المنهل الحديث في شرح الحديث

المنهل الحديث في شرح الحديث

Maison d'édition

دار المدار الإسلامي

Édition

الأولى

Année de publication

٢٠٠٢ م

المنهل الحديث في شرح الحديث
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
أحمده ﷾ وأستعينه وأستهديه، وأسأله التوفيق والسداد.
وأشهد أن لا إله إلا الله ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ فبين للناس ما نزل إليهم، ووضح لهم معالم دينهم، ورسم لهم طريق الفوز في دنياهم وأخراهم.
فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
"أما بعد" فهذا منهج جديد، أقدمه لطلبة الحديث، تيسيرا لدراستهم وعونا لهم على فهم مقرراتهم.
شرحت فيه الأحاديث المختارة من صحيح البخاري، التي حددتها إدارة الأزهر لطلابها في فترة من الزمن، وقسمتها على سنوات أربع، وخصصت منها خمسين حديثا للسنة الأولى، وثمانين لكل سنة من السنوات الثلاث الأخرى، فكان مجموع أحاديث الأجزاء الأربعة (٢٩٠) تسعين ومائتي حديث، استوعبت أكثر أبواب البخاري، وقطفت من كل باب أهم أحاديثه وأشملها.
حرصت في منهجي على وضوح العبارة، وتنسيق المعلومات،

1 / 7

والاقتصار على المهم منها، متحاشيا التفريع والتطويل.
وبدأت شرح كل حديث بالمعنى العام، أتناول فيه المقاصد بأسلوب سهل بسيط، يعطي فكرة للطالب عن المضمون والمغزى، ويهيئه للدخول في الدقائق والأسرار، وثنيت بالمباحث العربية، بلاغتها ونحوها ومعاني مفرداتها، وفصلتها عن فقه الحديث وأحكامه الشرعية وما يؤخذ منه من أحكام، ضبطا للفكر، وربطا للمعلومات المتناسبة، ثم ذيلت كل حديث بأسئلة، يستوثق عن طريقها الطالب من تحصيله.
وما قصدت إلا الإسهام في تعبيد طريق العلم وفهم الحديث، فكم عانيت من صعوبات هذا الطريق.
فإن كنت قد وفقت وأصبت الهدف فحمدا لله وشكرا، وذلك فضل الله وإن كانت الأخرى فأسأل الله العفو والعافية، وقبول حسن القصد وإخلاص النية.
﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾
المؤلف

1 / 8

كتاب الإيمان
زيادة الإيمان ونقصه في الإسلام
١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان".
-[المعنى العام]-
الإيمان كالشجرة، تطلق على الجذر والساق، كما تطلق عليهما مع الأغصان والأوراق والأزهار والثمار، كذلك يطلق الإيمان على التصديق بالقلب، وعليه مع الأعمال الصالحة، وإذا كانت الشجرة لا تؤتي أكلها، ولا يكمل نفعها إلا بما حمل جذرها وساقها، فإن الإيمان كذلك لا يكون منجيا من النار إلا بما استلزمه من صالح الأعمال.
وإذا كانت الشجرة تتشعب شعبا مختلفة، بعضها أغلظ من بعض وبعضها أساس لغيره، فإن الإيمان كذلك يعتمد على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ثم تتدرج أوامره ومطالبه من الأهم إلى المهم، ومن المهم إلى ما هو دونه، حتى ينتهي بإزاحة الشوكة من طريق المسلمين.
والحياء شعبة من شعب الإيمان البالغة بضعا وستين، أو بضعا وسبعين، بل هو أهم خصال الإيمان، لأنه انقباض النفس عن إتيان الفعل القبيح، فهو الباعث والداعي لكثير من صفات الخير، وهو المانع والحاجز عن كثير من مزالق الشر والفساد.

