Terms in Creed Books

مصطلحات في كتب العقائد

Maison d'édition

درا بن خزيمة

Édition

الاولى

المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد:
فإن شرف العلم بشرف المعلوم، وإن علم العقيدة أشرف العلوم، وأعظمها وأجلها؛ إذ موضوعه العلم بالله، وما ينبغي له من الجلال والتعظيم والحب والرجاء.aq، وسلامتها من التناقض، والاضطراب، واللبس والغموض.
فألفاظها سهلة، ومعانيها بينة؛ فأدلتها مستقاة من الكتاب والسنة تسبق إلى الأفهام ببادئ الرأي، وأول النظر، ويشترك كافة الخلق في إدراكها، فيفهمها العالم والعامي، والصغير والكبير؛ فهي مثل الغذاء ينتفع به كل إنسان، بل كالماء الذي جعل الله منه كل شيء حي؛ فينتفع به الصبي والرضيع، والرجل القوي والضعيف؛ فأدلة الكتاب والسنة سائغة جلية تقنع العقول، وتسكِّن النفوس، وتغرس الاعتقاداتِ الجازمةَ في القلوب١.
ولقد أدرك ذلك جيل الصحابة؛ لقرب العهد، ومباشرة التلقي من مشكاة

١_ أشار إلى هذا المعنى ابن الوزير اليماني، انظر كتابه: ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان ص٣٤٨.

1 / 3

النبوة التي هي مظهر كل نور، ومنبع كل خير، وأساس كل هدى؛ فكانوا أسلم الناس فطرة، وأقلهم تكلفًا، وأعظمهم إيمانًا، وأزكاهم نفوسًا.
ثم سلك أثرهم التابعون لهم بإحسان؛ فاقتفوا طريقهم، واهتدوا بهداهم، ودعوا إلى ما دعوا إليه، ومضوا إلى ما كانوا عليه.
ثم بعد ذلك دب في هذه الأمة داء الأمم، فركبت سنن من كان قبلها؛ فدخلت فلسفاتُ اليونانِ والهندِ وفارس، وضلالاتُ أهلِ الكتابِ بلادَ المسلمين، وحدث انقلاب في كثير من الاعتقادات، وجرت محاولات التوفيق بين الدين والفلسفة، وتسلط سيف التأويل على نصوص الشريعة؛ فحدثت بدع، وشاعت ألفاظ دخيلة، وتكدر وجه الحق بشوائب الباطل، وخفيت بعض معالم الهدى بسبب ما أُحدث من مصطلحات غريبة الوجه واليد واللسان عن دين الإسلام، ولغة القرآن.
لذا هبَّ علماء الإسلام والسنة - على وجه الخصوص - لمنازلة المخالفين، والرد عليهم بالحجة والبينة والعدل والرحمة، واضطروا إلى التنزل ومخاطبة المخالفين بأساليبهم، ومصطلحاتهم؛ فنشأ من خلال ذلك - في بعض الأحيان - صعوبةٌ في فهم كلامهم، واستغلاقٌ للمعاني التي يريدون الوصول إليها وإن كان ذلك نسبيًا وليس قاعدة مطردة.
ومن هنا يظن بعض من يقرأ مؤلفات العلماء في العقيدة أنها صعبة المرتقى، بعيدة المنال، وهذا الظن ليس في محله؛ لأن العلماء إذا كتبوا العقيدة الإسلامية مجردة من الردود صاغوها بأسلوب ميسر واضح.

1 / 4

ولقد كان يمرّ بي أثناء قراءة بعض الكتب، أو تدريسها كثير من المصطلحات التي يستبهم معها المعنى.
ومن الأمثلة على ذلك ما ألاحظه في تدريس مادة العقيدة في المستوى السابع والثامن في كلية الشريعة وأصول الدين في جامعة القصيم - الإمام سابقًا - حيث يلقى الطلاب عنتًا ومشقة من جراء فهم الكتاب المقرر وهو الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
ومن هنا نشأت فكرة تدوين بعض تلك المصطلحات؛ فشرعت في جمعها إما من خلال ما كتبته في حواشي بعض الكتب التي أقرؤها، أو أشرحها، أو من خلال بعض ما هو مبثوث في بعض الكتب التي ألَّفتها؛ فطبعت، ونشرت، وزدت على ذلك جملة من المصطلحات والجمل التي تحتاج إلى إيضاح؛ فاجتمع لي من جراء ذلك سوادٌ لا بأس به؛ فرغبت في نشره؛ رجاء عموم النفع به، ورغبة في أن يكون سببًا لإيضاح مشكل، أو فك مستغلق.
ولقد كان الحرص قائمًا على تقريب ما يتلاءم من المصطلحات إلى نظيره أو ما يقرب منه.
ووضعت في النهاية فهرسًا أبجديًا، وفهرسًا عامًا؛ ليسهل الوصول إلى المراد.
وهذه المصطلحات ليست كلها مقتصرة على كتب العقائد فحسب، بل قد ترد في بعض كتب التفسير، والأصول، والفقه، والحديث، واللغة، والمنطق، وغيرها.
وهذا الكتاب ليس محيطًا، ولا مستقصيًا؛ إذ هو ليس معجمًا شاملًا، وإنما هو

