The Science of Rhetoric: Stylistics, Expression, and Meanings

علوم البلاغة «البديع والبيان والمعاني»

Maison d'édition

المؤسسة الحديثة للكتاب

Édition

الأولى

Année de publication

٢٠٠٣ م

Lieu d'édition

طرابلس - لبنان

علوم البلاغة «البديع والبيان والمعاني»
تأليف
الدكتور محمد أحمد قاسم
الدكتور محيي الدين ديب
المؤسسة الحديثة للكتاب
طرابلس - لبنان

Page inconnue

مقدّمة
علوم البلاغة ثلاثة من علوم العربية تتداخل معها وتتكامل؛ إذ من شروط البلاغة «توخّي الدّقة في انتقاء الكلمات والأساليب على حسب مواطن الكلام ومواقعه وموضوعات من يكتب لهم أو يلقى إليهم» ومردّ البلاغة عموما إلى الذّوق. وتعنى الفصاحة بالمفرد عنايتها بالتركيب، لهذا روعيت قواعد الصرف والنحو والصوّت في سلامة النطق، وخلوّ المفرد من تنافر الحروف، وبعده عن الحوشيّة والغرابة ومخالفة القياس اللغوي. وكان من شروط فصاحة المركّب سلامته من ضعف التأليف، ومن التعقيد اللفظي والمعنوي، بهذا كلّه عدّت البلاغة أكمل علوم اللغة وأغناها وأدقّها فائدة.
نشأت هذه العلوم لخدمة النصّ القرآني المعجز الذي كان- ولا يزال- شغل الدارسين الشاغل؛ فهو النصّ الذي تحدّى بلاغة القوم فاحتاج إلى دراسات تشرح إعجازه، وتبيّن مجازه، وتجلو حقيقته وكناياته ولطيف إشاراته. من هنا هذا الكمّ من الكتب البلاغية التي تناولت النصّ الشريف ككتاب مجاز القرآن لأبي عبيدة، ومعاني القرآن للفرّاء، وكتاب تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة، وكتاب النكت في إعجاز القرآن للرمّاني، وكتاب بيان إعجاز القرآن للخطّابي، وكتاب إعجاز القرآن للباقلّاني، وآخر بالعنوان نفسه للقاضي عبد الجبّار، وصولا إلى كتاب دلائل الإعجاز للجرجاني. هكذا شغل القرآن الكريم الدارسين.
ولهذا جعل أبو هلال العسكري تعلّم البلاغة فرضا على من يريد التعرّف إلى بلاغة القرآن وإعجازه، وذهب إلى القول: «إن أحق العلوم بالتعلم، وأولاها بالتحفظ- بعد المعرفة بالله جل ثناؤه- علم البلاغة، ومعرفة الفصاحة، الذي به يعرف إعجاز كتاب الله».

