Confirmation de l'imamat d'Ali

تثبيت امامة علي

Édition

الثانية

Année de publication

1419 AH

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين * (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) * [1 / الانعام: 6] لا تشرك بالله ولا نتخذ من دونه إلها ولا وليا، نحمده على ما خصنا به من نعمه، ودلنا عليه من طاعته، واستنقذنا به من الهلكة برحمته، وبصرنا من سبيل النجاة، وابتدأنا به من الفضل العظيم والاحسان الجسيم بمحمد البر الرؤوف الرحيم صلى الله عليه وآله وسلم.

أرسله إلينا فكان كما قال عز وجل: * (لقد جاء كم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) * [128 / التوبة: 9].

فبلغ - عليه وعلى آله الصلاة والسلام - رسالة ربه، ونصح لامته، وأدى ما ائتمن عليه، واحتج لله ودعا إليه بالموضعة البالغة والحكمة الجامعة، وأجهد نفسه، واجتهد في أمره، واحتمل

Page 6

الأذى في دينه، واصطبر على كل محنة وبلوى، حتى قبضه الله عز وجل إليه وقد رضي فعله وشكر سعيه وغفر ذنبه، فقال سبحانه: * (إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر...) * [2 / الفتح: 48].

[إتمام الرسول للحجة].

فمضى صلى الله عليه وآله وسلم وقد بين للأمة وأدى إليهم جميع ما يحتاجون إليه مما فرض الله عليهم في محكم تنزيله على لسان نبيه من الحلال والحرام والحدود والمواريث والأمر والنهي.

فقبض وليس لاحد على الله حجة بعدما كان منه صلى الله عليه وآله من البيان والشرح والأمر والنهي والترغيب والتحذير، وكذلك قال سبحانه - فيه وفي من كان قبله من الأنبياء -:

* (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) * [165 / النساء: 4].

[ما خلف النبي من بعده] فترك صلى الله عليه وآله بين أظهرهم من كتاب الله الكريم حجة عليهم، وما فيه بيان ما يحتاجون إليه وما يعملون به، هدى وشفاء لما في الصدور، فيه أصل كل شئ وفرعه، كما قال سبحانه: * (.. ما فرطنا في الكتاب من شئ) * [38 / الانعام: 6]

Page 7

وكيف يجوز أن يكون فيه تفريط، وهو جامع لما افترض الله سبحانه على عباده، وفي كل آية منه [لله] سبحانه وتعالى حجة وبيان لما حرم وأحل وحدد وفرض!؟

وقد حفظه الله، فلم تزل منه آية، ولم تذهب منه سورة، لما ذكرنا من إكمال الحجة على عباده، وذلك قوله عز وجل:

* (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) * [9 / الحجر: 15] وقال سبحانه وتعالى: * (في لوح محفوظ) * [22 / البروج: 85] وقال سبحانه: * (وإنه لكتاب عزيز * لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) * [41 - 42 / فصلت: 41] فما حفظه الله سبحانه وتعالى فغير ضائع وما حاط (1) فغير ذاهب.

[تضييع أحكام الكتاب الكريم] فعند فقد الأمة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضيع الكتاب، وما افترض الله عز وجل عليهم، فلم يعمل بما أنزل الله تعالى فيه، ولم يلتفت إلى شئ مما جرت به الاحكام عليه.

[الاختلاف] واختلفت الأمور عند قبضه عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام، وانقصمت الظهور وبدت من الأقوام عليه وعلى عترته عليهم السلام ما كانوا يخفون من ضغائن الصدور.

Page 8

[وضع الحديث] وتكلم كل بهواه، وجاء كل بحديث ينقض به حديث صاحبه وكل يزعم أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله، مع ما في ذلك من خلاف محكم التنزيل، وما في كتاب الله الجليل، يعلمون ذلك، وهم راضون في الحكم بغير ما فيه.

وقد أجمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لهم: إنه سيكذب على كما كذب على من كان قبلي من الأنبياء، فما جاء كم عني فاعرضوه على كتاب الله عز وجل فما وافق كتاب الله عز وجل فهو مني وأنا قتله، وإن قالوا: لم يقله، وما خالف كتاب الله عز وجل فليس مني ولم أقله، وإن قالوا: قاله.

[نشوء الفرق] ثم افترقت هذه الأمة، بعد ما كان منها مما ذكرنا، على أربع فرق، كل فرقة تكفر الأخرى، في من يقوم مقام رسول الله:

فرقة تقول: نصب رسول الله صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب للمسلمين إماما، نصبه نصبا ونصه نصا باسمه ونسبه، ودعا إليه، وحث عليه، وافترض طاعته.

