The Reality of Servitude

حقيقة العبودية

Maison d'édition

مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة

Lieu d'édition

القاهرة

•
Régions
Égypte
حقيقة العبودية
طبعة جديدة
مجدي الهلالي

Page inconnue

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
ففي يوم من الأيام ذهب ثلاثة من الصحابة - رضوان الله عليهم - إلى بيوت أزواج النبي ﷺ ليسألوا عن عبادته حتى يحذوا حذوه، فلما أُخبروا بقدر تلك العبادة كأنهم تقالُّوها (أي اعتبروها قليلة)، وقالوا: أين نحن من النبي ﵊ وقد غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! ثم بدأ كل واحد منهم يتحدث عن عبادته، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر أبدًا ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا اعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ جاء إليهم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١).
هذا الحديث العظيم يعلمنا أن العبرة في سباق السائرين إلى الله ليست بكثرة عبادات الجوارح، بل العبرة بما في القلوب من معاني العبودية لله ﷿ «أما إني لأخشاكم لله وأتقاكم له».
وغني عن البيان أن عبادات الجوارح هي المظهر والشكل الذي من خلاله يُظهر ما في القلب من معاني العبودية لله ﷿ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].
فعبادات الجوارح على درجة بالغة من الأهمية كمظهر وشكل ينبغي الالتزام به في تقربنا إلى الله ﷿.
ومع ذلك؛ فإن الجهد الأكبر الذي ينبغي أن يُبذل في العبادة هو الاجتهاد في إظهار معاني العبودية لله ﷿ من خلالها؛ وكما أخبرنا سبحانه: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧].
إن السباق إلى الله ﷿ إنما هو سباق قلوب، والقلب الذي يسبق هو الذي يحوي القدر الأكبر من العبودية الحقيقية له سبحانه ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، ولقد جاء في الأثر: ما سبقكم أبو بكر بكثرة صلاة، ولا صيام، ولكن بشيء وقر في صدره ..
فإن كان الأمر كذلك: فما العبودية؟ وما حقيقتها؟ وما طريقها؟
هذا ما تُحاول - بإذن الله - الصفحات التي بين يديك - أخي القارئ - الإجابة عليه بصورة إجمالية.
نسأل الله ﷿ العون والتوفيق والسداد والتجاوز عن الزلات، إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢].

(١) متفق عليه: البخاري (٥/ ١٩٤٩، رقم ٤٧٧٦)، ومسلم (٢/ ١٠٢٠، رقم ١٤٠١).

1 / 1

الفصل الأول
معنى العبودية

1 / 2

معنى العبودية
كرَّم الله ﷿ الإنسان تكريمًا عظيمًا، وفضله على كثير من خلقه ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠].
هذا التكريم العظيم للإنسان يعكس مدى حب الله ﷿ له، ومنزلته عنده.
ولقد علمت الملائكة بهذه المنزلة فجعلت جزءًا من عبادتها: دعاءها واستغفارها للناس، وهي بذلك تريد التقرب إلى الله - سبحانه - وتطمع في نيل رضاه ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥].
ويزداد دعاؤهم واستغفارهم لمن لهم مكانة خاصة عنده - سبحانه - من البشر المؤمنين لعلمهم بحب الله لهم: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ* رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر: ٧ - ٩].
الجنة تنتظرك:
ومن أعظم الدلائل التي تؤكد على المنزلة الخاصة للبشر عند الله: إعداده - سبحانه - الجنة لتكون لهم دارًا أبدية .. يقيمون فيها إقامة دائمة بلا تعب ولا نصب ولا تكاليف يؤدونها .. بل نعيم مقيم لا يحول ولا يزول ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١].
ولقد جعل سبحانه دخول هذه الجنة مرتبطًا بالنجاح في اختبار يُعقد على ظهر الأرض لجميع البشر ..
جوهر هذا الاختبار: عبادته سبحانه بالغيب، والقيام بحقوق العبودية له: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١].
أحب الخلق إلى الله:
يلاحظ المتدبر لآيات القرآن أن الله ﷿ عندما يمتدح أحدًا من رسله وأنبيائه، فإنه سبحانه يصفه بوصف العبودية، كقوله تعالى عن نبيه داود: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:١٧].
وقوله تعالى عن سليمان: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٣٠].
وقد تكرر وصف رسولنا ﷺ بهذه الصفة ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١].
﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدً﴾ [الجن: ١٩]
معنى ذلك أن العبودية هي الصفة التي يحب الله ﷿ أن تتمثل في الإنسان: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص:٤٥ - ٤٧].
فأحب الخلق إليه - سبحانه - أكثرهم عبودية له.
جوهر العبودية:
العبد عكس الحر وهو المملوك لسيده، وأصل العبودية: الخضوع والتذلل (١) فالطريق «مُعَبَّد» إذا كان مذللا بكثرة الوطء (٢).
فالعبودية إذن صفة ينبغي أن يعيش المرء حقيقتها، وأن تُظهرها صورة تعامله مع ربه من ذل وانكسار وخضوع وافتقار، وطاعة وهيبة وإجلال، وتعلق تام به، وفوق هذا كله: حبٌ عظيمٌ له ..
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " فمن خضع لإنسان مع بغض له لا يكون عابدًا له، ولو أحب شيئا ولم يخضع له لم يكن له عابدًا" (٣).