1 / 5

من علوم البلاغة تتشكّل الصورة الفنّية في الشعر كما في النّثر.
لهذا كانت البلاغة زاد الناقد في عملية تفكيك النّصوص بحثا عن جماليّة الصورة وعناصر التخييل. والخطبة كالقصيدة لا تخلو من الصور الجمالية، يلجأ صاحبها إلى التحسين والتزيين شأن الشاعر الذي ينفر من المباشرة ويفزع إلى التشكيل الجميل.
من أجل هذا التكامل سلكنا في كتابنا هذا مسلكا خاصا؛ فقدّمنا مادّته من باب النقد، ولم نجعل التقعيد هدفا أسمى، بل سعينا إلى توظيف القاعدة في الكشف عن أسرار الصورة، وتبيّن عناصرها، وكشف جماليّتها لتقوية الذائقة الفنّية والنقدية عند المتلقّي. فالقاعدة لم تعد جسدا بلا روح بل جعلتها الأمثلة المشروحة جسما نابضا فاعلا من
طريق الاستقراء الذي يعمل على جلاء اللعبة الفنّية التي اعتمدها المبدع.
لهذا كلّه تميّز الكتاب بجملة من المزايا والصفات، نذكر منها:
أ. عنايته بالجانب التراثي من علوم البلاغة إذ لا يجوز أن يبقى الدرس البلاغي بمنأى عن جهود الروّاد الأوائل، وأن تبقى مصنّفاتهم مغيّبة عن أجيالنا.
ب. تأمين التواصل بين التراث والدراسات اللسانية الحديثة التي انتحت منحى جديدا في الكشف عن أسرار الصور البلاغية، فعمدنا إلى الاستفادة من هذه الدراسات بالقدر الذي يغني ولا يعقّد.
ج. احتفاله بالمصطلح البلاغي، إذ توقّف باستمرار عند حدّه اللغوي القاموسي فالاصطلاحي وربط بين الدلالتين محدّثا التحليل والتعليل معصرنا الدرس البلاغي.
د. وفرة شواهده المنتقاة بدقّة لتكون مختلفة مبنى ومعنى، ولنقع على ما يأسر الأسماع، ويخلب القلوب، ويحبّب بالدرس البلاغي. هذه الشواهد هي في الأساس أسّ الدراسة ومفتاحها. لقد حرصنا على تكثيفها لأنّ الشاهد البلاغي كالشاهد النحوي منطلق الدراسة. وكم

1 / 6

حاولنا جاهدين ألّا نكتفي بالشواهد التقليدية المستهلكة المبثوثة والمكرورة في معظم كتب البلاغة، إذا لم تكن فيها كلّها حتى باتت كمّا تراكميا يشبه أيّ منها الآخر إن لم يكن نسخة طبق الأصل عنه.
هذه الشواهد فيها من القديم المتداول والجديد المتفرّد في بابه.
وكانت النصوص في التمرينات آيات قرآنية أوّلا وأبياتا شعرية ثانيا. وكان تكثيفها هادفا إلى التطبيق المتكامل الذي يتناول الكلّي كما الجزئي من القاعدة. امتزج فيها التّليد بالطارف محاولين- قدر المستطاع- أن تكون نصوصا متماسكة ما وسعنا إلى ذلك.
هـ. تنمية الحسّ البلاغي والنّقدي من طريق وضع علوم البلاغة في خدمة النّص وكشف جمالية الصورة، لننسخ من أذهان الناس آليّة التمرينات البلاغية التي تكتفي بالتطبيق الجافّ وتهمل تأثير التركيب في جمالية الصورة. لهذا أولينا التحليل عنايتنا الفائقة وكشفنا عن نقاب المعاني، ودرّبنا القارئ على ولوج الصورة من باب الجمالية لا من باب القاعدة الجوفاء والتطبيق المتسرّع.
و. جمعه التطبيق إلى التنظير والتكافؤ ما بين النظري والعملي من حيث الأهمية والفائدة.
ز. التّخفّف من الفهارس التي تضخّم الكتاب من غير فائدة تذكر، والاكتفاء بفهرس المصادر والمراجع، وفهرس المحتويات.
وفي الختام، نرجو أن نكون قد قدّمنا فائدة تذكر لأجيالنا وأبناء لغتنا التي شرّفها الله تعالى عندما حمّلها وحيه إلى نبيّه المصطفى، وإنّنا نشهده على اجتهادنا الصادق في الحصول على الأجرين، ولكنّننا راضون بالأجر الواحد. إنّه نعم المولى ونعم النصير.
المؤلفان
طرابلس في ٢/ ٣ / ٢٠٠٣

