The Holy Quran: A Comprehensive Approach
القرآن الكريم منهج متكامل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الكتاب: القرآن الكريم منهج متكامل
إعداد/ أ. د. محمود بن يوسف فجال
منهج متكامل لإصلاح المجتمع
مقدمة:
الحمد لله الذي أرسل رسوله ﵌ بالهدى والتبيان. والصلاة والسلام على نبينا محمد المؤيد بالمعجزات والفرقان. وعلى آله وأصحابه الذين اتبعوا نهجه، وساروا على هدية، وتخلقوا بأخلاق القرآن.
أما بعدُ: فقد كان عربُ الجاهلية قبلَ مبعث النبي ﵌ يعبدون الأوثانَ، ويئدون البناتِ، ويستعبد قويُّهم ضعيفَهم، ويتحاربون لأتفه الأسباب أعوامًا عديدة.
والعالمُ من حولهم في صراع مستمر، فمنهم من يعبد الآلهةَ الباطلةَ، ومنهم من يقول بالتثليث، ومنهم من يعبد البقر، ويسجد للحجر والشجر، ومنهم من يستحل الأمهات والبنات. ومنهم من يروِّج الأكاذيبَ ويفتري على الله، جل وعلا.
كان العالمُ إذ ذاك يتخبط في الظلام والظلم، والاستعباد والقهر. كانت لهم أعمالٌ مشينة، وعاداتٌ سيئة. كانوا أممًا شقيَّةً، وفِرَقًا ضائعة ممزقه منحرفة عن نهج الله ﷾ وتعاليمه، وهدي النبوة.
وفي هذا الظلام المدلهم وهذا التيه والتخبط، والحروب والظلم بَعَثَ اللهُ رسولَه الكريم محمدًا ﵌ مؤيدًا بالمعجزة العظمى، بالقرآن الكريم، الذي أذهل العربَ أهلَ الفصاحة واللسن، بفصاحته وأحكامه وتعاليمه.
قال تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: ٨٨) .
قال «ابن كثير» (١): «أخبر - تعالى- أنه لو اجتمعت الإنس والجن كلهم، واتفقوا على أن يأتوا بمثل ما أنزله الله على رسوله، لما أطاقوا ذلك ولما استطاعوه، ولو تعاونوا وتظافروا فإن هذا أمر لا يستطاع، وكيف يشبه كلامُ المخلوقين كلامَ الخالق، الذي لا نظير له، ولا مثالَ له، ولا عديلَ له؟!» .
وقد تكفَّل الله سبحانه بحفظه بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) . قال «ابن كثير» (٢): «قرر تعالى أنه هو الذي أنزل الذكر، وهو القرآن، وهو الحافظ له من التغيير والتبديل» .
والله سبحانه جعله معجزةً باقية على تطاول الأزمان، واتساع الأوطان. والقرآنُ الكريم لم يترك جانبًا من جوانب الحياة المتعلقة بالإنسان إلا أتى عليه، ورسم له المنهج الصحيح؛ ليسير على هديه، ويستضيء بنوره. لقد رسم القرآن الكريم لبني آدم ما يصلحهم في الحياة الدنيا، وما يجلب لهم المثوبة في الآخرة.
والقرآن الكريم منهج متكامل، متفرع الجوانب، رَسَمَ محاورَ كثيرةً لإصلاح المجتمع. ومن العسير التطوافُ عليها جميعًا، لذا سأتناول جانبًا من جوانبها، وسأتكلم على ثلاثة محاور منها، وهي:
المحور الأول: الهدف العام من إنزال القرآن الكريم
المحور الثاني: علاقة الإنسان بربه.
المحور الثالث: علاقة الإنسان بمجتمعه.
وعلى الله اعتمادي، وعليه توكلي، وبه أستعين، وله الحمد في الأولى والآخرة.
المحور الأول: (الهدف العام من إنزال القرآن الكريم)
وفيه الصفات الآتية:
الصفة الأولى: كتاب هداية للناس.
الصفة الثانية: دعوته إلى العلم.
الصفة الثالثة: دستور هذه الأمة.
الصفة الرابعة: الوسطية والاعتدال.
الصفة الأولى: كتاب هداية للناس
أنزل الله تعالى القرآنَ الكريم هدًى للناس، وفرقانًا بين الحق والباطل، وتبيانًا لكل شيء في حياة الإنسان. جعله الله سبحانه تشريعًا خالدًا إلى يوم القيامة، فَمَنْ تَبِع هُداه فاز ونجا. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: ٩) .
(١) في «تفسيره» (٥: ١١٧) .
(٢) في «تفسيره» (٤: ٥٢٧) .
