Histoire des juges d'Andalousie
تاريخ قضاة الأندلس
Enquêteur
لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة
Maison d'édition
دار الآفاق الجديدة - بيروت/لبنان
Édition
الخامسة، 1403هـ -1983م
EDITOR|
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم قال الشيخ الفقيه العالم، قاضي الجماعة بالبلاد الأندلسية، وخطيب حضرتها العلية أعادها الله للإسلام {أبو الحسن بن الفقيه أبي محمد ابن عبد الله بن الحسين النباهي وصل الله سبحانه سعادته، وشكر إفادته} أما بعد حمد الله، والصلاة والسلام على محمد رسول الله، فهذا كتاب أرسم فيه بحول الله نبذا من الكلام في خطة القضاء، وسير بعض من سلف من القضاة، أو بلغ رتبه الاجتهاد، وفيمن يجوز له التقليد ومن لا يجوز له، وصفات المفتى الذي ينبغي قبول قوله، والاقتداء به لمن ذهب إلى مقلده، وبالجاري من الفتاوى على منهاج السداد، وهل يجوز للمفتي قبول الهدية من المستفتى، أم هي في حقه من ضروب الرشاء المحرمة على الجميع. ولست أجهل أن هذا الغرض قد سبق له غيري، وصنف في معناه أناس قبلي؛ لا كنى رأيت أن أعيد منه الآن ما أعيده على جهة التذكرة لنفسي، والتنبيه لمن هو مثلي. وحاصل ما أريد إثباته من ذلك في هذا الكتاب يرجع على التقريب إلى أربعة أبواب. فأقول والله الموفق للصواب:؟
Page 1
الباب الأول في القضاء وما ضارعه
فصل
</span>
لفظ القضاء يأتي في اللغة على أنحاء مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه. يقال: قضى الحاكم إذا فصل في الحكم؛ وقضى دينه أي قطع ما لغريمه قبله بالاداء؛ وقضيت الشيء أحكمت عمله؛ ومنه قوله تعالى: " إذا قضى أمرا " أي أحكمه وأنفذه. وخطة القضاء في نفسها عند الكافة من أسنى الخطط؛ فإن الله تعالى قد رفع درجة الحكام، وجعل إليهم تصريف أمور الأنام، حكمون في الدماء والأبضاع والأموال، والحلال والحرام. وتلك خطة الأنبياء ومن بعدهم من الخلفاء: فلا شرف في الدنيا بعد الخلافة أشرف من القضاء. ولأجل منيف قدره في الأقدار، ولسمو خطره في الأخطار، اشترط العلماء في متوليه، من شروط الصحة والكمال، ما تقرر في كتبهم، واستبعد حصول مجموعه الأئمة المقتدى بهم. فقد نقل عن مالك بن أنس رحمه الله {أنه كان يقول في الخصال التي لا يصلح القضاء إلا بها: لا أراها تجتمع اليوم في أحد؛ فإذا اجتمع منها في الرجل خصلتان العلم والورع، قدم. قال عبد الملك بن حبيب في كتابه: وإن لم يكن علم، فعقل وورع} فبالعقل يسئل وبه تحصل خصال الخير كلها؛ وبالورع يعف؛ وإن طلب العلم وجده؛ وإن طلب العقل، إذا لم يكن عنده، لم يجده. وقد قيل: كثير العقل مع قليل العلم أنفع من كثير العلم مع قليل العقل. وليس العلم بكثرة الرواية والحفظ، كما قاله ابن مسعود رضي الله عنه {: وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب. قال المؤلف أدام الله توفيقه} : ومن قلد الحكم بين الخلق والنظر في شيء من أمورهم: فهو أحوج الناس إلى هذا النور وإلى اتصافه بالتذكير والتيقظ والتفطن. ولذلك كان إسماعيل بن إسحاق، قاضي القضاة ببغداد، يقول: من لم تكن فيه، لم يكن
Page 2
له أن يلي القضاء. وقال ابن المواز: لا ينبغي أن يستقضى إلا ذكى، فطن، فهم، فقيه، متأن، غير عجول، وذكر أن عمر بن عبد العزيز قال: لا يصلح للقضاء إلا القوي على أمر الناس، المستخف بسخطهم وملامتهم في حق الله، العالم بأنه، مهما اقترب من سخط الناس وملامتهم في الحق والعدل والقصد، استفاد بذلك ثمنا ربيحا من رضوان الله {.