1 / 7

١ - البلاغة في اللغة والاصطلاح:
١ - ١ - البلاغة لغة:
جاء في اللسان (بلغ): «بلغ الشيء يبلغ بلوغا وبلاغا: وصل وانتهى، ... وبلغت المكان بلوغا: وصلت إليه، وكذلك إذا شارفت عليه، ومنه قوله تعالى فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ البقرة: ٢٣٤ أي: قاربنه. وبلغ النّبت: انتهى.» وهكذا نرى أن الدلالة اللغوية تتمحور حول الوصول، أو مقاربة الوصول، والانتهاء إلى الشيء والإفضاء إليه.
وإذا عدنا إلى اللسان (بلغ)، وجدناه يقارب المعنى الاصطلاحي عند ما يقول: «والبلاغة: الفصاحة ... ورجل بليغ وبلغ وبلغ: حسن الكلام فصيحه يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه، والجمع بلغاء، وقد بلغ بلاغة أي: صار بليغا» وهكذا نرى أن المعنى الإضافي (حسن الكلام) مرتبط بالمعنى الحقيقي (الوصول والانتهاء) لأنّ الكلام الحسن يوصّل ما في قلب المتكلم إلى المتلقّي بعبارة لسانه المشرقة الواضحة.
١ - ٢ - البلاغة اصطلاحا:
جاء في معجم المصطلحات العربية (١) «هي مطابقة الكلام الفصيح لمقتضى الحال، فلا بدّ فيها من التفكير في المعاني الصادقة القيّمة القوية المبتكرة منسّقة حسنة الترتيب، مع توخّي الدقّة في انتقاء الكلمات والأساليب على حسب مواطن الكلام ومواقعه وموضوعاته وحال من يكتب لهم أو يلقى إليهم».

(١). معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، مجدي وهبه- كامل المهندس، مكتبة لبنان، ص ٤٥.

1 / 8

لم يكتف المعجم بتعريف البلاغة، بل تعدّاه إلى شروط تحققها في الشكل والمضمون لتكون آسرة لعقل المخاطبين، فاعلة في قلوبهم، شاملة للمواقف الكلامية التي يقفها المتكلّمون. وأضاف معجم المصطلحات العربية
إلى الشروط المتقدم ذكرها شرطا أهم بقوله «والذّوق وحده هو العمدة في الحكم على بلاغة الكلام» وهذا يعني أن تباين الأذواق يجعل الحكم على بلاغة الكلام أمرا نسبيا، وتصبح البلاغة بلاغات.
١ - ٣ - حدّ البلاغة في كتب التراث:
روى الجاحظ تعريفات القدامى من شعراء وكتّاب عندما سئلوا عن مفهوم البلاغة. ومن هذه التعريفات نذكر ما يأتي:
١ - ٣ - ١ - تفسير ابن المقفّع (ت ١٤٣ هـ):
وجاء فيه (١) «البلاغة: اسم جامع لمعان تجري في وجوه كثيرة؛
فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون جوابا، ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون شعرا، ومنها ما يكون سجعا وخطبا، ومنها ما يكون رسائل. فعامّة ما يكون من هذه الأبواب الوحي فيها، والإشارة إلى المعنى، والإيجاز، هو البلاغة».
لقد أحسن الجاحظ عند ما ذكر تفسير ابن المقفّع مستبعدا مصطلحي: الحدّ والتعريف؛ لأن ابن المقفع اكتفى بتقديم صفات البلاغة المتمثّلة في الإيجاز ومراعاة المقام. ولكن من حقّنا أن نتساءل عن علاقة السكوت والاستماع بالبلاغة. فبأي معيار نقيس بلاغة

(١). الجاحظ، البيان والتبيين، تحق عبد السلام هارون ١/ ١١٥ - ١١٦.