1 / 1
قال «ابن كثير» (١): «يمدح تعالى كتابه العزيز الذي أنزله على رسوله محمد ﵌ وهو القرآن، بأنه يهدي لأقوم الطرق، وأوضح السبل (ويبشرُ المؤمنين) به (الذين يعملون الصالحات) على مقتضاه (أنَّ لهم أجرًا كبيرًا) أي: يوم القيامة» . قال الله سبحانه: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ (ق: ٤٥) .
قال «قتادة»: اللهم اجعلنا ممن يخافُ وعيدَك، ويرجو موعودك (٢) . وقال «ابن كثير» (٣): «يقول تعالى مخبرًا عن كتابه الذي أنزله على رسوله محمد ﵌، وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنْزيل من حكيم حميد.
قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا﴾ (الإسراء: ٨٢)، أي: يُذْهِبُ ما في القلوب من أمراض، من شك ونفاق، وشرك وزيغ وميل. فالقرآن يَشْفي من ذلك كله، وهو أيضًا رحمةٌ يحصل فيها الإيمان والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه، وليس هذا إلا لمن آمن به، وصدقه واتَّبعه، فإنه يكون شفاءً في حقّه ورحمةً» .
الصفة الثانية: دعوته إلى العلم
جاءت دعوةُ القرآن إلى العلم في أول سورة أُنزلت، وهي سورة العلق فنوّه بشرف التعليم والعلم فقال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾؟ (العلق: ١ - ٥) .
قال «ابن القيم» (٤) ﵀: «والتعليم بالقلم من أعظم نعمه على عباده، إذ به تخلد العلومُ، وتثبت الحقوق، وتُعلم الوصايا، وتُحفظ الشهادات، ويضبط حساب المعاملات الواقعة بين الناس.. فنعمة الله ﷾ بتعليم القلم بعد القرآن من أجل النعم..» .
وبين فضل آدم بالعلم، ليكون مؤهَّلا للاستخلاف في الأرض في تنفيذ أوامر الله تعالى فقال: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا﴾ (البقرة: ٣١) . وامتَنَّ اللهُ سبحانه على عباده بالعلم، الذي من أعظمه القرآنُ فيسر حفظَه وفهمَه على من رحمه (٥) فقال: ﴿الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (الرحمن: ١ - ٤) .
ورَفَعَ شأن العلماء فقرن شهادته تعالى بشهادة الملائكة وأهل العلم على أجل مشهود عليه، وهو توحيدُه تعالى وقيامُه بالعدل فقال: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًَا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: ١٨) . وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام (٦) .
ونوَّه تعالى بمكانة العلماء، وفضلِهم، ورفعِ درجاتهم فقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (المجادلة: ١١) .
وقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ (فاطر: ٢٨) . وعن «ابن مسعود» أنه قال: «ليس العلمُ عن كثرة الحديث، ولكن العلمَ عن كثرة الخشية» . وقال «مالك»: «إن العلمَ ليس بكثرة الرواية، وإنما العلمُ نورٌ يجعله الله في القلب» (٧) .
(١) في «تفسيره» (٥: ٤٨) .
(٢) ذكره «ابن كثير» في «تفسيره» (٧: ٤١٢) .
(٣) في «تفسيره» (٥: ١١٢) .
(٤) في «مفتاح دار السعادة» (٣٠٠ - ٣٠١) عن «بدائع التفسير» (٥: ٢٨٣) .
(٥) «تفسير ابن كثير» (٧: ٤٨٩) .
(٦) انظر «تفسير ابن كثير» (٢: ٢٤) .
(٧) انظر «تفسير ابن كثير» (٦: ٥٤٥) .
1 / 2
وأمَرَ الله سبحانه نبيه ﵌ بطلب الاستزادة من العلم فقال: ﴿وقل ربِّ زدني علمًا﴾ (طه: ١١٤) . وعن «أبي هريرة» قال: كان رسول الله ﵌ يقول: (اللهم انفعْني بما عَلَّمتني، وعَلِّمني ما ينفعني، وزِدْني علمًا، والحمد لله على كل حالٍ، وأعوذُ بالله من حالِ أهلِ النار) (١) .
الصفة الثالثة: دستور هذه الأمة
من اتبع هديَ القرآنِ الكريم، وترسَّم خطاه فاز في الدنيا، وأفلح في الآخرة، ومن أعرض عنه إلى القوانين الوضعية التي هي من أفكار البشر خسر خسرانًا كبيرًا، وكانت حياته همًّا وغمًّا. قال «ابن كثير» (٢): «قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾ أي: خالف أمري، وما أنزلته على رسولي، أعرض عنه وتناساه، وأخذ من غيره هداه ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حَرَج لضلاله، وإن تَنَعَّم ظاهرُه، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى، فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبه يتردد ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ أي: الشقاء، كما قال «ابن عباس» . وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى؟ أي: لا حجة له.