فصل
قال عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام: وقد أجمع المسلمون على أن الولاة أفضل من غيرهم. وتفصيل ذلك أن الولاية تشتمل على غرض شرعي، وغرض طبعي؛ فنهى عنها من يغلبه طبعه وهواه، وأمر بها من يكون قاهرا لطبعه، غالبا لهواه. فلا يتولاها من لا يملك هواه إلا أن يتعين لها؛ فيجب عليه أن يتولاها، وأن يجاهد نفسه في دفع هواه ما استطاع. ومما يشير إلى الترغيب في الحكم لمن قدر على العدل فيه، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم} " إن المقسطين عند الله يوم القيامة، على منابر من نور عن يمين الرحمن. وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوه. " وقوله " عن يمين الرحمن " معناه في الحالة الحسنة والمنزلة الرفيعة؛ والعرب تنسب الفعل المحمود والإحسان إلى اليمين، وضده إلى الشمال أي المنزلة الخسيسة؛ وأما الأقساط، فهو العدل؛ يقال: أقسط إذا عدل. قال الله تعالى: " وأقسطوا إن الله يحب المقسطين {" وفي كتاب أبي حبيب، عن ابن شهاب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم} قال: " ما من أحد أقرب مجلسا من الله يوم القيامة، بعد ملك مصطفى، أو نبي مرسل، من إمام عدل {" وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم} قال: " إن الله مع القاضي، ما لم يحف عمدا. " وفي الصحيح: إذا حكم الحاكم، ثم اجتهد فأصاب، فله أجران؛ وإذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ، فله أجر واحد. قال أهل العلم: والمراد هنا بالحاكم، البصير بالحكومة، المتحري العدل. وقد استدل بهذا الحديث من يرى أن كل مجتهد مصيب، لأنه صلى الله عليه وسلم! جعل له أجرا. واحتج به أيضا أصحاب القول
Page 3
الآخر بأن المصيب واحد والحق في طرف واحد، لأنه، لو كان كل واحد مصيبا، لم يسم أحدهما مخطئا، فيجمع الضدين في حالة واحدة. قال القاضي أبو الفضل بن موسى في إكماله: والقول بأن الحق في طرفين هو قول أكثر أهل التحقيق من المتكلمين والفقهاء؛ وهو مروى عن مالك والشافعي وأبي حنيفة، وإن كان قد حكى عن كل واحد منهم اختلاف في هذا الأصل. وهذا كله في الأحكام الشرعية. وأما ما يتعلق بأصل وقاعدة، من أصول التوحيد وقواعده، مما مبتناه على قواطع الأدلة العقلية، فإن الخطأ في كل هذا غير موضوع، والحق فيها في طرف واحد، بإجماع من أرباب الأصول والمصيب فيها واحد، إلا ما روى عن عبد الله العنبري، من تصويبه المجتهدين في ذلك، وعذره لهم؛ وحكى مثله عن داوود وكله لا يلتفت إليه، وقد حكى عن العنبري أن مذهبه في ذلك على العموم؛ وعندي أنه إنما يقول ذلك في أهل الملة دون الكفرة؛ والاجتهاد المذكور في هذا الباب هو بذل الوسع في طلب الحق والصواب في النازلة. انتهى. وفي حديث معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم! أذن له أن يجتهد برأيه فيما لم يكن في الكتاب والسنة؛ وقد ورد: ما من قاض يقضي بالحق إلا كان عن يمينه ملك وعن شماله ملك، إلى غير ذلك مما جاء في هذا الباب.
