194

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

جمع القرطبي:
قال القرطبي:
(وَلَا يَكْتَمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) قَال الزَّجَّاج: قال بَعضُهم: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) مُسْتَأنَف؛ لأنَّ مَا عَمِلُوه ظَاهِر عِنْد الله لا يَقْدِرُون عَلى كِتْمَانِه.
وقال بَعْضُهم: هو مَعْطُوف، والْمَعْنَى: يَوَدّ لَو أنَّ الأرْض سُوِّيتْ بِهِمْ وأنهم لَم يَكْتُمُوا الله حَدِيثًا؛ لأنه ظَهَر كَذِبهم.
وسُئل ابن عباس عن هَذه الآية، وعَن قَوله تعالى: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، فَقال: لَمَّا رَأوا أنه لا يَدْخُل الْجَنَّة إلَّا أهْل الإسْلام قَالُوا: والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِين، فَخَتَم الله على أفْوَاهِهم، وتَكَلَّمَتْ أيدِيهم وأرْجُلهم، فلا يَكْتُمُون الله حَدِيثًا.
وقال الْحَسَن وقَتَادَة: الآخِرَة مَوَاطِن؛ يَكُون هَذا في بَعْضِها وهَذا في بَعْضِها.
ومَعْنَاه: أنهم لَمَّا تَبَيَّن لَهُمْ وحُوسِبُوا لم يَكْتُموا (^١).
وقال في تَفْسِير سُورة الأنْعَام مَا نَصّه:
قوله تعالى: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ) [الأنعام: ٢٣] الْفِتْنَة الاخْتِبَار، أي: لَم يَكُنْ جَوَابهم حِين اخْتُبِرُوا بِهَذا السُّؤال ورَأوا الْحَقَائق وارْتَفَعَتِ الدَّوَاعِي (إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) [الأنعام: ٢٣]، تَبَرّءوا مِنْ الشِّرْك وانْتَفَوا مِنه لِمَا رَأوا مِنْ تَجَاوُزِه ومَغْفِرَتِه للمُؤمِنِين.
قال ابن عباس: يَغفر الله تَعالى لأهْل الإخْلاص ذُنُوبَهم ولا يَتَعَاظُم عليه ذَنْب أن يَغْفِرَه، فإذا رَأى الْمُشْرِكُون ذلك قَالوا: إنَّ رَبَّنَا يَغْفِر الذُّنُوب ولا يَغْفِر الشِّرْك، فَتَعَالَوا نَقُول: إنا كُنّا أهْل ذُنُوب ولم نَكُنْ مُشْرِكِين! فَقال الله تعالى: أَما إذْ كَتَمُوا الشّرْك فَاخْتِمُوا عَلى أفواههم، فَيُخْتَم على أفْوَاهِهم، فَتَنْطِق أَيدِيهم وتَشْهَد أرْجُلُهم بِمَا

(^١) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٥/ ١٩٢).

1 / 194