(١) لسان العرب لابن منظور (٣:٢٧١) - دار صادر بيروت.
(٢) المصدر السابق.
(٣) العبودية لابن تيمية، ص (٣٤) - مكتبة دار الأصالة - الإسماعيلية - مصر.

1 / 3

تكوين الإنسان:
الله ﷿ يريد الخير لعباده جميعًأ ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، يريد لهم دخول الجنة ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٢١].
ولأن دخول الجنة مرتبط بالنجاح في اختبار العبودية؛ فقد خلق الله ﷿ الإنسان بطريقة وهيئة تعينه وتيسر له ارتداء رداء العبودية ومن ثمَّ النجاح في اختبارها، فجعل أصله من التراب ولم يجعله من معدن نفيس كالذهب والفضة، فالتراب هو أقل الأشياء وأوضعها ..
هذا التراب هو التربة التي ينمو فيها النبات فيأكل منه الإنسان، وينشأ من خلاصته المَني والذي من خلاله يتم التكاثر، ومن ثم يتكون الجنين الذي يصبح بعد ذلك ذكرًا أو أنثى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [فاطر:١١].
ولو نظر أحدنا إلى المنيّ واشتم رائحته لأعرض عنه ولعافه ولتقززت نفسه منه، وصدق الله العظيم: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات:٢٠].
هذا الأصل الحقير للإنسان من شانه أن يساعده على الاتصاف بصفة العبودية، فابن التراب والماء المهين ليس له أن يتكبر أو يتعالى أو يرفع رأسه أمام سيده وخالقه.
نظر مطرف بن عبد الله بن الشخير إلى المهلَّب بن أبي صُفرة وعليه حُلة يسحبها، ويمشي الخيلاء، فقال: يا أبا عبد الله، ما هذه المشية التي يبغضها الله ورسوله؟ فقال المهلَّب أما تعرفني؟ فقال: بل أعرفك: أولك نطفة مَذِرة، وآخرك جيفة قذرة، وحشوك فيما بين ذلك بول وعذرة (١).
ومع هذا الأصل الحقير؛ كان الحجم الصغير الذي ينسجم مع كونه عبدا: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧].
فلو كان الإنسان طويلًا .. أطول من الجبال والأشجار، لكان ذلك مدعاة لعلوه وتكبره: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء:٣٧].
الضعيف العاجز:
ومع الأصل الحقير، والحجم الصغير، فإن الضعف صفة أصيلة في الإنسان: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٨].
فمع أن كل ما في الأرض مخلوق للإنسان: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩]، إلا أنه ليس الأقوى فيها، فهناك من المخلوقات من هو أقوى منه في البنيان أو في التحمل أو في البطش.
وجوانب ضعف الإنسان كثيرة ومتعددة، فهو لا يمكنه أن يتحمل الألم ولا الجوع ولا العطش، بل إنه لا يستطيع مقاومة سلطان النوم فترة طويلة.
قوة إبصاره وسمعه وبطشه محدودة .. لا يمكنه أن يحمي نفسه من هجمة حيوان مفترس أو حتى لدغة حشرة صغيرة.
ضعيف أمام رغبات نفسه من حب للشهوات، ونفور من التكاليف والمشاق.
هذا الضعف المتعدد الجوانب من شأنه أن يجعله دوما بحاجة إلى مصدر للقوة يلجأ إليه ليحتمي به ويدفع عنه كل ما يثير مخاوفه ويعكر صفوه.
ولو تخيلنا أن الإنسان خُلق قويا .. أقوى من كل شيئ في الأرض، هل تظنه سيلجأ يوما إلى ربه يطلب منه العون والمدد؟! ولماذا يفعل ذلك وهو يرى قوته تحقق له ما يريد: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦، ٧].

