184

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

على أنَّ الأرْض خُلِقَتْ قَبْل السَّمَاء. وقال في آية أخرى: (أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا) ثُمّ قَال: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا)، وهَذا يَدُلّ على خَلْق السَّمَاء أوَّلًا. وقال قَوم: خُلِقَتِ الأرْض قَبْل السَّمَاء. فأمَّا قَوله: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا)، فالدَّحْو غير الْخَلْق، فاللهُ خَلَق الأرْض، ثُمّ خَلَق السَّمَاوَات، ثم دَحَا الأرْض، أي مَدَّها وبَسَطَها. قاله ابن عباس (^١).
وقال في تفسير "النَّازِعَات": وَذَكَر بَعض أهْل العِلْم أنَّ بَعْد في مَوضِع (مَعَ)، كَأنّه قال: والأرْضَ مَع ذلك دَحَاهَا، كَمَا قَال تَعالى: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ) [القلم: ١٣] .... وقِيل: (بَعْد) بِمَعْنى (قَبْل)، كَقَوله تَعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ) [الأنبياء: ١٠٥] أي: مِنْ قَبْل الفُرْقَان.
وقيل: (دَحَاهَا) حَرَثها وشَقّها. قاله ابن زيد.
وقيل: (دَحَاهَا) مَهّدَها للأقْوَات. والْمَعْنى مُتَقَارِب (^٢).
مُلخَّص جواب القرطبي:
١ - خَلَق اللهُ الأَرض في يَومَين، ثم اسْتَوى إلى السَّمَاء فَسَوَّاهُنّ سَبْع سَمَاوَات في يَومَين، ثُمّ دَحَا الأرْض في يَومَين؛ فَهذِه سِتَّة أيام.
٢ - قوله تعالى: (خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) ثُمّ قَال: (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ)، أي: في تَتِمَّة أرْبَعَة أيام.
٣ - أنَّ الدَّحْو غَير الْخَلْق، فالله خَلَق الأرْض، ثم خَلَق السَّمَاوَات، ثم دَحَا الأرْض.
٤ - أنَّ بَعْد بِمَعْنى مَع، أي: مَع ذلك دَحَاهَا.
٥ - نَقَل قَولًا لم يُعوِّل عليه، وهو أنَّ السَّمَاء خُلِقَتِ قَبْل الأرْض.

(^١) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (١٥/ ٣٤٦).
(^٢) المرجع السابق (١٩/ ١٧٩) بتصرف يسير.

1 / 184