ويحتمل أن يكون المراد: أنه يحشرُ أو يبعث إلى النار أعمى البصر والبصيرة أيضًا ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ (طه: ١٢٤ - ١٢٦) أي: لما أعرضت عن آيات الله، وعامَلْتها معاملةَ من لم يذكرها بعد بلاغها إليك تناسيتها، وأعرضت عنها وأغفلتها، كذلك نعاملك اليوم معاملة من ينساك» .
والحكمُ بالقرآن الكريم سعادةٌ. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ (النساء: ١٠٥) .
وعِلْمُ اللهِ تعالى لا يحتمل الخطأ. فكلُّ ما جعله الله حقًا في كتابه فقد أمر بالحكم به بين الناس.. وأن الله أنزل عليه الكتاب ليحكم بالطرق والقضايا الدالة على وصف الأحوال التي يتحقق بها العدل، فيحكم بين الناس على حسب ذلك، بأن تندرج جزئياتُ أحوالهم عند التقاضي تحت الأوصاف الكلية المبينة في الكتاب (٣) .
قال «ابن القيم» (٤): «أخبر سبحانه أن كل حكم خالف حكمَه الذي أنزله على رسوله فهو من أحكام الهوى، لا من أحكام العقل، وهو من أحكام الجاهلية، لا من حكم الله والهدى» . قال سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ. أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: ٤٩، ٥٠) .
قال «ابن القيم» (٥): «قد أقسم الله سبحانه بنفسه أنا لا نؤمن حتى نُحكّم رسولَه في جميع ما شَجَرَ بيننا، وتتسع صدورُنا بحكمه، فلا يبقى منها حرجٌ، ونسلم لحكمه تسليمًا، فلا نعارض بعقل ولا رأي، ولا هوى ولا غيره» .
(١) أخرجه «الترمذي» في «جامعة» في (كتاب الدعوات - باب سبق المُفَرِّدونَ ...) (٣٥٩٩)، و«ابن ماجه» في «سننه» في (كتاب السنة - باب الانتفاع بالعلم والعمل) (٢٥١)، عدا الجملة الأخيرة وانظر «تفسير ابن كثير» (٥: ٣١٩) .
(٢) في «تفسيره» (٥: ٣٢٢) بتصرف يسير.
(٣) من «التحرير والتنوير من التفسير» (٥: ١٩٢) .
(٤) في «الصواعق المرسلة» (٣: ١٠٤٦) عن «بدائع التفسير» (٢: ١١٣) .
(٥) في «الصواعق المرسلة» (٣: ٨٢٨) عن «بدائع التفسير» (٢: ٣٢) .
1 / 3
قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (النساء: ٦٥) .
وقال أيضًا (١): «ويجب ردّ موارد النِّزاع في كل ما تنازع فيه الناس من الدين كله إلى الله ورسوله، لا إلى أحد غير الله ورسوله. فمن أحال الرد على غيرهما فقد ضادَّ أمر الله، ومن دعا عند النِّزاع إلى حكم غير الله ورسوله فقد دعا بدعوى الجاهلية، فلا يدخل العبد في الإيمان حتى يَرُدَّ كل ما تنازع فيه المتنازعون إلى الله ورسوله» .
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: ٥٩) .
الصفة الرابعة: الوسطية والاعتدال
وقد وصف الله تعالى هذه الأمة بأنها أمةٌ وسط، أي: خيار. قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢) (البقرة: ١٤٣) .
قال «ابن كثير» (٣): «ولما جعل الله هذه الأمة وسطًا خَصَّها بأكمل الشرائع، وأقوم المناهج، وأوضح المذاهب، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: ٧٨)» .
قال «ابن القيم» (٤): «أخبر الله تعالى أنه جعلهم أمةً وسطًا، أي: خيارًا عدولًا. هذه حقيقة الوسط. فهم خيرُ الأمم وأعدلُها في أقوالهم وأعمالهم وإرادتهم ونياتهم، وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرسل على أممهم يوم القيامة» .
وسمة هذه الشريعة بأنها شريعة السماحة ورفع الحرج (٥) . قال سبحانه: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ (المائدة: ٦) . قال «الشاطبي» (٦): «إن رفع الحرج مقصود للشارع في الكليات، فلا تجد كلية شرعية مكلفًا بها وفيها حرج كليٌّ أو أكثري البتة. مقتضى قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: ٧٨)» . ومن نتائج الوسطية العدل في الحكم، فلا إفراط ولا غلو ولا إكفار ولا جفاء. وكذلك لا تفريط ولا جور ولا تساهل.