1 / 9

-[المباحث العربية]-
(الإيمان) يعني الإيمان الكامل المنجي من النار.
(بضع وستون) البضع من العدد ما بين الاثنين والعشرة على الصحيح ويجري عليه حكم العدد، فيذكر مع المعدود المؤنث ويؤنث مع المعدود المذكر، ويبني مع العشرة كما يبني سائر الآحاد، فيقال: بضعة عشر رجلا وبضع عشرة امرأة، ويعطف عليه العشرون والثلاثون إلى التسعين، ولا يقال: بضع ومائة، ولا بضع وألف.
(شعبة) بضم الشين، أي خصلة، والشعبة في الأصل الطائفة من الشيء ومنه شعب القبائل.
(والحياء) وهو الاستحياء، واشتقاقه من الحياة، وهو في الأصل تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به أو يذم عليه، وفي الشرع خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق.
-[فقه الحديث]-
تكلف جماعة من العلماء حصر شعب الإيمان بطريق الاجتهاد، ولم يتفقوا على نمط واحد، فبعضهم قسمها إلى أعمال القلب معتقدات ونيات، وإلى أعمال اللسان، وإلى أعمال البدن، وبعضهم أخذ يعدها سردا، دون تقسيم وبعضهم ذهب إلى أن العدد أريد به التكثير دون التحديد، من قبيل قوله تعالى ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ وقال هؤلاء: إن ذكر البضع للترقي، فيكون المعنى أن شعب الإيمان أعداد مبهمة وكثيرة، بل أكثر من الكثيرة.
والحق أن محاولة حصر شعب الإيمان محاولة غير سليمة من النقد فالبعض يمكن إدخاله في البعض، كما يمكن عده مستقلا، وكل من تكلف حصر الشعب لم يخل من الاعتراض، ولا يقدح عدم معرفة حصر الشعب على التفصيل في الإيمان، إذ أمرها يحتاج إلى توقيف، وكل ما بينه رسول

1 / 10

الله ﷺ أعلى هذه الشعب وأدناها كما ثبت في الصحيح "أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء من الإيمان".
وفي بعض روايات الصحيح "الإيمان بضع وسبعون شعبة" وبعضهم رجح عليها رواية "بضع وستون شعبة" لأنه العدد المتيقن في الروايتين، وهذا كله مبني على أن العدد مقصود محدد، أما من يرى أن العدد هنا للتكثير غير مراد تحديده فلا إشكال في اختلاف الروايات.
فإن قيل: رب حياء يمنع عن قول الحق أو فعل الخير، كأن يحجم صاحبه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكيف يكون مثل هذا شعبة من الإيمان؟ قلنا: إن مثل هذا ليس بحياء شرعي، بل عجز ومهانة، وإنما تسميته حياء من إطلاق بعض أهل العرف، من حيث أنه ** انقباض من خوف أن يذم، فهو يشبه الحياء وليس بحياء شرعي، فالحياء الشرعي خير كله والحياء الشرعي لا يأتي إلا بخير، فالتغير والانكسار الذي يعتري الإنسان من خوف ما يعاب عليه منه الشرعي الممدوح الموصوف بالسكينة والوقار، ومنه المذموم غير الشرعي.
فإن كان الانقباض عن محرم فهو واجب، وإن كان عن مكروه فهو مندوب، أما الانقباض عن واجب أو مندوب فليس حياء شرعيا، ومنه انكسار النفس وانقباضها عن السؤال في العلم مع الحاجة إلى السؤال.
والحياء الشرعي درجات. أعلاها أن يستحي المتقلب في نعم الله أن يستعين بها على معصيته، وفيه يقول ﷺ لأصحابه "استحيوا من الله حق الحياء" قالوا: إنا نستحي والحمد لله، فقال: "ليس ذلك، وإنما الاستحياء من الله تعالى حق الحياء أن تحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، وتذكر الموت والبلى، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء".
-[ويؤخذ من الحديث:]-
١ - تفاوت مراتب الإيمان.
٢ - أن الأعمال مع انضمامها إلى التصديق داخلة في مسمى الإيمان.