فصل في الخصال المعتبرة في القضاة</span>
من التنبيهات وشروط القضاء، التي لا يتم للقاضي قضاؤه إلا بها، عشرة: الإسلام؛ والعقل؛ والذكورية؛ والحرية؛ والبلوغ؛ والعدالة؛ والعلم؛ وسلامة حاسة السمع والبصر من العمى والصمم؛ وسلامة حاسة اللسان من البكم؛ وكونه واحدا لا أكثر؛ فلا يصح تقديم إثنين على أن يقضيا معا في قضية واحدة، لاختلاف الأغراض، وتعذر الاتفاق وبطلان الأحكام بذلك. ثم من هذه الشروط ما إذا عدم فيمن قلد القضاء بجهل، أو غرض فاسد، ثم نفذ منه حكم، فإنه لا يصح ويرد؛ وهي الخمسة الأولى: الإسلام؛ والعقل؛ والبلوغ؛ والذكورية؛ والحرية. وأما الخمسة الأخرى، فينفذ من أحكام من عدمت منه
Page 4
ما يوافق الحق، إلا الجاهل الذي يحكم برأيه. وأما الفاسق، ففيه خلاف بين أصحابنا؛ هل يرد ما حكم به، وإن وافق الحق وهو الصحيح، أم يمضي إذا وافق الحق ووجه الحكم. وشروط الكمال عشرة أيضا: خمسة أوصاف ينتفي عنها، وخمسة لا ينتفي؛ منها أن يكون غير محدود؛ وغير مطعون عليه في نسبه بولادة اللعان والزنا؛ وغير فقير؛ وغير أمي؛ وغير مستضعف؛ وأن يكون فطنا، نزيها، مهيبا، حليما، مستشيرا لأهل العلم والرأي. قال القاضي أبو الأصبغ بن سهل: وللحكام الذين تجري على أيديهم الأحكام ست خطط: أولها القضاء، وأجله قضاء قاضي الجماعة؛ والشرطة الوسطى؛ والشرطة الصغرى؛ وصاحب مظالم؛ وصاحب رد، ويسمى صاحب رد بما رد عليه من الأحكام؛ وصاحب مدينة؛ وصاحب سوق. هكذا نص عليه بعض المتأخرين من أهل قرطبة، في تأليف له. وتلخيصه: القضاء، والشرطة، والمظالم، والرد، والمدينة، والسوق. وإنما كان يحكم صاحب الرد فيما استرابه الحكام، وردوه عن أنفسهم؛ هكذا سمعته من بعض من أدركته. وصاحب السوق كان يعرف بصاحب الحسبة، لأن أكثر نظره إنما كان يجري في الأسواق، من غش ، وخديعة، وتفقد مكيال وميزان وشبه ذلك. ولا عجب للقاضي أن يرفع من عنده إلى غيره، كما يرفع غيره إليه. وحدود القضاة، في القديم والحديث، معروفة، لا يعارضون فيها، ولا تكون إلى غيرهم من الحكام. وقد عددها علي بن يحيى، وفسرها في كتابه؛ فقال: ويشتمل نظر القاضي على عشرة أحكام: أحدها: قطع التشاجر والخصام من المتنازعين، إما بصلح عن تراض يراد به الجواز، وأما بإجبار بحكم بآية يعتبر فيه الوجوب. والثاني: استيفاء الحق لمن طلبه، وتوصيله إلى يده، إما بإقرار، أو ببينة. والثالث: إلزام الولاية للسفهاء والمجانين، والتحجر على المفلس، حفظا للأموال. والرابع: النظر في الاحباس، والوقوف والتفقد لأحوالها وأحوال الناظر فيها. والخامس: تنفيذ الوصايا على شروط الموصى إذا وافقت الشرع؛ ففي المعينين يكون التنفيذ بالاقباض، وفي المجهولين يتعين المستحق لها بالاجتهاد فإن كان لها وصى، راعاه، وإلا تولاه. والسادس: تزوج
Page 5
الأيامى من الاكفاء، إذا عدم الأولياء وأردن التزويج. والسابع: إقامة الحدود؛ فإن كانت من حقوق الله تعالى، تفرد بإقامتها، إما بإقرار يتصل بإقامة الحد، وإما ببينة أو ظهور حمل من غير زوج؛ وإن كانت من حقوق الأدميين، فبطلب مستحقها. والثامن: النظر في المصالح العامة، من كف التعدي في الطرقات والأفنية. وإخراج مالا يستحق من الأجنحة والأفنية. والتاسع: تصفى الشهود، وتفقد الأمناء، واختيار من يرتضيه لذلك. والعاشر: وجوه التسوية في الحكم بين القوى والضعيف، وتوخي العدل بين الشريف والمشروف. ومن الإكمال: لجمهور العلماء أن للقضاة إقامة الحدود، والنظر في جميع الأشياء، من