328

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

وإنما قُلْنَا: مَعْنَى ازْدِيَادِهم الكُفْر: مَا أصَابُوا في كُفْرِهم مِنْ الْمَعَاصِي؛ لأنه جَلَّ ثَنَاؤه قَال: (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ)، فَكَان مَعْلُومًا أنَّ مَعْنَى قَوله: (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) إنّما هُوَ مَعْنِيّ به: لَنْ تُقْبَل تَوْبَتُهم مِمَّا ازْدَادُوا مِنْ الكُفْر على كُفْرِهم بَعْد إيمانِهم لا مِنْ كُفْرِهم، لأنَّ الله تَعالى ذِكْرُه وَعَدَ أن يَقْبَل التَّوبَة مِنْ عِبَادِه، فَقَال: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ)، فَمُحَال أن يَقُول ﷿: أقْبَل ولا أقْبَل، في شَيء واحِد.
وإذْ كَان ذلك كَذلك، وكَان مِنْ حُكْم الله في عِبَادِه أنه قَابِل تَوْبَة كُلّ تَائب مِنْ كُل ذَنْب، وكَان الكُفْر بَعْد الإيمان أحَد تِلك الذُّنُوب التي وَعَد قَبُول التَّوْبَة مِنها بِقَولِه: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [آل عمران: ٨٩] عُلِمَ أنّ الْمَعْنَى الذي لا تُقْبَل التَّوبة مِنه غَير الْمَعْنَى الذي تُقْبَل التَّوبَة مِنه.
وإذْ كَان ذلك كَذلك فالذي لا تُقْبَل مِنه التَّوْبَة هو الازْدِيَاد على الكُفْر بَعْد الكُفْر لا يَقْبَل الله تَوبَة صَاحِبه مَا أقَام على كُفْرِه، لأنَّ الله لا يَقْبَل مِنْ مُشْرِكٍ عَمَلًا مَا أقَام على شِرْكِه وضَلاله، فأمَّا إنْ تَاب مِنْ شِرْكِه وكُفْرِه وأصْلَح فإنَّ الله كَمَا وَصَفَ بِه نَفسَه: غَفُورٌ رَحِيم (^١).
واعْتَبَر ابن جرير آيَة "الشورى" عَامّة في قَبُول تَوْبَة مَنْ تَاب و"راجَع تَوحِيد الله وطَاعَته مِنْ بَعد كُفْرِه" (^٢) كَما اعْتَبَر آيَة "التوبة" في شَأن الْمُنَافِقِين خَاصَّة (^٣).
وذَكَر السمرقندي سَبَب قَول أهْل مَكَّة في النبي ﷺ: نَتَرَبَّص بِه رَيْب الْمَنُون، فَحَكى عن الكلبي ومُقاتل قولهما: لَمَّا نَزَلَتْ هَذه الآيَة (^٤) - أي الرُّخْصَة بِالتَّوبَة - كَتَبَ أُخْوة الحارث بن سويد إلى الحارث: إنَّ الله قد عَرَضَ عَليكم

(^١) جامع البيان، مرجع سابق (٥/ ٥٣٦ - ٥٦٩).
(^٢) المرجع السابق (٢٠/ ٥٠٥).
(^٣) المرجع السابق (١١/ ٦٦٤).
(^٤) يَعني قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤمِنِينَ) [النساء: ١٤٦].

1 / 328