المحور الثاني: (علاقة الإنسان بربه)
ويشتمل على أركان الإسلام الخمسة الآتية:
الركن الأول: عقيدة التوحيد.
الركن الثاني: إقام الصلاة.
الركن الثالث: إيتاء الزكاة.
الركن الرابع: صوم رمضان.
الركن الخامس: حج البيت.
تمهيد:
(١) انظر «بدائع التفسير» (٢: ٣٠) .
(٢) انظر «الموافقات» (٤: ٤٠٦) .
(٣) في «تفسيره» (١: ٤٥٤) .
(٤) في «إعلام الموقعين» (٥: ٥٧١) .
(٥) انظر «مجموع الفتاوى» (١٤: ١٣٨) .
(٦) «الموافقات» (١: ٥٤١) .
1 / 4
يتحقق ارتباط المرء بربه بأدائه لأركان الإسلام، ودعائمه العظام، وهي خمسة. قال «عبد الله بن عمر» ﵄: سمعت رسول الله ﵌ يقول: (بُني الإسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسولُ الله. وإقامِ الصلاةِ. وإيتاءِ الزكاةِ. وصومِ رمضانِ. وحجِّ البيتِ) (١) .
وهذا الحديث عظيم جدًا. فهو أحدُ قواعد الإسلام، وجوامعِ الأحكام؛ إذ فيه معرفةُ الدين، وما يعتمد عليه، ومجمع أركانه. وهذه الأركان جاء بها القرآن الكريم مجملةً، وجاء التفصيل في السنة المشرفة.
الركن الأول: عقيدة التوحيد
التوحيدُ أولُ دعوةِ الرُّسل، وأَوَّلُ منازل الطريق إلى الله، ﷿. وقد بَعَثَ الله تعالى الرسل جميعًا آمرين بعبادة الله وطاعته وحدَه، وترك عبادة غيره من الشياطين والأوثان والأموات، وغير ذلك مما يتخذ من دون الله وليًّا. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (المؤمنون: ٢٣) .
وقال هود لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ (الأعراف: ٦٥) . وقال صالح لقومه: ﴿اعبدُوا الله مالكم من إلهٍ غيرُه﴾ (الأعراف: ٧٣) . وقال شعيب لقومه: ﴿اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (الأعراف: ٨٥) . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (النحل: ٣٦) . وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٢٥) (٢) . وقال ﵌: (أُمِرْتُ أن أُقَاتِلَ الناسَ حتى يَشهدوا أن لا إله إلا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ الله) (٣) .
وتوحيد الإلهية هو التوحيد الذي أُرْسِلَتْ به الرُّسُل. وتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس، فمن لا يقدِرُ على أن يخلُق يكون عاجزًا، والعاجز لا يصلُحُ أن يكون إلهًا (٤) . قال تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (الأعراف: ١٩١) .
(١) أخرجه «البخاري» في «صحيحه» في (كتاب الإيمان - باب الإيمان وقول النبي ﵌: بني الإسلام على خمس) (٨) بتقديم «حج البيت» على «صوم رمضان» في رواية «حنظلة»، و«مسلم» في «صحيحه» في (كتاب الإيمان - باب أركان الإسلام ودعائمه العظام) (١٦) من رواية «سعد بن عُبَيْدة» عن «ابن عمر» بتقديم الصوم على الحج. قال رجل: والحج وصيام رمضان. فقال «ابن عمر» لا، صيام رمضان والحج. هكذا سمعتُ من رسول الله ﵌. انظر فتح الباري» (١: ٥٠) .
(٢) انظر «شرح العقيدة الطحاوية» (٢١) .
(٣) أخرجه «البخاري» في «صحيحه» في «كتاب الإيمان» (٢٥) . و«مسلم» في «صحيحه» في «كتاب الإيمان» (٢٢) من حديث «عبد الله بن عمر»، ﵄.
(٤) انظر «شرح العقيدة الطحاوية» (٢١، ٥٣، ٤١) .
1 / 5
فأول ركن من أركان الإسلام شهادةُ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسولُ الله. ومعناها الإقرار بوجود الله تعالى ووحدانيته، والتصديق بنبوة محمد ﵌ ورسالته. وقد ذكر «البخاريُّ» (١) تعليقًا: (بُني الإسلام على خمس: إيمان بالله ورسوله..) وذَكَرَ بقيةَ الحديث. وفي رواية لـ «مسلم»: (بُني الإسلام على خمسةٍ: على أنْ يُوَحَّدَ اللهُ) وفي رواية له: (على أن يُعْبَدَ الله ويكفرَ بما دونه) (٢) . وبهذا يُعلم أن الإيمانَ بالله ورسوله داخلٌ في ضمن الإسلام (٣) . وهذا الركن هو الأساس بالنسبة لبقية الأركان.