إقامة الحقوق، وتغيير المناكير، والنظر في المصالح، قام بذلك قائم، أو اختص بحق الله. وحكمه عندهم حكم الوصي المطلق اليد في كل شيء، إلا ما يختص بضبط البيضة من إعداد الجيوش، وجباية الخراج. واختلف أصحاب الشافعي هل من نظره مال الصدقات، والتقديم للجمع والأعياد، أم لا، إذا لم يكن على هذا ولاة مخصصون من السلطنة، على قولين؛ إلا يختلفون، إذا كانت هذه مختصة بولاية من قبل السلطنة، أنه لا نظر له فيها. وذهب أبو حنيفة أنه لا نظر له في إقامة حد، ولا في مصلحة، إلا لطالب مخاصم، ولا تنطلق يده إلا على ما أذن له فيه، وحكمه حكم الوكيل الخاص. ومن كتاب الإعلام بنوازل الأحكام: خطة القضاء من أعظم الخطط قدرا، وأجلها خطرا، لا سيما إذا اجتمعت إليها الصلاة. وعلى القاضي مدار الأحكام، وإليه النظر في جميع وجوه القضاء.
فصل
وكل من ولى الحكم بين المسلمين، من أمير، أو قاض، أو صاحب شرطة، مسلط اليد. وكل ما كان في عقوبتهم من موت، وكان في حد من حدود الله تعالى، وأدب لحق، فهو هدر؛ وما أتى من ظلم بين، مشهور، معتمد، فعليه العود في عمده، والعقل في خطائه. وكذلك ما تعمد من إتلاف مال بغير حق، ولا شبهة، فذلك في ماله، يأخذ به المظلوم إن شاء منه، أو من المحكوم له به. من كتاب الاستغناء لابن عبد الغفور. وفي المقنع: قال سحنون: وإذا قضى القاضي
Page 6
على رجل يجوز في الأموال، وكان الذي قضى له بالمال قد أكله، واستهلكه، ولم يوجد عنده، كان ما قضى به على الرجل على القاضي في ماله. وإذا لم يجر في قضائه، وهو عدل، رضى، وإنما خطأ أخطأه، أو غلط غلطه، لم يكن عليه شيء من خطئه. وإذا أقر القاضي على نفسه أنه جار في قضائه، إذا كان قاضيا، في قتل نفس، أو قطع يد، أو قصاص، أو جراح، فما أقر به، أو ثبت عليه من غير إقرار، أقيد منه. قال أبو أيوب، في باب خطأ القاضي من الكتاب المسمى: وقد أقاد رسول الله صلى الله عليه وسلم {وأبو بكر، وعمر رضي الله عنهما} من أنفسهم. ومما تقرر في الشريعة أن حكم الحاكم لا يحل الحرام، وأن الفروج والدماء والأموال سواء، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم {: إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض؛ فأقضى له على نحو ما أسمع. فمن قضيت له من حق أخيه شيئا، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار} فأجرى الله تعالى أحكام رسوله صلى الله عليه وسلم! على الظاهر الذي يستوى فيه هو وغيره من البشر، ليصح اقتداء أمته به في قضاياه، ويأتون ما أتوا من ذلك على علم من سنته، إذ البيان بالفعل أولى من القول وأرفع لاحتمال اللفظ: وقوله: " أقضي له على نحو ما أسمع " احتج به من لا يجيز حكم الحاكم بعلمه لقوله: فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض أي أفطن لها، وقوله: على نحو ما أسمع؛ ولم يقل: أعلم؛ ومن يرى حكم الحاكم بعلمه لا يلتفت إلى ما سمع، خالف أو وافق. قال عياض: وقد اختلف العلماء في حكم الحاكم بعلمه، وما سمعه في مجلس نظره. فمذهب مالك وأكثر أصحابه أن القاضي لا يقضي في شيء من الأشياء بعلمه، إلا فيما أقر به في مجلس قضائه، خاصة في الأموال. وبه قال الأوزاعي، وجماعة من أصحاب ملك المدنيين، وغيرهم، وحكوه عن مالك. وقال الشافعي في مشهور قوليه، وأبو ثور، ومن تبعهما، أنه يقضي بعلمه في كل شيء من الأموال، والحدود، وغير ذلك، مما سمعه أو رآه قبل قضائه وبعده، وبمصره وغيره. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يقضى بما سمعه في قضائه وفي مصره، في الأموال، لا في الحدود. انتهى. ووقع كذلك في المسألة، بين الفقهاء بقرطبة، اختلاف؛ فذهب منهم أبو إبراهيم، ومحمد بن العطار، في آخرين، إلى أن القاضي له أن يقضي بعلمه دون شهود. ومال قوم
