177

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

ثم قال: وأوْلى القَولين في ذلك بالصَّواب قَول مَنْ قَال: مَعْنَاه كَأنك حَفِيّ بالْمَسْأَلَة عنها، فَتَعْلَمها. فإن قَال قَائل: وكَيف قِيل: (حَفِيٌّ عَنْهَا) ولم يَقُل: حَفِيّ بها، إنْ كَان ذلك تَأوِيل الكَلام؟ قِيل: إنَّ ذَلك قِيل كَذلك، لأنَّ الْحَفَاوة إنما تَكُون في الْمَسْألة، وهي البَشَاشَة للمَسْؤول عِند الْمَسْألة، والإكْثَار مِنْ السُّؤال عنه، والسُّؤال يُوصِل بـ (عن) مُرّة وبـ (الباء) مَرّة، فيُقَال: سَألْتُ عنه، وسَألْتُ به، فَلَمَّا وَضِع قَوله حَفِيّ مَوْضِع السُّؤال وُصِل بأغْلَب الْحَرْفَين اللَّذَين يُوصَل بِهِما السُّؤال، وهْو (عن) كما قال الشَّاعر:
سُؤال حَفِيّ عن أخِيه كَأنه بِذِكْرَتِه وَسْنَانُ أوْ مُتَوَاسِنُ
وأمَّا قَوله: (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ)، فإنَّ مَعْنَاه: قُلْ يا مُحَمَّد لِسَائلِيك عَنْ وَقْت السَّاعَة، وحِين مَجِيئها: لا عِلْمَ لي بِذَلك، ولا يَعْلَم بِه إلَّا الله الذي يَعْلَم غَيْب السَّمَاوات والأرْض (^١).
وقال السمرقندي: قَوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ) يَعني عَنْ قِيام السَّاعة. (أَيَّانَ مُرْسَاهَا) يَعني مَتى حِينها وقِيامها. ويُقال: هَذا الكَلام على الاخْتِصَار، وَمَعْنَاه: أي أَوَان قيامها. ثم قال: (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) يَعني علْم قيَام السَّاعَة عند رَبي، ومَا لِي بِها مِنْ عِلْم .... ثم قال: (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) قال مُقاتل: كَأنك اسْتَخْفَيْتَ عنها السُّؤال حتى عَلِمْتَها.
وقال القَتَبي: أي كَأنك حَفِيّ تَطْلُب عِلْمها، ومِنه يُقَال: تَحَفّى فُلان بالقَوم، إذا بَالَغ في البِرّ. ويُقَال: (كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) يَعْني كَأنك جَاهِل بها. ويُقال: في الآية تَقْدِيم، ومَعْنَاه: يَسْألُونَك عَنْها كَأنك عَالِم بها (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) .... ثم قال:

(^١) جامع البيان، مرجع سابق (١٠/ ٦١٠ - ٦١٥) باختصار.

1 / 177