الركن الثاني: إقام الصلاة
الصلاةُ شعارُ المسلم، وعنوانُ المؤمن، وبها تمييز المسلم من الكافر. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ (النساء: ١٠٣) . ومَنْ حافظ عليها وقام بها في أوقاتها، وأدَّاها كاملة بشروطها وأركانها، وراعى آدابَها وسُنَنَها قَطَفَ ثمرتهَا، كالصلة بالله تعالى، ومراقبته، وترك الفحشاء والمنكر.
قال الله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (العنكبوت: ٤٥) . قال «ابن عباس» ﵄: «ليس لكَ من صلاتك إلا ما عقلت منها» (٤) . وقال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (الماعون: ٤ - ٥) . وقالت طائفة من السلف: هم الذين يؤخرونها عن وقتها. وقال بعضهم: هم الذين لا يؤدونها على الوجه المأمور به، وإن صلاها في الوقت فتأخيرها عن الوقت حرام - باتفاق العلماء، فإن العلماء متفقون على أن تأخير صلاة الليل إلى النهار، وتأخير صلاة النهار إلى الليل بمنْزلة تأخير صيام شهر رمضان إلى شوال (٥) .
وقال «عمر بن الخطاب» ﵁: (الجمع بين صلاتين من غير عذر من الكبائر) (٦) . وقال «عمر» أيضًا: (لاحظَّ في الإسلام لمن تَرَكَ الصلاة) (٧) . وقد عدَّدَ «الشاطبي» (٨) بعضَ مقاصد الشارع من الصلاة: أصلُ مشروعية الصلاة الخضوعُ لله سبحانه بإخلاص التوجُّه إليه، والانتصابُ على قدم الذلة والصغار بين يديه، وتذكيرُ النفس بالذكر له. قال تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (طه: ١٤) . وفي الحديث: (إن المصلِّي يناجي ربه) (٩) .
(١) النهي عن الفحشاء والمنكر: قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (العنكبوت: ٤٥) .
(٢) الاستراحة إليها من أنكاد الدنيا. قال النبي ﵌: (أَرِحْنَا بها يا
(١) في «صحيحه» في (كتاب التفسير) (٤٥١٤) .
(٢) في «كتاب الإيمان» (١٦) .
(٣) «جامع العلوم والحكم» (١٤٥) .
(٤) «مجموع الفتاوى» (٦: ٢٢) .
(٥) «مجموع الفتاوى» (٢٩: ٢٢) .
(٦) «مجموع الفتاوى» (٣١: ٢٢) .
(٧) «جامع العلوم والحكم» (١٤٦) .
(٨) في «الموافقات» (٣: ١٤٢ - ١٤٣) .
(٩) أخرج «البخاري» في «صحيحه» في «كتاب مواقيت الصلاة - باب المصلي يناجي ربّه، ﷿» (٥٣١) عن «أنس» عن النبي ﵌: (إن أحدكم إذا صلى يناجي ربه..) .
1 / 6
بلالُ) (١) . وفي «الصحيح»: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) (٢) .
(٣) طلب الرزق بها، قال الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (طه: ١٣٢) .
(٤) إنجاح الحاجات، كصلاة الاستخارة، وصلاة الحاجة.
(٥) طلب الفوز بالجنة، والنجاة من النار، وهي الفائدة العامة الخالصة.
(٦) كون المصلي في خفارة الله، في الحديث: (مَنْ صلَّى الصبحَ لم يزل في ذمّةِ الله) (٣) .
(٧) نيل أشرف المنازل، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ (الإسراء: ٧٩) . فأعطي بقيام الليل المقامَ المحمود.
الركن الثالث: إيتاء الزكاة
الزكاة عبادة مالية تتحقق بها العدالة الاجتماعية، ويُقْضَى بها على الفقر والعوذ، وتسود المودة والعطف والاحترام بين المسلمين. وسميت بذلك لأن المال ينمو ببركة إخراجها. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (الروم: ٣٩) .
قال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ (المؤمنون: ٤) . وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ، لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (المعارج: ٢٤)، والحق المعلوم هو الزكاة (٤) . والزكاة طبٌّ للنفوس، وبها يطهُرُ المرء من رذيلة الشحِّ. قال تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: ٩) . وفيها مصلحة إرفاق المساكين، وإحياء النفوس المعرّضة للتلف (٥) .