Page 7
إلى خلاف ذلك، وقالوا: إنما لم يقض بعلمه، دون بينة، لأن فيه تعريض نفسه للتهم، وإيقاعها في الظنون. وقد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم {الظن. قال القاضي أبو الأصبغ بن سهل: وهذا عندي القياس الصحيح المطرد لمن قال: لا يقضي القاضي بعلمه، ولا بما سمع في مجلس نظره، لكن الذي قاله أبو إبراهيم وابن العطار، وجرى به العمل، وهو عندي الاستحسان، ويعضده قول مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ في كتاب ابن حبيب، أن القاضي يقضي على من أقر عنده في مجلس نظره، بما سمع منهم، وإن لم تحضره بينة. وقاله ابن الماجشون في المجموعة، وبه أخذ أبو سعيد سحنون بن سعيد، وقاله أصبغ في كتابه؛ وهو ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم} : " إنما أنا بشر، وإنكم تخصمون إلي {فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض؛ فأقضي له على نحو ما أسمع منه " الحديث. وقوله عليه الصلاة والسلام} : " إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلي {" معناه حصره في البشرية بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن الخصوم، لا بالنسبة إلى كل شيء؛ فإن للرسول صلى الله عليه وسلم} وصايا كثيرة. فللقاضي، على ما تقرر في المسألة من كلام ابن سهل وغيره، أن يقضي بما صح عنده وسمعه من أمر الخصمين، وأن له أن ينفذ ذلك بينهما، ويمضيه من نظره وحكمه. قال مالك: وإذا قضى بما اختلف العلماء فيه، فحكمه نافذ. وللحاكم المجتهد أن يتخير عن الاختلاف عليه، وأن يأخذ بما يراه أحوط لدينه وعرضه. قال: وإن لم يكن على ما قضى به مذهب العلماء بذلك الموضع، فليس لقاض بعده نقضه، ولا اعتراضه؛ وإنه نافذ تام؛ وإن ظهر له في نفسه أن قول غير من أخذ بقوله خير مما أخذ به، كان له نقضه هو خاصة، ولم يكن ذلك لأحد بعده. وفي كتاب الأقضية من المدونة: إذا تبين للقاضي أن الحق في غير ما قضى به، رجع عنده؛ وإنما لا يرجع به فيما قضت به القضاة مما اختلف فيه. قال صاحب التنبيهات: حمل أكثرهم مذهبه في الكتاب على أن الرجوع له، كيف كان حاله من وهم أو انتقال رأى، وهو قول مطرف وعبد الملك. ووقع في منتخب ابن مغيث: وتنقسم أحكام القضاة، على مذهب مالك وجميع أصحابه، على ثلاثة أقسام: أحدهما في الحكم العدل العالم: فأحكامه كلها نافذة على الجواز،
Page 8
ولا يتعقب له حكم؛ والوجه الثاني في الحكم العدل الجاهل المقلد: فللحكم الذي يلي بعده أن يتعقب أحكامه؛ فما وافق الحق. منها، نفذ ومضى، وما خالف الحق رده وفسخه؛ والوجه الثالث في الحكم الجائر المتعسف: فللحكم الذي يلي بعده أن يفسخ أحكامه كلها ، ولا ينفذ له حكما. ومن كتاب سليمان بن محمد بن بطال: قال ابن المواز: لو أن قاضيا نقض حكم قاض قبله قد كان حكم به، ثم ولى قاض ثالث وعزل الثاني. نظر: فإن كان حكم القاضي الأول مما يحكم به، ومما يختلف فيه القضاء والفتيا، رأيت نقض الثاني له خطأ صراحا؛ فأرى للثالث أن ينقض حكم الثاني، وينفذ حكم الأول، وإن كان خلافا لما يحكم به الثالث؛ وإن حكم الأول خطأ صراحا مما لا اختلاف فيه، لم أر للثالث أن يرد حكم الثاني إلى ما حكم به الأول.
