225

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

وأمَّا في تَفْسِير "الصَّافَّات"، فَقَال: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) يَعْنِي: الرُّؤَسَاء والأتْبَاع (يَتَسَاءَلُونَ) يَتَخَاصَمُون (^١).
وذَكَر فِيها وَجْهًا آخَر في الْجَمْع، فَقَال في قَوله تَعالى: (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ): إنما هُو لا يَتَسَاءَلُون بالأرْحَام، فَيَقُول أحَدُهم (^٢): أسْألُك بالرَّحِم الذي بَيْن وبَيْنَك لَمَا نَفَعْتَنِي، أوْ أسْقَطْت لِي حَقًّا لَك عَليّ، أوْ وَهَبْتَ لي حَسَنَة؛ وهَذا بَيِّن لأنَّ قَبْلَه: (فَلَا أَنْسَابَ)، أي: لَيس يَنْتَفِعُون بالأنْسَاب التي بَيْنَهم … و(يَتَسَاءَلُونَ) هَا هُنا إنما هَو أن يَسْأل بَعْضُهم بَعْضًا ويُوَبِّخَه في أنه أضَلَّه، أوْ فَتَح لَه بَابًا مِنْ الْمَعْصِيَة، يُبَيِّنْ ذلك أنَّ بَعْدَه (قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ) [الصافات: ٢٨].
قال مجاهد: هو قَول الكُفَّار للشَّيَاطِين.
قتادة: هو قُول الإنْس للجِنّ.
وقيل: هُو مِنْ قَول الأتْبَاع للمَتْبُوعِين. دَلِيله قَوله تَعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ) [سبأ: ٣١] الآية (^٣).
مُلخَّص جواب القرطبي:
١ - لا يَتَسَاءَلُون إذا نُفِخ في الصُّور النَّفْخَة الأُولى، وأمَّا بَعْد النَّفْخَة الآخِرَة فيُقْبِل بَعْضُهم عَلى بَعْض يَتَسَاءَلُون.
٢ - لا يَسْأل بَعْضُهم بَعْضًا رَحْمَة وشَفَقَة، بل سُؤال تَوبِيخ.

(^١) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (١٥/ ٦٨).
(^٢) أي في الدُّنيا حِينما كَانُوا يَتَسَاءَلُون بالأرْحَام، كما قال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ) [النساء: ١]، وأمَّا في الآخِرَة فلا يَتَسَاءَلُون بِهَا. أو أن في الكَلام سَقْطًا، فتَكُون العِبَارة: فَلا يَقُول أحَدُهم … بَدَل من "فَيَقُول أحَدُهم" لأنه عَنى أنهم لا يَتَسَاءَلُون بالأرْحَام.
(^٣) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (١٥/ ٦٨).

1 / 225