الركن الرابع: صوم رمضان
صوم رمضان عبادة موسمية من مواسم الخير تكون في شهر رمضان. تقترب فيه القلوب إلى بارئها، وتفتح فيه أبواب الجنة. وأنزل الله تعالى فيه القرآن على نبيه ﵌. وقد فرض الله تعالى صيامه، وتكفل بمثوبة الصائم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٨٣ - ١٨٤) أي: فُرِضَ.
وعدَّد «الشاطبيُّ» (٦) بعض مقاصد الصيام، فذكر منها:
(١) سدّ مسالك الشيطان.
(٢) الدخول من باب الريَّان. قال النبيُّ ﵌: (في الجنة ثمانيةُ أبوابٍ، فيها بابٌ يسمَّى الريَّانَ لا يدخُلُه إلاَّ الصائمونَ) (٧) .
(١) أخرجه «أبو داود» في «سننه» في «كتاب الآداب - باب في صلاة العتمة» (٤٩٨٥)، و«أحمد» في «مسنده» (٣٨: ٢٣٠٨٨، ٢٣١٥٤) .
(٢) أخرجه «أحمد» في «مسنده» (١٢٢٩٣: ١٩)، و(٢٠: ١٣٠٥٧)، و(٢١: ١٤٠٣٧)، و«النسائي» في «سننه» في أول (كتاب عشرة النساء - باب حب النساء) (٣٣٩١) من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم: (حُبِّبَ إليَّ من الدنيا: النساءُ، والطيبُ، وجُعِلَتْ (وفي رواية: وجُعِلَ) قُرَّةُ عَيْني في الصلاة) .
(٣) أخرجه «البخاري» في «صحيحه» في «كتاب المساجد - باب فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة» (٦٥٧) عن «جندب بن عبد الله» ﵁.
(٤) انظر «بدائع الصنائع» (٢: ٣٧١) .
(٥) انظر «الموافقات» (٣: ١٢١) .
(٦) في «الموافقات» (٣: ١٤٣ - ١٤٤) بتصرف يسير.
(٧) أخرجه «البخاري» في «صحيحه» في (كتاب بدء الخلق - باب صفة أبواب الجنة) (٣٢٥٧)، و(كتاب الصوم - بابٌ الريَّانُ للصائمين) (١٨٩٦)، و«مسلم» في «صحيحه» في (كتاب الصيام - باب فضل الصيام) (١١٥٢) من حديث «سهل بن سعد» .
1 / 7
(٣) الاستعانة على التحصن في العزبة. قال النبي ﵌: (مَنِ استطاعَ منكم الباءَةَ فليتزوجْ، فإنه أَغَضُّ للبصر، وأَحْصَنُ للفَرْجِ، ومَنْ لم يستطعْ فعليه بالصوم فإنه له وِجَاءٌ) (١) . وقال ﵌: (الصيام جُنَّةٌ..) (٢) .
وفي الصوم تربيةٌ نفسية وروحية وخُلُقِيَّةٌ وصحيه، كما أنه تربية اجتماعة. وهو سِرٌّ بين الإنسان ورَبِّه، لا يكون فيه الرياء ولا الخداع. فيه تصفو النفوس، وتضعف نوازع الشرّ، وتقوى بواعث الخير. يشعر فيه الإنسان بألم الجائعين، فيتألم لألمهم، ويجود فيغدق عليهم بالخير.
الركن الخامس: حج البيت
الحجُّ عبادة موسمية من مواسم الخير يكون في شهر ذي الحجة. وفي أداء هذه الفريضة وَصْلُ حاضِرِ الأمة بماضيها، وربطُ المسلمين بتاريخ هذا البيت العتيق، فكل موقف من مواقف الحج مرتبط بِحَدَثٍ يُثير في نفوس الحجاج الذكريات.
وفي أدائه تحقيقُ المساواة بين الناس على الرغم من اختلاف أجناسهم وألوانهم، وتباين ألسنتهم، وتباعد بلادهم، فالجميع ربُّهم وخالقُهم واحدٌ، كلُّهم من آدمَ، وآدمُ من ترابٍ، يذكرون الله تعالى ويلبونه، ويتذللون له في كل موقف، وكل مكان، وفيه تقوية أواصر الأخوة والمحبة التي تربط المسلم بخالقه. وهو فرض في العمر مرةً واحدةً.
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: ٩٦ - ٩٧) . وقال سبحانه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ١٩٧) .
وعن «أبي هريرة» قال: سُئل رسولُ الله ﵌: أيُّ العمل أفضلُ؟
قال: (إيمانٌ بالله ورسولِهِ) .