وفرقة أخرى تقول: أومأ رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام إيماء ودل عليه وأشار إليه، وقال فيه أقاويل تشهد له بالعدالة ويستوجب بأقلها الإمامة، واحتجت بحجج كثيرة فيه، وقد ذكرناها لك في كتاب غير هذا.

Page 9

وفرقة قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، والصلاة عماد الدين، فقلنا - عندما انتخبه رسول الله صلى الله عليه وآله ورضي به إماما للصلاة -:

إنه خير أصحابه، وإنه حقيق بالإمامة!.

وأكثروا الحجج والخطب في أمر الصلاة، وسأذكر (2) ذلك والحجة عليهم فيه في موضعه إن شاء الله تعالى.

وقالت الفرقة الرابعة - وهي جل الناس - لا نعرف من هذه الأقاويل شيئا، لان رسول الله صلى الله عليه وآله قبض - يوم قبض - ولم ينصب أحدا، ولم يؤم إلى أحد، ولم يأمر أحدا بالصلاة ولا غيرها، فترك الأمة تختار لأنفسها من رأوا أنه أفضلهم وأحسبهم وأعلمهم عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وآله وعن كتابه.

وزعموا: أن ذلك فرض على كل إمام واجب، وأنه لا يحل للامام أن يعقد الإمامة لاحد بعده، لان في ذلك خلافا لرسول الله صلى الله عليه وآله ولما فعل، وأن من فعل ذلك كان ظالما مخطئا.

واحتجوا في ما ادعوه بأحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله:

منها: زعموا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لان تختاروا لأنفسكم أحب إلي من أن أولي عليكم واليا، إن أحسن كان

Page 10

لنفسه وإن أساء كان مني، وكانت الحجة لكم غدا (3). واحتجوا بأحاديث مثل هذا، يغني ذكر هذا عن ذكرها.

[دعوى الاجماع على أبي بكر] ثم زعموا أن الناس اجتمعوا على أبي بكر فقلدوه الامر، وأقاموه مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وادعوا له قياما بأمر الله تعالى، واستصلاحا لما تحتاج إليه الأمة.

فسألنا هذه الفرق الأربع: هل أجمعتم على ما ادعت هذه الفرقة من إمامة أبي بكر؟

فقالت فرقتان: معاذ الله! كيف؟ ونحن نقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قد نصب إماما وأشار إليه.

وادعت فرقتان منهم الاجماع معهما.

فبطل قول من قال بالاجماع، بخلاف هاتين الفرقتين.

ثم سألناهم عن الاختيار لأبي بكر: أكان أمر (4) رسول الله صلى الله عليه وآله، وعهد إلى قوم بأعيانهم ليختاروا إماما منهم يقوم مقامه: أم جعل الاختيار عاما إلى الناس كلهم؟

قالوا: بل، إلى الناس كلهم.

قلنا: فهذا الاختيار كان ممن كان بالمدينة وغائبا عنها باليمامة والبحرين واليمن؟

Page 11

قالوا: لا (5) لكن من أهل المدينة.

قلنا: فأين الاجماع؟ وإنما كان بالمدينة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله اثنا عشر ألفا، وغائبا بالمواضع التي ذكرناها ألوف لا تحصى، وأهل الدار، والمهاجرون إليها الذين حضروا مختلفون لم يجتمعوا، أو لم يحضروا، وعددهم ما رسمناه.

ولقد حضر السقيفة من أصحابه عليه أفضل الصلاة والسلام ثلاثمائة جلهم من الأنصار، وذلك ربع عشر أصحابه! فهل اجتمعوا؟ فإن قالوا: نعم.

قلنا: فيا سبحان الله!

كيف يكون الاجماع؟ والأنصار تقول: منا أمير ومنكم أمير؟

وأين الاجماع؟ وسعد بن عبادة وابنه وعصابة معهم أنكروا البيعة، وسعد يصيح بأعلى صوته عند البيعة: يا معاشر الأنصار، املكوا أيديكم قليلا.

والناس كلهم - الذين حضروا السقيفة - يهرجون، لم يقع الرضا من جميعهم، حتى وتب أوس بن خولي، فقال لأبي بكر:

ابسط (6) يدك أبايعك عندما سمع من قول الأنصار: منا أمير ومنكم أمير مخافة أن يتم هذا القول، فتقدم الأنصار سعد بن

Page 12

عبادة، فيكون أميرا ويكون الامر في الخزرج، ويبقي أوس بن خولي وعشيرته سوقة، وهم الأوس، فدخله الحسد للخزرج ولسعد، لما كان بينهم من الضغائن في الحروب التي كانت في الجاهلية، التي رفعها الله تعالى عنهم بمحمد صلى الله عليه وآله.

