304

Approche Dynamique de la Biographie Prophétique

المنهج الحركي للسيرة النبوية

Maison d'édition

مكتبة المنار-الأردن

Édition

السادسة

Année de publication

١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م

Lieu d'édition

الزرقاء

لم يكن غضبا لنفس أو إهانة لآدمية. فلقد حرص ﵊ على أن لا يكون التشفي والثأر هو الذي يسيطر على الموقف. (فلقد جابذ نباش ابن قيس الذي جاء به (لقتله) حتى قاتله ودق أنفه فأرعفه، فقال ﷺ للذي جاء به: لم صنعت به هذا؟ أما كان السيف كفاية! ثم قال: أحسنوا إسارهم، وقيلوهم واسقوهم، لا تجمعوا عليهم حر الشمس وحر السلاح. وكان يوما صائفا، فقتلوهم وسقوهم وأطعموهم. فلما أبردوا راح رسول الله ﷺ فقتل من بقي منهم .. (١».
إنها عظمة النبوة التي تحترم آدمية الإنسان، ولو كان يهوديا حكم الله تعالى به القتل، واليوم وفي أقبية سجون من يسمون (بالمسلمين) من المآسي وفنون التعذيب والتجويع والإهانة والسحق ما يشيب من هوله الولدان، والأصل هو إهانة كرامة الإنسان وتمريغه بالتراب، وتجريعه غصص العذاب الذي يترفع عنه الوحوش، وكما يقول سيد ﵀: إن الوحوش تأكل لتقتات أما هؤلاء فيتلذذون بالعذاب. ويبقى الإسلام الذي يكرم الإنسان بصفته إنسانا فيعاقبه بما يستحق دون شهوة غضب وحقد وتشف تنيله أكثر مما يستحق.
ويطالعنا في نهاية المطاف التجاوب العميق بين الأوس وبين قرار سيدهم سعد ﵁ بعد أن قال له رسول الله ﷺ: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع سموات والتسابق في التنفيذ. فجاء أسيد بن حضير السيد الثاني للأوس فقال: (يا رسول الله لا تبقين دار من دور الأوس إلا فرقتهم فيها. ففرقهم في دور الأنصار فقتلوهم). وأعلن سعد أن الكاره لهذا القرار هو خارج عن الخيرية والهدى: ما كرهه أحد من الأوس فيه خير، ومن كرهه فلا أرضاه الله. وهكذا انتهت اليهودية في المدينة على تلك المراحل المتلاحقة حيث تلقى كل فريق جزاءه من جنس عمله، قينقاع والنضير وقريظة، وأعطانا هذا الحكم، حرية القيادة في مواجهة العدو بما يناسب

(١) المصدر نفسه ص ٢٤٨.

2 / 314