1 / 11

٣ - الحث على التخلق بالحياء.
٢ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه".
-[المعنى العام]-
يعتمد صرح الإسلام ومجتمعه الكامل على قاعدتين، قاعدة إيجابية وهي فعل الخير، من إفشاء سلام، وإطعام طعام، وعمل بناء. وقاعدة سلبية، أو قاعدة الترك والكف، وهذه القاعدة الثانية هي المقدمة، وهي الأهم، لأن التخلية مقدمة على التحلية، من هنا اهتم الشرع بتهذيب أبنائه وإبعادهم عن المساوئ، والرذائل، وإيذاء بعضهم بعضا، فجعل المسلم الحق هو الذي يسلم الناس من لسانه ويده وبقية جوارحه، هو الذي يمسك لسانه عن طعن الناس ويحفظ ما بين فكيه عن الإساءة للمسلمين، وهو الذي يمسك يده وبقية أعضاء جسمه، ويحبس شرورها وأذاها فلا يمد يده لحق

1 / 12

الغير، ولا تمشي رجله للإضرار بأحد.
وإذا كانت الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام فرارا بالدين من أفضل القربات، فإن هجرة الفواحش، وهجرة المحرمات، من أعظم الطاعات فالمهاجر الحق هو الذي يهجر المعاصي، ويبتعد عنها، ولا يقترفها، بل لا يحوم حولها حتى لا يقع فيها.
-[المباحث العربية]-
(المسلم) وكذا المسلمة، فالتعبير بالمسلم للتغليب، والنساء شقائق الرجال يسري عليهن حكمهم، إلا ما خص بنص الشرع.
(من سلم المسلمون) فيه جناس الاشتقاق، وهو أن يرجع اللفظان في الاشتقاق إلى أصل واحد، والتعبير بلفظ "المسلمون" من قبيل التغليب أيضا أي والمسلمات.
(من لسانه ويده) المراد من اليد ما هو أعم من العضو المعروف، فيراد بقية الأعضاء، كما يراد اليد المعنوية، كالاستيلاء على حق الغير بغير حق، فالمراد من سلم المسلمون من شره مطلقا.
(والمهاجر) أي الهاجر، فالمفاعلة ليست من الجانبيين، كلفظ المسافر وقيل: إن من هجر شيئا فقد هجره ذلك الشيء وإن كان جمادا، وهو هجرة بالقوة وبغير إرادة.
-[فقه الحديث]-
من علامة المسلم التي يستدل بها على حسن إسلامه سلامة المسلمين من شره وأذاه، بل إحسان المعاملة مطلوب مع غير المسلمين، بل مع غير الإنسان من الطير والحيوان، فذكر المسلمين في الحديث خرج مخرج الغالب، لأن محافظة المسلم على كف الأذى عن أخيه المسلم أشد تأكيدا، ولأن الكفار بصدد أن يقاتلوا، وإن كان فيهم من يجب الكف عنه، ولأن الأغلب أن سبب الإذابة المخالطة، وغالب من يخالطهم المسلم عادة

