278

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

جمع القرطبي:
قال القرطبي: قَوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) هَذا الكَلام مُتَّصِل بِذِكْرِ الصَّدَقَات؛ فكأنه بَيَّن فِيه جَوَاز الصَّدَقة على الْمُشْرِكِين.
رَوَى سَعيد بن جبير مُرْسَلا (^١) عن النبي ﷺ في سَبَب نُزُول هذه الآيَة أنَّ الْمُسْلمين كَانُا يَتَصَدَّقُون على فُقَرَاء أهْل الذِّمَّة، فَلَمَّا كَثُر فُقَرَاء الْمُسْلمين قال رسول الله ﷺ: لا تَتَصَدّقوا إلَّا عَلى أهْل دِينِكم. فَنَزَلَتْ هذه الآية مُبِيْحَة للصَّدَقة على مَنْ لَيس مِنْ دِين الإسْلام.
وذكر النَّقَّاش أن النبي ﷺ أُتِي بِصَدَقات فَجَاءَه يَهُودِي فَقَال: اعْطِنِي. فقال النبي ﷺ: لَيس لكَ مِنْ صَدَقة الْمُسْلِمِين شَيء. فَذَهَب اليَهُودِي غَير بَعيد، فَنَزَلَتْ (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ)، فَدَعَاه رَسُول الله ﷺ فأعْطَاه، ثم نَسَخَ الله ذلك بآيَة الصَّدَقَات (^٢).
ورَوَى ابن عباس أنه قال: كَان نَاس مِنْ الأنْصَار لهم قَرَابَات مِنْ بَنِي قُرَيظَة والنَّضير، وكَانُوا لا يَتَصَدَّقُون عَليهم رَغْبَة مِنْهم في أن يُسْلِمُوا إذا احْتَاجُوا، فَنَزَلَتْ الآيَة بسَبَب أولئك (^٣).
وحَكى بَعْض الْمُفَسِّرِين أنَّ أسْمَاء ابنة أبي بَكر الصِّدِّيق أرَادَتْ أن تَصِلَ جَدّها أبا قُحَافَة ثم امْتَنَعَتْ مِنْ ذلك لِكَوْنِه كَافِرًا (^٤)، فَنَزَلَتْ الآيَة في ذَلك.

(^١) المرسل من أقسام الحديث الضعيف. قال مسلم بن الحجاج (مقدمة الصحيح ١/ ٣٠): والمرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة. اهـ. والحديث رواه ابن جرير (٥/ ٢١) من طريق الحماني، وهو متهم بسرقة الحديث. انظر: الكامل، ابن عدي (٧/ ٢٣٧ وما بعدها)، والتقريب، ابن حجر (ترجمة ٧٥٩١)، ورواه أيضًا من طريق جرير بن عبد الحميد، وهو ممن اخْتَلَط. انظر: الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الثقات، ابن الكيال ص (١٢٠ وما بعدها)، فهذه الروايات ضعيفة من أكثر من وجه.
(^٢) في هذا المعنى آثار ذكرها السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٨٦، ٨٧).
(^٣) رواه ابن جرير (٥/ ٢٠).
(^٤) أي: آنذاك، وإلَّا فقد أسْلَم عام الفتح. انظر: مسند أحمد (ح ١٢٦٣٥).

1 / 278