القليب في بدر منهم، وأعلن حلفه الصريح معهم، وراح يرد على شعراء المسلمين في الهجاء ويعلن تعاطفه الصريح القلبي والعلني معهم، ومشكلة كعب بن الأشرف وابن سنينة أنهما من يهود يثرب، أي من القبائل العربية نفسها الأوس والخزرج فهما يعيشان بين ظهرانيهم، ورغم أن العهد بين رسول الله ﷺ وبينهم على التحالف والتناصر إلا أن هؤلاء الزعماء اتخذوا موقفا عدائيا من المسلمين، وتناسوا صحيفة العهد معهم. وراح كعب بن الأشرف يشبب بنساء المسلمين. وهو متمنع في حصنه. فكان أن انتدب رسول الله ﷺ المسلمين لقتله. فتطوع محمد بن مسلمة، واختار أربعة من الفدائيين يشاركونه في عملية الاغتيال. من بينهم أبو نائلة أخو كعب بن الأشرف من الرضاعة.
وهذا يعني أن أقدر الناس على تنفيذ عمليات الاغتيال، أبعدهم عن الشك فيه، ومن يمت بقرابة أو صلة رحم أو صداقة من هذا المجرم، وهذا السبب نفسه هو الذي مكن محيصة ابن مسعود ﵁ من قتل ابن سنينة. لأن ابن سنينة حليف أخيه حويصة فهو يتردد دائما عليه. وإنها لمسؤولية ضخمة لأولئك الإخوة المنبثين في صفوف العدو حيث يأمن العدو جانبهم للقرابة أو موقع الوظيفة وهم أقدر من غيرهم آلاف المرات على الثأر من أولئك الطغاة.
كما نلاحظ صورة جديدة في هذه العملية لم نشهدها من قبل، وهي صورة الخديعة التي تقتضي الكذب واختلاق الحوادث لتحقيق الهدف، لأن العملية من العسير جدا أن تتم بغير هذه الصورة، ولن يسلم كعب نفسه بسهولة وهو يعرف خطورة عدائه للعصبة المسلمة وسيكون دائما في حذر شديد من الغيلة. فكان لا بد من التحايل عليه، واقتضى هذا التحايل النيل من شخص رسول الله ﷺ ومن الإسلام ليركن الطاغية إليهم، وهو درس جديد نفقهه كذلك، إن اتخاذ مظاهر الكفر، وإعلان الكفر، والنيل من الإسلام والمسلمين لتحقيق مثل هذه المهمة أمر لا حرج فيه. حيث قد تم بإذن رسول الله ﷺ. وإذا كان اغتيال عصماء بنت مروان قد تم بالوضوح الإسلامي الكامل والتحدي الإيماني السافر لها ولبنيها ولقومها: ﴿فكيدوني جميعا