قيل: ثم ماذا؟ قال: (جهادٌ في سبيل الله) .
قيل: ثم ماذا؟ قال: (حج مبرور) (٣) .
والحج المبرور، أي: المقبول، وهو الذي لا تقع فيه معصية ولا يخالطه إثم، ويزداد بعده في فعل الخير، ولا يعاوِد المعاصيَ بعد رجوعه. وفي عرفات أعلنَ النبيُّ ﵌ في خطبته التاريخية في حجة الوداع المساواةَ بين الناس. فقال: (إن دماءَكم وأموالَكم حرامٌ عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) .
وقال: (فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتُموهن بأمانِ الله، واسْتَحَْلَلْتُم فروجَهُنَّ بكلمةِ الله، ولكم عليهن أن لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أحدًا تكرهونَه، فإنْ فَعَلْنَ ذلك فاضربوهُنَّ ضَرْبًا غير مُبَرِّحٍ، ولهن عليكم رزقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بالمعروف، وقد تركتُ فيكم ما لن تَضِلُّوا بعده إن اعْتَصَمْتُم به: كتابُ الله....) .
المحور الثالث: علاقة الإنسان بمجتمعه
وفيه الأساسيات الآتية:
الأساس الأول: الدعوة إلى الله.
الأساس الثاني: الأمر بالمعروف، والنهيُ عن المنكر.
الأساس الثالث: طاعة وليّ الأمر.
الأساس الرابع: الجماعةُ رحمةٌ، والفُرْقَةُ عذابٌ.
(١) أخرجه «البخاري» في «صحيحه» في (كتاب الصوم - باب الصوم لمن خاف على نفسه العُزْبة) (١٩٠٥)، و(كتاب النكاح) (٥٠٦٥)، مسلم» في «صحيحه» في (كتاب النكاح) (١٤٠٠) عن «ابن مسعود» ﵁.
(٢) أخرجه «البخاري» في «الصحيح» في (كتاب الصوم - باب فضل الصَّوْم) (١٨٩٤)، و«مسلم» في «صحيحه» في (كتاب الصيام - باب فضل الصيام) (١١٥١) .
(٣) أخرجه «البخاري» في «صحيحه» في (كتاب الحج - باب فضل الحج المبرور) (١٥١٩) .
1 / 8
الأساس الخامس: لا إكراه في الدين.
الأساس السادس: تحريم الاعتداء على المسلمين وغير المسلمين.
الأساس السابع: التعاون على البِرِّ والتقوى.
الأساس الثامن: الشورى.
الأساس التاسع: تحقيقُ العدل، ودفعُ الظلم.
الأساس العاشر: الإصلاح بين الناس.
الأساس الأول: الدعوة إلى الله ﷾
يأمر القرآنُ الكريمُ بالدعوة إلى ﷾ بعد العلم بما يدعو إليه. (والعالم يبثُّ العلم يكون له أجرُ كُلِّ من انتفع به) (١) . والدعوة إلى الله - تعالى - صفةُ الأنبياء، وصفةُ أتباعهم. قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: ١٠٨) .
قال «ابن كثير» (٢): «يقول الله - تعالى - لعبده ورسوله إلى الثقلين: الإنس والجن، آمرًا له أن يخبر الناس أن هذه سبيلُه، أي: طريقه ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك، ويقين وبرهان، هو وكلّ من اتبعه، يدعو إليه رسول الله ﵌ على بصيرة ويقين وبرهان شرعي وعقلي» .
وقال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل: ١٢٥) . وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٤) .
قال «ابن كثير» (٣): «المقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من الأمة متصديةً لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبًا على كل فردٍ من الأمة بحسبة» . قال «ابن كثير» (٤): «يقول - تعالى - مخاطبًا عبدَه ورسولَه محمدًا ﵌ باسم الرسالة، وآمرًا له بالإبلاغ بجميع ما أرسله الله به.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة: ٦٧) . وقد امتثل ﵌ ذلك، وقام به أتم القيام» ..
الأساس الثاني: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر
حازت الأمةُ المحمديةُ الشرفَ العظيمَ، والخيريَّة على الأمم السابقين بهذه المنقبة قال الله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (آل عمران: ١١٠) .
قال «ابن كثير» (٥): «قال البخاريُّ (٦) عن أبي هريرة: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: خيرَ الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم، حتى يدخلوا في الإسلام» . وقد لَعَنَ الرسلُ - عليهم الصلاة والسلام - مَنْ كفَرَ من بني إسرائيل، لأنهم تركوا إنكار المنكر.