1 / 13

المسلمون مثله، فنبه على التحرز من إذايتهم التي قربت أسبابها.
وخص اللسان واليد بالذكر من بين سائر الجوارح لأن اللسان هو المعبر عما في النفس، واليد هي التي بها البطش والقطع والوصل والأخذ والمنع والإعطاء.
وقدم اللسان على اليد لأن إيذاءه أكثر وقوعا من إيذائها، وأسهل مباشرة وأشد نكاية منها، ولهذا قال الشاعر:
جراحات السنان لها التئام ... ولا يلتام ما جرح اللسان
ثم إيذاء اللسان يعم، ويلحق عددا أكثر مما يلحقه إيذاء اليد، فقد يؤذي البعيد والقريب، والحاضر والغائب والميت والحي، وأسرة أو قبيلة أو دولة بلفظ واحد، بخلاف اليد.
فذكر اللسان واليد مع غلبة مباشرتهما الأذى كالعنوان لكل ما يباشر الأذى من الأعضاء، حتى القلب فإنه منهي عن الحسد والحقد والبغض والغيبة وإضمار الشر ونحو ذلك.
ولا يدخل في إيذاء المسلم إقامة الحدود عليه، إذ هي إصلاح لا إيذاء وكل مأذون فيه شرعا مهما آلم ليس من قبيل الإيذاء المحرم.
-[ويؤخذ من الحديث:]-
١ - الحث على ترك أذى المسلمين بكل ما يؤذي، وجماع ذلك حسن الخلق وهو درجات، أعلاها درجة الأبرار، وهم الذين لا يؤذون الذر ولا يضمرون الشر.
٢ - في الحديث رد على المرجئة في قولهم: لا يضر مع الإيمان معصية.
٣ - في الحديث أن العفو والصفح وترك المؤاخذة أولى من المطالبة والمعاقبة ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾
٤ - والحث على هجر الفسق والعصيان.

1 / 14

٥ - وفيه أن عدم الإيذاء علامة ظاهرة من علامات المسلم، وليس معنى ذلك أن من سلم المسلمون من لسانه ويده يكون كامل الإسلام وإن قصر في الواجبات الأخرى، فظهور علامة قد تكون غير معبرة عن باطن حقيقي لا تثبت بها الحقيقة الكاملة، نعم من لم يسلم المسلمون من أذاه لا يكون مسلما كامل الإسلام وإن كان مسلما في الجملة.
٣ - عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار".
-[المعنى العام]-
﴿ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في

1 / 15

السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ تلك الكلمة كلمة التوحيد والإخلاص، إذا غرست في القلب ونمت وترعرعت بامتثال الأوامر واجتناب النواهي آتت أكلها، وأثمرت حبا لله، وحبا لرسوله، وينمو هذا الحب ويزداد، ويرتقي صاحبه بالاستغراق في الفرائض والنوافل، حتى يغطي حب الله وحب رسوله كل المشاعر، وحتى يكون الله ورسوله أحب إليه من ولده ووالده وماله ونفسه.
وتبرز آثار هذا الحب في امتثال أمر الله، والتلذذ بالعبادة والتكاليف الشاقة والرضا بقضائه وقدره، بل يتلقى المحنة بالنفس الراضية المطمئنة، وبنفس الروح التي يتلقى بها المنحة.
فالمحب يرضى بل يحب كل أفعال المحبوب، ويحرص على أن لا يخالفه أو يغضبه، ويتفرع عن هذا الحب حب من يحبه الله ورسوله من أجل حب الله ورسوله، يتفرع عن هذا الحب حب الصالحين ومجالستهم والاقتداء بهم وتتبع سيرتهم، والميل إليهم، لا لشيء إلا لأنهم صالحون، ولأن حبهم من حب الله، ولله، وفي الله.
ويتفرع عن هذا الحب بغض ما يبغضه الله ورسوله، وبغض الكفار والفسقة والعاصين. وينتج عن هذا الحب وذلك البغض بغض لأن يعود المؤمن إلى ذلك الظلام، ظلام الكفر بعد أن أنقذه الله منه وأخرجه إلى النور.
من بلغ هذه الدرجة من الحب بلغ قمة الإيمان، وتمتع بحلاوته، وسعد بسموه ونوره وهدايته، وكانت له الجنات العلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
-[المباحث العربية]-
(ثلاث من كن فيه) "ثلاث" مبتدأ، والجملة بعده الخبر، وجاز الابتداء به وهو نكرة لأن التنوين عوض عن المضاف إليه، والتقدير ثلاث خصال وحذف المعدود يجيز تذكير العدد وتأنيثه، فيصح أن نقول: ثلاثة، أي ثلاثة أمور، و"كان" تامة هنا، أي من وجدن فيه.

1 / 16