وكان سعد عظيم القدر في الأنصار وفي العرب - وكانت إذا اجتمعت الأنصار قدمت سعدا، وإذا افترقت قدمت الخزرج سعدا، وقدمت الأوس أوسا - فداخل أوسا الحسد لسعد وللخزرج، وخاف إن تم ذلك أن يخمل هو وعشيرته، فبادر بالتسليم والبيعة، ليكون أقطع للكلام الذي يخافه: منا أمير ومنكم أمير، وتابعه الأوس ومن حضر.

[كيفية تعميم البيعة؟] ثم نهض أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح ومن نهض معهم من أهل السقيفة محتزمين بالأزر، معهم المخاصر لا يمرون بأحد ولا يلقونه إلا خبطوه، وقالوا: بايع! من غير أن يشاور أو يعلم خبرا.

فأين الاجماع من هذا الفعل؟

وأين الاجماع؟ وعمر بن الخطاب يقول على المنبر: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقي الله شرها، فمن عاد لمثلها فاقتلوه.

والفتلة: فهي النهزة والخلسة والاغترار والمبادرة.

Page 13

فكيف يكون الاجماع على شئ انتهز وبودر واختلس من أهله اختلاسا.

ثم يوجب على فاعل ذلك القتل! فلا يجب إلا على أحد ثلاثة: إما كافر بعد إيمان، أوزان بعد إحصان، أو قاتل النفس بغير حق؟.

ولم يكن في هذا الفعل شئ من الخصلتين الأخيرتين، وإنما أوجب القتل على من كانت بيعته مثل بيعة أبي بكر، لأنه عنده قد كفر وخرج من الاسلام بفعله.

فأوجب بهذا القول - على نفسه وعلى صاحبه - الكفر بالله تعالى، والقتل: لأنهما أصل هذا الفعل وفرعه.

فيا للعجب! ممن يسمع مثل هذه الأمور المتناقضة! ولا ينفعه سمعه!!

وأين الاجماع؟ وقد طلع أبو بكر المنبر - بعدما عقد له - فوثب اثنا عشر رجلا من خيار أصحاب محمد صلى الله عليه وآله.

منهم: عمار بن ياسر، والمقداد ابن الأسود الكندي، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وأبو الهيثم بن التيهان، وسهل بن حنيف، وأخواه الأنصاريان، ومعهم غيرهم ممن اختلف في اسمه رضي الله عنهم وأرضاهم ورحمهم فقالوا لأبي بكر: الله! الله! في سلطان محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا تخرجه من بيته إلى بيوتكم ، ولا تأخذ ما ليس لك، ولا تقعد في غير موضعك، وإن أهل بيت

Page 14

النبوة أحق بهذا الامر منك، ولم تأخذه من أيدي العرب - الذين هم أشد عناء في الاسلام - إلا بقرباك إلى محمد صلى الله عليه وآله، وهم أقرب منك!!

مع كلام كثير تكلم به كل رجل منهم، يعنفونه فيه ويوبخونه، فعند فراغهم من كلامهم أرسل نفسه من المنبر، ولزم بيته يومه ذلك، ولم يأمر ولم ينه.

فلما كان من الغد غدا إليه عمر وسعد وعبد الرحمن و طلحة وغيرهم من قريش، كل رجل منهم في أهل بيته في السلاح الشاك، وأخرجوه حتى أقعدوه على المنبر، ثم قالوا:

قل ما بدا لك، ثم سلوا السيوف وقعدوا تحت المنبر، ثم قالوا:

والله! لئن عاد أحد يتكلم بشئ مما تكلم به رعاع بالأمس.

لنضعن أسيافنا فيه!!

فأحجم الناس وكرهوا الموت، فلم يتكلم أحد.

[غياب أمير المؤمنين وسائر بني هاشم عن البيعة] وأين الاجماع؟ وبنو هاشم - إليهم يرجع الشرف والذكر والقول في الجاهلية والاسلام - لم يبايع منهم أحد، ولم يشهدوا، ولم يشاوروا؟!

وأمير المؤمنين علي عليه السلام لازم بيته، قد أبى أن يخرج معهم، وأبي أن يحضر.

Page 15