(١) «الموافقات» (١: ٣٣٧) .
(٢) في «تفسيره» (٤: ٤٢٢) .
(٣) في «تفسيره» (٢: ٩١) .
(٤) في «تفسيره» (٣: ١٥٠) .
(٥) في «تفسيره» (٢: ٩٣) .
(٦) في «صحيحه» في (كتاب التفسير - باب كنتم خير أمة أخرجت للناس) (٤٥٥٧) .
1 / 9
قال الله سبحانه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ. َانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة: ٧٨ - ٧٩) . قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ أي: أن لعنهم كان بسبب عصيانهم واعتدائهم، ثم فسَّر الاعتداء بقوله: ﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ .
الأساس الثالث: طاعة ولي الأمر
دعا القرآن الكريم إلى طاعة أولي الأمر (١) . قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: ٥٩) .
قال «ابن القيم» (٢): فقرن بين طاعة الله والرسول وطاعة أولي الأمر، وسلَّط عليهم عاملًا واحدًا.
أما أولو الأمر فلا تجب طاعة أحدهم إلا إذا اندرجت تحت طاعة الرسول، كما صحّ عن النبي ﵌ أنه قال: (على المرء السمعُ والطاعةُ فيما أحبَّ وكَرِه ما لم يُؤْمَرْ بمعصية الله تعالى، فإذا أُمِرَ بمعصيةِ الله تعالى فلا سمعَ ولا طاعةَ) (٣) . وللإمام أحمد - رحمه الله تعالى - في أولي الأمر روايتان:
إحداهما: أنهم العلماء. والثانية: أنهم الأمراء. والقولان ثابتان عن الصحابة في تفسير الآية، والصحيح أنهما متناولة للصنفين جميعًا.
فإن العلماءَ والأمراءَ هم ولاةُ الأمر الذي بَعَثَ الله به رسولَه. فالعلماءُ ولاتُه حفظًا وبيانًا، وذبًّا عنه وردًّا على من ألحد فيه وزاغ عنه. والأمراءُ ولاتُه قيامًا وعنايةً وجهادًا وإلزامًا للناس به، وأخذهم على يد من خرج عنه.
وهذان الصنفان هما الناس، وسائر النوع الإنساني تبع لهما ورعية ... وقال «ابن تيمية» (٤): «أولو الأمر صنفان: العلماء والأمراء، فإذا صلحوا صلح الناس، وإذا فسدوا فسد الناس» . وقال ﵌: (من أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عَصَى الأمير فقد
عصاني) (٥) وفي منارعة الأمرِ أهلَه، وشقِّ عصا الطاعة أضرارٌ جسيمة، منها:
(١) مخالفة الله ورسوله وهدي السلف.
(٢) تعطيل المصالح العامة.
(٣) اختلال الأمن.
(٤) شيوع الخوف.
(٥) تجرؤ أهل الأهواء والباطل.
(٦) تجرؤ السراق وقطاع الطرق.
(٧) إشاعة الإتلاف والقتل.
(٨) فتح الباب لأهل الأغراض الشهوانية.
ولا تكون الأمةُ قويةً مهابة الجانب إلا بالسير وراء وُلاتها، وبذلك يهابُها عدوُّها من خارجها، والمغرضون من داخلها.
الأساس الرابع: الجماعة رحمة والفُرقة عذاب
دعا القرآن الكريم إلى الاجتماع ونبذ الافتراق، فاجتماع الناس على دين واحد هو هدفٌ من أهداف القرآن، وقد أجمعت الرسلُ عليه.
(١) انظر «مجموع الفتاوى» (٣٥: ٥ - ١٦»، و«أضواء البيان» (ا: ١٢٩ - ١٣١) .
(٢) في «الصواعق المرسلة» (٣: ٨٢٨» عن «بدائع التفسير» (٢: ٢٨ - ٣٠) بتصرف يسير.
(٣) أخرجه «البخاري» في «صحيحه» في (كتاب الجهاد - باب السمع والطاعة للإمام مالم تكن معصية) (٢٩٥٥)، و«مسلم» في «صحيحه» في (كتابالإمارة - باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية) (١٨٣٩) عن «ابن عمر» ﵄.
(٤) في «مجموع الفتاوى» (٢٨: ١٧٠) .
(٥) أخرجه «البخاري» في صحيحه» في (كتاب الجهاد - بابٌ يُقَاتَلُ وراءَ الإمام ويُتَّقَى به) (٢٩٥٧)، وفي كتاب الأحكام - باب قول الله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ (٧١٣٧)، و«مسلم في «صحيحه» في (كتاب الإمارة - باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية..) (١٨٣٥) .
1 / 10