(١) أدب الدنيا والدين للماوردي، ص (٢٣١) - دار الكتب العلمية - بيروت.

1 / 4

إن من رحمة الله بالناس وحبه لهم أن خلقهم ضعفاء وابتلاهم بالأمراض ليسهل عليهم القيام بالمهمة التي خُلقوا من أجلها، ومما يؤكد هذا المعنى ما حدث مع قوم عاد الذين ابتلاهم الله ﷿ بأن حباهم مزيدًا من القوة فأساءوا استخدامها، بل كانت وبالًا عليهم وجعلتهم ينسون حقيقتهم: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥].
ومع الضعف الشديد للإنسان، واحتياجه الدائم لقوة تحميه فإنه كذلك عاجز، لا يستطيع إنفاذ إرادته .. يريد أن ينام سريعا فلا يستطيع .. يريد أن يسهر فيغلبه النعاس .. يريد تذكر شيء ما فلا يتذكره .. يتمنى أن تلد زوجته ذكرًا فتلد أنثى ..
كل هذا ليستشعر مدى عجزه واحتياجه لمن بيده القدرة على فعل كل شيء، ومن يفعل ما يريد وقتما يريد فيستسلم له ويذعن بين يديه.
الجاهل الفقير:
ومن سمات الإنسان كذلك أنه جاهل بعواقب الأمور، وعدم علمه الغيب، ولا حتى ما سيحدث بعد جزء من الثانية .. فهو لا يدري حين ينام هل سيستيقظ أم لا، وإذا ما استيقظ هل يكون معافى أم مريضًا.
هل العملية الجراحية التي ستُجرى له ستنجح أم لا؟!
هل هذا الطعام الذي يأكله سيسبب له مرضا أم لا؟!
هل .. هل؟! ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤].
ومع عجزه وضعفه وجهله الملازم له، فهو كذلك لا يستطيع أن يتولى إدارة شئون جسمه وتدبير أموره ولو للحظة واحده.
فالقلب يحتاج إلى تعهد دائم ومطلق ليستمر في الخفقان وضخ الدم إلى جميع أنحاء الجسم، والدم يحتاج لأن يظل في درجة ما من السيولة لو انخفضت لحدثت جلطات وانسدت الشرايين، ولو زادت لحدث نزيف.
العضلات تحتاج دومًا إلى من يتعاهد انقباضها وانبساطها، ولو لم يحدث ذلك لشُل الجسم.
الرئتان .. الكليتان .. المخ .. جهاز الهضم والامتصاص .. جهاز الإخراج .. جهاز المناعة .. الغدد، بل كل خلية من خلايا الجسم البالغ عددها عدة تريليونات تحتاج إلى إمداد مستمر، وإلا توقفت عن العمل .. كل ذلك ينبغي أن يتم بصورة دائمة، فلو توقف إمداد المخ بالدم عدة دقائق لتوقفت الحياة، ولو تخلت الكليتان عن عملهما لتسمم الدم، ولو، ولو، ولو ... إلخ.
معنى ذلك أن الجسم يحتاج إلى من يقوم عليه ويمده بما يحفظه ويكفل له الاستمرار في وظائفه، ويدير عملياته الحيوية لينتج عن ذلك: نطق باللسان، ورؤية بالعين، وحركة بالأطراف، وهضم للطعام، وإخراج للفضلات، وشهيق وزفير، و...
ومن منا يقدر أن يقوم بذلك ولو للحظة واحدة، فنحن نضع اللقمة في الفم ولا ندري ماذا يجري لها داخل الجسم، ولو تُرك لنا هضمها وتوزيع خلاصتها وإخراج فضلاتها لما استطعنا أبدًا.
إننا بحاجة إلى من يقوم بإدارة شئون أجسادنا وإمدادها بما يصلحها، ويحافظ عليها، وذلك دونما توقف ليلًا أو نهارًا بل ولا لحظة واحدة، ويستوي في ذلك جميع البشر، القوي منهم والضعيف .. الغني والفقير .. الصغير والكبير.
لا يملك شيئا:
وبالإضافة إلى هذا كله، فلقد خلق الله ﷿ الإنسان ولم يعطه أي ملك ذاتي ولو مثقال ذرة، فنحن جميعًا ملك لله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦]، وما عندنا من أموال وأولاد وأثاث و... فهي ملك له سبحانه، وهبها لنا في حياتنا الدنيا ثم يؤول كل شيء إليه بعد ذلك ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [مريم:٤٠].
فكل ما تراه عيناك ليس له إلا مالك واحد هو الله ﷾ ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٩١].