1 / 5

مصطلحات يسر الله جمعها، وكتابتها.
ثم إن هذه المصطلحات ليست على وتيرة واحدة من جهة وضوحها، أو إشكالها، وإنما هي متفاوتة، ويمكن إجمالها بما يلي:
١_ مصطلحات واضحة وتحتاج إلى مزيد تحليل وإيضاح.
٢_ مصطلحات مشكلة مبهمة وتحتاج إلى فك وإزالة إبهام.
٣_ مصطلحات غامضة داخلة في سياق ولا يفهم السياق إلا بفهمها.
٤_ مصطلحات واضحة وتفهم إذا كانت مفردة، لكنها إذا دخلت في سياق استغلق المعنى؛ فيُحْتَاج معها إلى شرح وتحليل.
ثم إن الشرح والتحليل يختلف بسطًا، واختصارًا من مصطلح إلى مصطلح، ومن سياق إلى سياق؛ فتارة يطول، وتارة يقصر، وهكذا ...
وأخيرًا أسأل الله - بأسمائه الحسنى وصفاته العلى - أن ينفع بهذا العمل، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم.
وآمل من القارئ أن يمدني بملحوظاته، وله جزيل الشكر، وخالص الدعاء.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

1 / 6

الإلحاد
يرد هذا المصطلح كثيرًا في كتب العقائد خصوصًا في باب الأسماء والصفات؛ ذلك أن الإلحاد يضاد توحيد الأسماء والصفات، ويدخل في الإلحاد: التعطيلُ، والتمثيلُ، والتكييف، والتفويض، والتحريف، والتأويل، وفيما يلي نبذة عن الإلحاد، وما يدخل تحته من مصطلحات.
الإلحاد: الإلحاد في اللغة هو: الميل، ومنه اللحد في القبر، ومنه قول عمرو ابن معدي كرب الزبيدي:
كم من أخ كان لي ماجدٍ ... ألحدته في يديَّ الثرى
وقول جرير:
دعوت الملحدين أبا خبيب ... جماحًا هل شفيت من الجماح١
ويقصد بالملحدين: المائلين عن الحق.
أما في الاصطلاح: فهو العدول عما يجب اعتقاده أو عمله٢.
والإلحاد في أسماء الله هو: العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها.
أنواع الإلحاد في أسماء الله وصفاته٣:
١_ أن ينكر شيئًا مما دلت عليه من الصفات كفعل المعطلة.
٢_ أن يجعلها دالة على تشبيه الله بخلقه، كفعل أهل التمثيل.

١_ ديوان جرير ص٧٤.
٢ - انظر فتح ربِّ البرية بتلخيص الحموية، ص١٨.
٣_ انظر المرجع السابق، ص١٩.

1 / 7

٣_ أن يُسمى الله بما لم يُسمِّ به نفسه؛ لأن أسماء الله توقيفية، كتسمية النصارى له أبًا وتسمية الفلاسفة إياه علة فاعلة أو تسميته بـ: مهندس الكون أو العقل المدبر أو غير ذلك.
٤_ أن يشتق من أسمائه أسماء للأصنام، كاشتقاق اللات من الإله والعُزَّى من العزيز.
٥_ وصفه - تعالى - بما لا يليق به، وبما ينزه عنه، كقول اليهود: بأن الله تَعِبَ من خلق السموات والأرض، واستراح يوم السبت، أو قولهم: إن الله فقير.
ويدخل تحت الإلحاد كل انحراف في ذلك الباب، وسيرد تفصيل لذلك في الصفحات التالية.

