أخبرنا الله أن الملائكة جاؤوا إبراهيم في صورة بشر، فقدّم لهم الطعام، فلم تمتد أيديهم إليه، فأوجس منهم خيفة، فكشفوا له عن حقيقتهم، فزال خوفه واستغرابه: (هل أَتَاكَ حديث ضيف إبراهيم المكرمين - إذ دخلوا عليه فقالوا سلامًا قال سلامٌ قومٌ منكرون - فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمينٍ - فقرَّبه إليهم قال ألا تأكلون - فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشَّروه بغلامٍ عليم ٍ) [الذاريات: ٢٤-٢٨] .
وفي آية أخرى قال: (فلمَّا رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خِيفَةً قالوا لا تخف إنَّا أرسلنا على قوم لوطٍ) [هود: ٧٠] .
ونقل السيوطي عن الفخر الرازي: أن العلماء اتفقوا على أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناكحون (١) .
سابعًا: لا يملّون ولا يتعبون:
والملائكة يقومون بعبادة الله وطاعته وتنفيذ أوامره، بلا كلل ولا ملل، ولا يدركهم ما يدرك البشر من ذلك، قال تعالى في وصف الملائكة: (يسبحون الليل والنهار لا يفترون) [الأنبياء: ٢٠] .
ومعنى لا يفترون: لا يضعفون. وفي الآية الأخرى: (فالَّذين عند ربك يسبحون له بالَّليل والنَّهار وهم لا يسأمون) [فصلت: ٣٨] تقول العرب: سئم الشيء، أي: ملّه.
وقد استدل السيوطي بقوله: (لا يفترون) على أن الملائكة لا ينامون، ونقله عن الفخر الرازي (٢) .
ثامنًا: منازل الملائكة:
منازل الملائكة ومساكنها السماء، كما قال تعالى: (تكاد السَّماوات يتفطَّرن من فوقهنَّ والملائكة يسبحون بحمد ربهم) [الشورى: ٥] .
وقد وصفهم الله تعالى بأنهم عنده: (فإن استبكروا فالَّذين عن ربك يسبحون له بالَّليل والنَّهار وهم لا يسأمون) [فصلت: ٣٨] .
(١) الحبائك في أخبار الملائك: ص ٢٦٤.
(٢) الحبائك في أخبار الملائك: ص ٢٦٤.
1 / 15
وينزلون إلى الأرض بأمر الله لتنفيذ مهمات نيطت بهم، ووكلت إليهم: (وما نتنزَّل إلاَّ بأمر ربك) [مريم: ٦٤] . ويكثر نزولهم في مناسبات خاصة كليلة القدر: (ليلة القدر خيرٌ من ألف شهرٍ - تنزَّلُ الملائكة والرُّوح فيها بإذن ربهم من كل أمر) [القدر: ٣-٤] .
تاسعًا: أعداد الملائكة:
الملائكة خلق كثير لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم: (وما يعلم جنود ربك إلاَّ هو) [المدثر: ٣١] .
وإذا أردت أن تعلم كثرتهم، فاسمع ما قاله جبريل عن البيت المعمور، عندما سأله الرسول ﷺ عنه عندما بلغه في الإسراء: (هذا البيت المعمور يصلي فيه في كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم) (١) .
وفي صحيح مسلم عن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: (يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) (٢) . فعلى ذلك فإن الذين يأتون بجهنم يوم القيامة أربعة مليارات وتسعمائة مليون ملك.
وإذا تأملت النصوص الواردة في الملائكة التي تقوم على الإنسان علمت مدى كثرتهم، فهناك ملك موكل بالنطفة، وملكان لكتابة أعمال كل إنسان، وملائكة لحفظه، وقرين ملكي لهدايته وإرشاده.
عاشرًا: أسماء الملائكة:
للملائكة أسماء، ونحن لا نعرف من أسماء الملائكة إلا القليل، وإليك الآيات التي ورد فيها أسماء بعض الملائكة:
١، ٢- جبريل وميكائيل:
قال تعالى: (قل من كان عدوًّا لجبريل فإنَّه نزله على قلبك بإذن الله
(١) رواه البخاري: ٦/١٠٣. ورقمه: ٣٢٠٧. ورواه مسلم: ١/١٤٦. ورقمه: ١٦٢. واللفظ للبخاري.
(٢) صحيح مسلم: ٤/٢١٨٤. ورقمه: ٢٨٤٢.
1 / 16
مصدّقًا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين - من كان عدوًّا لله وملائكته ورسله وجبريل ووَمِيكَالَ فإنَّ الله عدوٌّ للكافرين) [البقرة: ٩٧-٩٨] .
وجبريل هو الروح الأمين المذكور في قوله تعالى: (نزل به الرُّوح الأمينُ - على قلبك لتكون من المنذرين) [الشعراء: ١٩٣-١٩٤] .
وهو الروح المعني في قوله: (تنزَّل الملائكة والرُّوح فيها بإذن ربهم) [القدر: ٤] .
وهو الروح الذي أرسله إلى مريم: (فأرسلنا إليها روحنا) [مريم: ١٧] .
٣- إسرافيل:
ومن الملائكة إسرافيل الذي ينفخ في الصور.
وجبريل وميكائيل وإسرافيل هم الذين كان يذكرهم الرسول ﷺ، في دعائه عندما يستفتح صلاته من الليل: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) (١) .
٤- مالك:
ومنهم مالك خازن النار: (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربُّك قال إنَّكم مَّاكثون) [الزخرف: ٧٧] .
٥- رضوان:
قال ابن كثير: " وخازن الجنّة ملك يقال له رضوان، جاء مصرحًا به في بعض الأحاديث " (٢) .
٦، ٧- منكر ونكير:
ومن الملائكة الذين سماهم الرسول ﷺ منكر ونكير، وقد
(١) رواه مسلم عن عائشة أم المؤمنين: ١/٥٣٤. ورقمه: ٧٧٠.
(٢) البداية والنهاية: ١/٥٣.
1 / 17