1 / 9

الصّمت؟ وإذا كان الصمت أبلغ من الكلام في بعض المواقف المؤثرة حزنا أو فرحا، فهل يصحّ أن يسمّى العجز عن الإبلاغ عمّا يعتمل في النفس بلاغة؟ ألا يحقّ لنا أن نسمّي الصمت آنئذ حسن تخلص ارتباطه بالبلاغة واه لأن في الصمت مساواة بين البليغ وغيره. فهل يجوز أن يستوي في عين البلاغة الأبكم والفصيح؟
١ - ٣ - ٢ - مفهوم (العتّابي ت ٢٢٠ هـ) للبلاغة:
روى الجاحظ عن صديق له سأل العتّابي قائلا (١): «ما البلاغة؟
قال: كلّ من أفهمك حاجته من غير إعادة، ولا حبسة، ولا استعانة فهو بليغ»
لقد اخترنا عمدا لفظ (مفهوم) لأننا رأينا أن العتّابي لم يعرّف البلاغة بقدر ما أعطى صفات البليغ. ألا يرى القارئ أن العتّابي سئل عن البلاغة فأجاب معرفا البليغ من المتكلّمين المبرّأ من العيّ والحبسة وفساد القول؟
ونترك للجاحظ نفسه شرح كلام العتّابي الذي جاء فيه (٢):
«والعتّابي حين زعم أن كل من أفهمك حاجته فهو بليغ لم يعن أن كل من أفهمنا من معاشر المولّدين والبلديين قصده ومعناه، بالكلام الملحون، والمعدول عن جهته، والمصروف عن حقه، أنه محكوم له بالبلاغة كيف كان بعد أن نكون قد فهمنا عنه» وكأن الجاحظ يقيّد الإفهام بالكلام الجاري على أنماط كلام الفصحاء من العرب.

(١). الجاحظ، البيان والتبيين ١/ ١١٣.
(٢). الجاحظ، البيان والتبيين ١/ ١٦١.

1 / 10

١ - ٣ - ٣ - حدّ البلاغة عند الرّماني (ت ٣٨٦ هـ):
قال الرّماني (١) «البلاغة: إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ» فالبلاغة تعني توصيل المعنى وتمكينه في قلوب المتلقين من طريق إلباسه الصورة الجميلة من اللفظ الذي يفتن الألباب.
وهكذا نرى أن المصطلح تطوّر في هذ التعريف ليكتسب خصوصية لم يكتسبها سابقا. فلم تعد البلاغة بأوصافها، بل أخذت تحديدا واضحا ودقيقا بقي متداولا في كتب اللاحقين، يضيفون عليه ولكنّهم حافظوا على كنهه وفحواه.
١ - ٣ - ٤ - أبو هلال العسكري (ت ٣٩٥ هـ) يتوسّع في تعريفها:
استعان العسكري بالدلالة اللغوية لفهم مصطلح البلاغة عند ما ذكر سبب التسمية قائلا: «سميّت البلاغة بلاغة لأنها تنهي المعنى إلى قلب السامع فيفهمه» (٢) ورأى أنها (٣) «من صفة الكلام لا من صفة المتكلّم ... وتسميتنا المتكلّم بأنه بليغ توسّع. وحقيقته أن كلامه بليغ».
وبعد توضيح الفصاحة معجميا ذهب إلى أن (٤) «الفصاحة والبلاغة ترجعان إلى معنى واحد وإن اختلف أصلاهما؛ لأن كل واحد منهما إنما هو الإبانة عن المعنى والإظهار له» ويستهل الفصل الثاني من الصناعتين بتعريف واف للبلاغة جاء فيه «البلاغة كل ما تبلّغ به المعنى قلب السامع، فتمكّنه في نفسه كتمكّنه في نفسك مع صورة مقبولة ومعرض حسن».

(١). الرّماني، النكت في اعجاز القرآن (ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، تحق: محمد خلف الله أحمد ومحمد زغلول عبد السلام، دار المعارف ط/ ٣ ص ٧٥ - ٧٦).
(٢). العسكري، كتاب الصناعتين، تحق البجّاوي- ابراهيم، ص ١٢.
(٣). م. ن. ص ١٢.
(٤). م. ن. ص ١٣.