فصل في التحذير من الحكم بالباطل أو الجهل</span>
قال الله عز وجل {: " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى. " " ويجرمنكم " معناه يحملنكم. قاله ابن حبيب. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم} أنه قال الحكام ثلاثة. إثنان في النار وواحد في الجنة. حكم حكم بجهل، فخسر، فأهلك أموال الناس، وأهلك نفسه، ففي النار؛ وحكم حكم فخدل أي جار، فأهلك أموال الناس وأهلك نفسه، ففي النار؛ وحكم علم، فعدل فأحرز أموال الناس وأحرز نفسه، ففي الجنة {قال الهروي في كتاب الغريبين له في الحديث: ورجل علم فخدل أي جار يقال إنه لخدل غير عدل. ذكر ذلك في باب الخاء والدال. قال ابن سيدة في باب الخاء مع الدال: خدل على خدلا: ظلمني، وخدل على خدولا وخدلا: جار. وفي الحديث: من ولى قاضيا، فقد ذبح بغير سكين. وفي رواية لابن أبي ذويب: فقد ذبح بالسكين. وفيه: الولاية أولها ملامة، ووسطها ندامة، وآخرها عذاب في القيامة، إلا من اتقى الله عز وجل. وفي الموطأ باب ما يكره من القضاء مالك عن يحيى بن سعيد أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان الفارسي أن: هلم إلى الأرض المقدسة} فكتب
Page 9
إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدا، وإنما يقدس الإنسان عمله وقد بلغني أنك جعلت طبيبا تداوي الناس: فإن كنت تبرى، فنعما لك {وإن كنت متطببا، فاحذر أن تقتل إنسانا، فتدخل النار} وكان أبو الدرداء، إذا قضى بين إثنين، ثم أدبرا عنه، قال: ارجعا {أعيد على قضيتكما متطببا والله} ويحيى بن سعيد هو القائل: وليت قضاء الكوفة، وأنا أرى أنه ليس على الأرض شيء من العلم، إلا وقد سمعته. فأول مجلس جلست للقضاء، اختصم إلي رجلان ما سمعت فيه شيئا {وفي المستخرجة: قال مالك: قال عمر بن الحسين: ما أدركت قاضيا استقضى بالمدينة إلا رأيت كآبة القضاء وكراهيته في وجهه} . وفي الصحيح عن أبي ذر: قلت: يا رسول الله، ألا استعملتني {فضرب بيده على منكبي، ثم قال: يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها} فلا ينبغي أن يتقدم على العمل إلا من وثق بنفسه وتعين له وأجبره الإمام العدل عليه. وللإمام العدل إجباره إذا كان صالحا، وله أن يمتنع عنه إلا أن يتحقق أنه ليس في تلك الناحية من يصلح للقضاء سواه؛ فلا يحل له الامتناع حينئذ لتعيين الفرض عليه.
فصل
</span>
من المجموع المسمى؛ المقصد المحمود: القضاء محنة وبلية، ومن دخل فيه، فقد عرض نفسه للهلاك، لأن التخلص منه عسير؛ فالهروب منه واجب، لا سيما في هذا الوقت، وطلبه حمق وإن كان حسبة. قاله الشعبي. ورخص فيه بعض الشافعية: إذا خلصت نيته للحسبة، بأن يكون وليه من لا ترضى أحواله؛ والأول أصح لقوله عليه الصلاة والسلام {: إنا لا نستعمل على عملنا من أراده. وفي إكمال المعلم: اختلف العلماء في طلب الولاية مجردا، هل يجوز أو يمنع، وأما إن كان الرزق يرتزقه، أو فائدة جائز يستحقه، أو لتضييع القائم بها أو خوفه حصولها في غير مستوجبها، ونيته في إقامة الحق فيها؛ فذلك جائز له. وقد قال يوسف عليه الصلاة والسلام} : " اجعلني على خزائن الأرض ". ومن الحديث
Page 10