1 / 8

التعطيل، والتمثيل، والتشبيه، والتكييف
١_ التعطيل: التعطيل في اللغة: مأخوذ من العطل، الذي هو الخلو والفراغ والترك، ومنه قوله - تعالى _: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [الحج: ٤٥]، أي: أهملها أهلها، وتركوا وردها ١.
وفي الاصطلاح: هو إنكار ما يجب لله - تعالى - من الأسماء والصفات، أو إنكار بعضه، وهو نوعان:
أ_تعطيل كلي: كتعطيل الجهمية الذين أنكروا الصفات، وغلاتهم ينكرون الأسماء - أيضًا _.
ب_تعطيل جزئي: كتعطيل الأشعرية الذين ينكرون بعض الصفات دون بعض، وأول من عرف بالتعطيل من هذه الأمة الجعد بن درهم٢.
٢_ التمثيل: وهو في اللغة: إثبات مثيل للشيء.
وفي الاصطلاح: اعتقاد أن صفات الله أو ذاته مثل صفات المخلوقين أو ذواتهم.
٣_ التشبيه: إثبات مشابه للشيء.
وفي الاصطلاح: اعتقاد أن صفات الله أو ذاته تشبه صفات المخلوقين أو ذواتهم.

١_ شرح العقيدة الواسطية، للهراس ص٦٧.
٢_ انظر فتح رب البرية، ص١٥_١٦.

1 / 9

والفرق بين التمثيل والتشبيه أن التمثيل مساواة من كل وجه، أما التشبيه فمساواة في بعض الصفات.
وقد يطلق أحدهما على الآخر.
٤_التكييف: حكاية كيفية الصفة كقول القائل: يد الله أو نزوله إلى الدنيا كذا وكذا، أو يده طويلة، أو غير ذلك، أو أن يسأل عن صفات الله بكيف.

1 / 10

التفويض
التفويض داخل ضمن الإلحاد في أسماء الله وأفرد ههنا لأن فيه مزيد حديث، وفيما يلي خلاصة عنه.
١_ التفويض في اللغة يدور حول عدة معان منها: الرد إلى الشيء، والتحكيم فيه، والتوكيل.
وفي باب الأسماء والصفات: هو الحكم بأن معاني نصوص الصفات مجهولة غير معقولة، لا يعلمها إلا الله.
أو هو إثبات الصفات، وتفويض المعنى والكيفية.
٢_ القائلون بالتفويض صنفان:
أ_ صنف يزعمون: أن ظواهر النصوص تقتضي التمثيل، فيحكمون بأن المراد خلاف ظاهرها، وأنه غير مراد.
ب_ وصنف يقولون: تُجرى على ظاهرها، ولها تأويلٌ يخالف الظاهر لا يعلمه إلا الله، وهؤلاء متناقضون.
٣_ ظهور مقالة التفويض:
ظهرت بوادر التفويض في مطلع القرن الرابع لأسباب منها:
أ_ الفهم الخاطئ لمذهب السلف؛ حيث ظن أهل التفويض أن السلف يفوضون المعنى والكيفية مع أن السلف يثبتون المعنى، ويفوضون الكيفية.
ب_ الاعتماد على الأصول الفلسفية اليونانية في تقرير الأسماء والصفات، واستعمال مصطلحاتهم كالجسم، والحيِّز.

1 / 11

جـ - دعوى الخوف على عقائد العوام.
٤_ أمور ساعدت على ظهور مقالة التفويض:
ساعد على ظهور مقالة التفويض أمور منها:
أ_ وقوعها من بعض الأئمة المشهورين برواية الحديث كالخطابي، والبيهقي، وأبي يعلى.
ب_ انحياز أحد أئمة التأويل - وهو أبو المعالي الجويني - إلى التفويض في آخر حياته.
جـ - الفتيا بإلزام العوام بمذهب التفويض وأنه لا يسعهم إلا ذلك.
د_ استفاضة نسبة التفويض إلى السلف، وتقرير ذلك في كتب المقالات والملل.
٥_ عمدة أهل التفويض في استدلالهم على مذهبهم بالقرآن هو الوقف على قوله - تعالى _: ﴿وَمَاْ يَعْلَمُ تَأْوِيْلَهُ إِلاَّ الله﴾ فبنوا شبهتهم على مقدمتين:
أ_ أن آيات الصفات من المتشابه.
ب_أن التأويل الذي في الآية يُقصد به صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى يخالف الظاهر.
والنتيجة: أن لآيات الصفات معنىً يخالف الظاهر لا يعلمه إلا الله.
ولقد غلطوا في المقدمتين؛ فآيات الصفات من المحكم معناه، المتشابه في كيفيته وحقيقته.
والتأويل في الآية له قراءتان مشهورتان عن السلف؛ فعلى الوقف يكون بمعنى الحقيقة والكيفية، وعلى قراءة الوصل يكون التأويل بمعنى التفسير.

1 / 12