1 / 5

وبالإضافة إلى عدم وجود أي شيء يملكه الإنسان ملكا حقيقيا، فلقد خلقه الله بلا قوة ذاتية مهما صغرت، فالقوة كلها لله يمنح جزءا منها للناس ويسلبها منهم متى شاء: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:١٦٥].
وكذلك القدرة، فالله على كل شيء قدير، أما الإنسان فلا يقدر على شيء إلا بما قدره له ربه، فلا يمكن له أن يخلق ولو ذبابة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣].
فلا ملكًا ذاتيًا، ولا قوة أو قدرة ذاتية للإنسان، ولا صلاحية له في هذا الكون تجعله يستطيع أن يضر أحدًا، أو ينفعه إن أراد ذلك .. وهذا الأمر ينطبق على جميع الخلق بمن فيهم الرسل والأنبياء .. تأمل معي قوله سبحانه لرسوله الحبيب محمد ﷺ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨].
ومما يؤكد هذا المعنى ما حدث لزوجتي نوح ولوط ﵉: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم:١٠].
هذه هي حقيقتك:
هذه هي حقيقتك أيها الإنسان: أصلك حقير، حجمك صغير، جاهل بالغيب وعواقب الأمور، ضعيف تحتاج إلى قوة تحميك، عاجز لا تستطيع إنفاذ إرادتك .. فقير فقرًا مطلقًا وذاتيًا، تحتاج دومًا إلى من يقيم حياتك، ليس لك من الأمر شيء .. لا تملك شيئا .. لا قوة لك .. لا قدرة لك .. فأنت لا شيء ولن تكون شيئًا بدون ربك، ولقد خلقك الله ﷿ بهذه السمات رحمة بك، لكي يسهل عليك ارتداء رداء العبودية له سبحانه، ومن ثَمَّ تنجح في الاختبار وتدخل الجنة. وكيف لا وأنت بهذه الصفات تحتاج دوما إلى من يحميك، ويطعمك ويسقيك .. بحاجة إلى من تعتمد عليه في تصريف أمورك .. بحاجة إلى من يعلم ما خفي عنك فيوجهك لما فيه مصلحتك .. بحاجة إلى من يمدك بالقوة والقدرة والمال والصحة والولد و.. والذي يملك هذا كله هو الله وحده لا شريك له، فله ملك السماوات والأرض، وهو على كل شيء قدير، ومحيط، وعليم .. يعلم ما بين أيدينا وما خلفنا .. يصحبنا في حلنا وترحالنا .. قريب مجيب .. يحبنا ويريد لنا الخير، وينتظر منا التفاتة صادقة إليه ليقبل علينا ويصلح شأننا: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٤٣].
تأمل معي قوله سبحانه في الحديث القدسي: " يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم .. " (١).
فإن كنا جميعا لا نساوي شيئا بدون الله، وأنه لا يوجد مصدر يمدنا بالحياة والقوة والهداية والعصمة سواه فماذا عسانا أن نفعل معه؟! وما هي الصورة الصحيحة التي ينبغي علينا أن نعامله بها؟!!
أليس من الطبيعي أن نتذلل دومًا له، ونظهر له سبحانه عظيم فقرنا واحتياجنا له؟!
ألا ينبغي أن نتمسكن بين يديه، ونعترف أمامه بمدى حقارتنا، وضعفنا، وعجزنا، وأننا لا شيء بدونه؟!
لقد كان هذا بالفعل حال الرسل والأنبياء مع ربهم .. كانوا يعيشون في حقيقة عبوديتهم بكل ما تحمله هذه الحقيقة من معان .. تأمل معي ما قاله رسولنا الكريم ﷺ في دعائه لربه عشية عرفة:

(١) رواه مسلم (٢٥٧٧).