1 / 11

وقد وجدنا في شرح هذا التعريف ما يمكن عدّه ردّا على تعريف ابن المقفّع. قال العسكري (١) «ومن قال: إن البلاغة إنما هي إفهام المعنى فقط، فقد جعل الفصاحة واللكنة والخطأ والصواب والإغلاق والإبانة سواء».
وإذا كان العسكري قد وقف الفصل الثاني لتعريفه الشخصي للبلاغة، فإنه قد جعل الفصل الثالث لتفسير ما جاء عن الحكماء والعلماء في حدود البلاغة. ثم وضع شروط اجتماع آلة البلاغة، وهي في ظنّه (٢) «جودة القريحة وطلاقة اللسان» ومن تمام آلات البلاغة ما يأتي (٣):
«التوسّع في معرفة العربية، ووجوه الاستعمال لها؛ والعلم بفاخر الألفاظ وساقطها، ومتخيّرها، ورديئها، ومعرفة المقامات، وما يصلح في كل واحد منها من الكلام» وقد شرح هذا القول بإسهاب فيما بعده من كلام متوقّفا عند الجزئيّات ليبسط فيها القول.
١ - ٣ - ٥ - مفهوم عبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧١ هـ) للبلاغة:
عقد الجرجاني في دلائل الإعجاز فصلا بعنوان (٤): «في تحقيق القول على البلاغة والفصاحة، والبيان والبراعة، وكل ما شاكل ذلك» مبيّنا فيه أن «لا معنى لهذه العبارات وسائر ما يجري مجراها ممّا يفرد فيه اللفظ بالنعت والصفة، وينسب فيه الفضل والمزيّة إليه دون المعنى غير وصف الكلام بحسن الدّلالة، وتمامها فيما له كانت دلالة، ثم تبرّجها في صورة هي أبهى وأزين، وآنق وأعجب، وأحقّ بأن تستولي على هوى النفس، وتنال الحظ الأوفر من ميل القلوب، وأولى بأن تطلق

(١). م. س. ص ١٦.
(٢). م. س. ص ٢٦.
(٣). م. س. ص ٢٧.
(٤). الجرجاني، دلائل الإعجاز، دار المعرفة، ص ٣٥.

1 / 12

لسان الحامد، وتطيل رغم الحاسد، ولا جهة لاستعمال هذه الخصال غير أن يؤتى المعنى من الجهة التي هي أصحّ
لتأديته، ويختار له اللفظ الذي هو أخص به، وأكشف عنه، وأتمّ له، وأحرى بأن يكسبه نبلا، ويظهر فيه مزية».
لقد قلنا مفهوم الجرجاني ولم نقل حدّه لأنه أعطى صفات مشتركة لكل من البلاغة والفصاحة والبراعة والبيان أوّلا، ولأنه لم يحدّد البلاغة تحديدا وافيا ثانيا. فالكلام يجب أن يكون شديد الدلالة على المعنى، ثم إنه من المستحسن أن يرصف في جملة أنيقة متبرّجة لتأتي فائقة الأناقة تبلغ الأسماع فتطربها بجرسها، وتأسرها بجمال وسحر ألفاظها. ولتأتي العبارة بهذه الصفات على صاحبها أن يتخيّر اللفظ الذي يؤدي المعنى ولا يقصّر عنه لأن الكلام الذي تقصّر فيه الألفاظ عن تأدية المعاني كاملة وبدقة متناهية ليس كلاما بليغا.
١ - ٣ - ٦ - موقف ابن سنان الخفّاجي (٤٢٢ - ٤٦٦ هـ):
ذهب ابن سنان في كتابه (سرّ الفصاحة) إلى أن القدامى لم يحدّوا البلاغة، (لم يعرّفوها) لأنهم اكتفوا برصد صفاتها، وقد تعقب تعريفات السابقين مستبعدا أن تكون محاولاتهم هذه حدودا للبلاغة فشرحها مبيّنا أنها مجرّد صفات وليست حدودا صحيحة في نظره.
ولكن ابن سنان لم يفرق بين الفصاحة والبلاغة، وذهبت جهوده في ذلك أدراج الرياح، فبعد أن رأى أن الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ، وأن البلاغة لا تكون إلا وصفا للألفاظ مع المعاني، فلا يقال عن كلمة مفردة إنها بليغة، ينتهي إلى تعريف للفصاحة جاء فيه (١):

(١) ابن سنان الخفّاجي، سر الفصاحة، تحق عبد المتعال الصعيدي، طبعة صبيح ص ٨٥.

1 / 13