1 / 6

" أنا البائس الفقير، المستغيث، المستجير، الوجل، المشفق، المقر، المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، دعاء من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عيناه، وذل لك جسده، ورغم أنفه لك " (١).
وهذا إبراهيم ﵇ يقول لأبيه: ﴿وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الممتحنة:٤].
وتأمل معي ما قاله نوح ﵇ لربه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود:٤٧].
أما هذا الموقف الذي حدث مع موسى ﵇ فهو موقف يظهر مدى شعوره بحقيقته كعبد يتصرف فيه مولاه كيفما شاء: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ [الأعراف:١٥٥].
وتأمل حال يوسف الصديق وهو يناجي ربه ويسأله العون على كيد النسوة: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣].
هذا العبد الصالح ماذا قال لربه عندما مكنه في الأرض: ﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١].
العبودية والفطرة:
من فضل الله على عباده أن جعل معاني العبودية مركوزة فيهم، ومهما حاول المرء إظهار استغنائه عن ربه، ومهما اغتر بما حباه الله ﷿ من إمكانات إلا أنه يظهر على حقيقته كعبد ضعيف أمام الشدائد .. حينئذ تراه يتجه بكليته إلى الله يطلب منه النجاة والحماية: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس:٢٢].
فالشدائد والابتلاءات رحمة من الله ﷿ بالناس، ووسيلة يأخذهم بها إلى حظيرة العبودية: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام:٤٢].
السعادة الحقيقية:
من هنا ندرك سر شعور الإنسان الذي لا يعيش في حقيقة العبودية بأن هناك شيئا ما ينقصه مهما كان معه من إمكانات.
فتجده كثيرًا ما يمر بلحظات يتملكه فيها الخوف من المستقبل المجهول، خاصة على أولاده من بعده.
في صدره ضيق ووحشة مهما بدا عليه من مظاهر الفرح والسعادة ..
تأتيه أوقات يشعر فيها بضعفه وعجزه واحتياجه إلى قوة تحميه ..
هذه الأمور لا يمكن للإنسان أن يتغلب عليها، أو إغلاق الأبواب دونها بالأسباب المادية، ولو أُوتي مالًا مثل مال قارون، أو قوة وسلطانًا بلا حدود، بل إن هذه الأمور ستزيده شعورًا بالوحشة والاضطراب وعدم الأمان.

(١) رواه الطبراني عن ابن عباس. قال الشيخ الألباني: (ضعيف)، انظر حديث رقم: ١١٨٦ في ضعيف الجامع.

1 / 7

فلا سبيل لحدوث السلام الداخلي، والشعور بالسعادة والطمأنينة والسكينة إلا من خلال العيش في حقيقة العبودية والتجلبب بجلبابها، ولِمَ لا ومن خلالها يشعر المرء بالأمان وهو يعيش في كنف ربه المقتدر الذي يملك كل شيء، ويقدر على فعل أي شيء يريده، ويستطيع أن يحفظه من كل سوء، ويؤمن مخاوفه، ويحميه ويستره: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢، ٦٣].
فعلى سيبل المثال: الخوف على مستقبل الأولاد وهو أمر يتملك مشاعر الكثير من الناس فيجعل كل همهم جمع المال ليؤمنوا لأولادهم مستقبلهم .. هذا الخوف لا يتملك من يرتدي رداء العبودية لله ﷿، وكيف يتملكه وقد طمأنه ربه وقال له: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء:٩].
وما دام العيد يوقن أن الله هو الذي يكفل الجميع ويكلؤهم بالليل والنهار ففيم الخوف؟!
ويؤكد ابن القيم على هذا المعنى فيقول: ففي القلب شَعْث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته.
وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته.
وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار إليه.
وفيه فاقه لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له، ولو أُعطي الدنيا وما فيها لم يسد تلك الفاقة منه أبدًا (١).
عجزي كنزي:
معنى ذلك أن خير أوقات المرء هي تلك الأوقات التي يحدث فيها سلام داخلي بين جوهر حقيقته كعبد وبين ما يعيشه من معاني العبودية ..
يقول ابن عطاء: خير أوقاتك وقت تشهد فيه وجود فاقتك، وترد فيه إلى وجود ذلتك.
وفي نفس المعنى يقول ابن تيمية: من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية.
فبالعبودية يدخل المرء جنة الدنيا ونعيمها الذي لا يشبهه أي نعيم آخر.
يقول ابن القيم: فمحبة الله تعالى، ومعرفته، ودوام ذكره، والسكون إليه، والطمأنينة إليه، وإفراده بالحب، والخوف، والرجاء، والتوكل، والمعاملة، بحيث يكون هو وحده المستولي على هموم العبد وعزماته، وإرادته، هو جنة الدنيا، والنعيم الذي لا يشبهه نعيم، وقرة عين المحبين، وحياة العارفين.
ويحكي عن شيخه - ابن تيمية - أنه قال مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أني رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
ويستطرد ابن القيم قائلا: وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشا، وأشرحهم صدرا، وأقواهم قلبا، وأسرهم نفسا، تلوح نضرة النعيم على وجهه.
فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم والمسابقة إليها (٢).

(١) تهذيب مدارج السالكين، ص (٥٦٦، ٥٦٧).
(٢) الوابل الصيب، ص (٩٦ - ٩٨) بتصرف - مكتبة المؤيد - الرياض.

1 / 8

وفي كتابه - مقومات التصور الإسلامي - يؤكد سيد قطب ﵀ على هذا المعنى فيقول: إن الطمأنينة إلى الله، بعد معرفته بصفاته كما يعرضها القرآن، لا تعدلها طمأنينة، ولا يعدلها شيء من أشياء هذه الدنيا، وإنه لتمر بالإنسان أحداث ولحظات يشعر فيها بقيمة هذه المعرفة شعورًا كاملًا واضحًا عميقًا، ولكنه قد ينسى أو يغفل حتى تذكره تلك اللحظات والأحداث! وإن الرضا والأنس والبشاشة والتوجه والطمأنينة والثقة والراحة التي تسكبها تلك المعرفة لأمور تذاق ولا توصف، وأقرب ما يصورها المنهج القرآني في مثل تلك الإشارات:
﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
أهمية العبودية:
إن العبودية هي الحالة التي يحب الله ﷿ أن يراها متمثلة في عباده، وعلى قدر تمثلها فيهم يكون رضاه عنهم، وقربه منهم.
ومما يؤكد هذا المعنى قوله ﷺ: " ما من حالة يكون العبد عليها أحب إلى الله من أن يراه ساجدا يُعفر وجهه في التراب " (١).
بل إن أي وقت يحدث فيه للعبد انكسار فإن الله ﷿ يعامله في هذا الوقت معاملة خاصة، فالمريض - على سبيل المثال - يكسره المرض، لذلك تجده - سبحانه - قريبًا منه، بل ويحثنا على عيادته للتخفيف عنه كما جاء في الحديث: «أن الله ﷿ يقول يوم القيامة: يابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يارب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلان مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ..» (٢).
يقول ابن القيم: (وهذا - والله أعلم - هو السر في استجابة دعوة الثلاثة: المظلوم والمسافر والصائم، للكسرة التي في قلب كل واحد منهم. فإن غربة المسافر وكسرته مما يجد العبد في نفسه، وكذلك الصوم فإنه يكسر سَوْرَة النفس السبعية الحيوانية ويذلها) (٣).
ومما يؤكد أن العبودية من ذل وانكسار، وخضوع وتواضع هي الحالة التي يحبها الله ﷿ من العبد ما حدث للمرأة البغي التي سقت الكلب الظمآن وما تلا ذلك من مغفرة الله لها. فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " بينما كلب يطيف بركية كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها فسقته، فغُفر لها به " (٤).
(فما قام بقلب البغيّ التي رأت الكلب وقد اشتد به العطش يأكل الثرى ما حملها على أن غررت بنفسها في نزول البئر، وملء الماء في خفها ولم تعبأ بتعرضها للتلف، وحملها خفها بفيها، وهو ملآن، حتى أمكنها الرقي من البئر، ثم تواضعها لهذا المخلوق التي جرت عادة الناس بضربه، فأمسكت له الخف بيدها حتى شرب، من غير أن ترجو منه جزاء ولا شكورا. فأحرقت أنوار هذا القدر من التوحيد ما تقدم منها من البغاء، فغفر لها) (٥).
من هنا ندرك قول أحد الصالحين: دخلت على الله من أبواب الطاعات كلها، فما دخلت من باب إلا رأيت عليه الزحام. فلم أتمكن من الدخول، حتى جئت باب الذل والافتقار، فإذا هو أقرب باب إليه وأوسعه، ولا مزاحم فيه ولا معوق .. فما هو إلا أن وضعت قدمي في عتبته، فإذا هو - سبحانه - قد أخد بيدي وأدخلني عليه.
وكذلك قول أحدهم: لا طريق أقرب إلى الله من طريق العبودية (٦).

(١) رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن.
(٢) أخرجه مسلم (٤/ ١٩٩٠، رقم ٢٥٦٩).
(٣) تهذيب مدارج السالكين، ص (١٦٩ - ١٧٠).
(٤) رواه البخاري (٣٤٦٧) وركية: أي بئر، وموقها: أي خفها.
(٥) تهذيب مدارج السالكين، ص (١٨٨).
(٦) المصدر نفسه، ص (٢٢٩).

1 / 9