Tarawih Prayer
صلاة التراويح
Maison d'édition
الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
Édition
السنة الخامسة عشر-رجب-شعبان
Année de publication
رمضان ١٤٠٣هـ
فقه السنة
صَلاةُ التَّراويحِ
للدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي
أستاذ مساعد بكلية الحديث الشريف
١- التراويح لغة:
جمع ترويحة: أي ترويحة النفس وهي استراحتها. وفي القاموس: (منها ترويحة شهر رمضان سميت بها لاستراحة بعد كل أربع ركعات- يقال: استروح أي وجد الراحة) انتهى.
ثم غلب اسم التراويح على الصلوات التي تصلى في ليالي رمضان. ويجلس الإمام بعد كل أربع ركعات، ولذا يقال: ويجلس بين كل ترويحتين مقدار ترويحة.
وقد روي الإمام البيهقي في سننه بسنده عن المغيرة بن زياد الموصلي عن عطاء، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي أربع ركعات في الليل ثم يتروح فأطال حتى رحمته فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا ".
قال البيهقي: تفرد به المغيرة بن زياد وليس بالقوي. انتهى١.
ووثقه ابن معين، وصحح الحاكم بعض أحاديثه ٢.
إلا أن الذهبي لم يوافقه على ذلك فقال: المغيرة: صالح الحديث. وتركه ابن حبان.
وقال في الكاشف: وثقه ابن معين وجماعة، وقال أحمد: منكر الحديث ٣. ويرى بعض العلماء أن الاستراحة تكون بعد خمس تسليمات، والأمر فيه وسع، فقد سئل الإمام أحمد عن قوم صلوا في رمضان خمس تراويح لم يتروحوا بينها فقال: لا بأس٤.
١البيهقي: ٢/٤٩٧.
٢ انظر المستدرك: ٢/٤١.
٣ الكاشف: ٣/.١٦٧.
٤المغني: ٢/.١٤١
1 / 27
٢- الترغيب في قيام رمضان:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة. قال: "كان رسول الله ﷺ يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمر بعزيمة، فيقول: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفِر له ما تقدم من ذنبه". رواه الجماعة.
شرح الحديث: قول أبي هريرة: "من غير أن يأمر فيه بعزيمة" فيه التصريح بعدم وجوب القيام. قال الإمام النووي: معناه لا يأمرهم أمر إيجاب وتحتم بل أمر ندب وترغيب، ثم قال: اجتمعت الأمة على أن قيام رمضان ليس بواجب بل هو مندوب.
ومعنى قوله: "من قام رمضان" أي مصليًا، ويحصل هذا بمطلق ما يصدق عليه القيام وليس من شرطه استغراق جميع أوقات الليل، قال النووي: "إن قيام رمضان يحصل بصلاة التراويح ".
الحديث الثاني: حديث عبد الرحمن بن عوف قال: إن النبي ﷺ قال: "إن الله ﷿ فرض صيام رمضان، وسننت قيامه فمن صامه وقامه إيمانًا واحتسابًا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" ١.
إلا أن في إسناده النضر بن شيبان الحداني- بضم المهملة وتشديد الدال- قال الحافظ:" لين الحديث "٢.
٣- حكم صلاة التراويح بالجماعة:
القول الأول: صلاة التراويح بالجماعة في المسجد أفضل. وبه قال أحمد والشافعي وأبو حنيفة وبعض المالكية، وبالغ الطحاوي من الحنفية فقال:" إن صلاة التراويح بالجماعة واجبة على الكفاية ".
هكذا نقل الشوكاني عن الطحاوي ٣ وسبقه الحافظ ٤، وهو مخالف تمامًاَ لما قاله الطحاوي في شرح معاني الآثار، وما نقل عنه الشيخ ابن الهمام في شرح فتح القدير، يقول الطحاوي: "فهؤلاء الذين روينا عنهم ما روينا من هذه الآثار كلهم يفضل صلاته وحده في شهر رمضان على صلاته مع الإمام، وذلك هو الصواب".انتهى ٥.
١ رواه أحمد (١/١٩١-١٩٥) . والنسائي (٤/١٥٨) . وابن ماجة (١/٤٢١) .
٢ التقريب (٢/ ٣١١. (
٣انظر: نيل الأوطار: ٢/٦. .
٤انظر: فتح الباري: ٤/٢٥٢.
٥انظر: شرح معاني الآثار: ١/٣٥١.
1 / 28
وقد قارن قبل هذا بين أدلة الفريقين فقال: " ذهب قوم إلى أن القيام مع الإمام في شهر رمضان أفضل منه في المنازل، واحتجوا في ذلك بقول رسول الله ﷺ: "من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قنوت بقية ليلته".
وقال: خالفهم في ذلك آخرون فقالوا: بل صلاته في بيته أفضل من صلاته مع الإمام، وحجتهم في ذلك حديث زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ: "خير صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة" وذلك لمّا قام لهم ليلة في رمضان فأرادوا أن يقوم بعد ذلك فقال لهم هذا القول.
ثم وفق بين الروايتين فقال: "يوجب الحديث الأول- (حديث أبي ذر) - إن من قام مع الإمام يكتب له قنوت بقية ليلته، ويوجب حديث زيد بن ثابت أن ما فعل في بيته هو أفضل من ذلك، حتى لا يتضاد هذان الأثران ". انتهى١
وقال الشيخ ابن الهمام: "إن الطحاوي روى عن ابن عمر، وعروة، تخلف بعض الصحابة ونقل عن القاسم، وإبراهيم، ونافع، وسالم، وأبي يوسف، إن أمكنه أداؤها في بيته مع مراعاة سنة القراءة وأشباهها فيصليها في بيته إلا أن يكون فقيها كبيرًا يقتدى به لقوله ﷺ: "عليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" انتهى ٢.
القول الثاني: الأفضل أن يصلي الرجل صلاة التراويح في البيت. وبه قال مالك، وأبو يوسف، وبعض الشافعية، فقد سئل مالك عن قيام الرجل في رمضان فقال:" إن كان يقوى في بيته فهو أحب أليّ وليس كل الناس يقوى على ذلك، فقد كان ابن هرمز ينصرف فيقوم بأهله وكان ربيعة ينصرف، وعدد غير واحد من علمائهم كانوا ينصرفون ولا يقومون مع الناس وأنا أفضل ذلك "٣.
واستدل هؤلاء بقول النبي ﷺ: "أفضل الصلاة، صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" ٤ - من حديث زيد بن ثابت، قال النبي ﷺ هذا القول لما اتخذ حجرة في المسجد من حصير فصلى فيها حتى اجتمع عليه ناس ثم فقدوا صوته ليلة وظنوا أنه قد نام فجعل بعضهم يتنحنح إليهم فقال: "ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم حتى خشيت أن
١انظر: شرح معاني الآثار: ١/٣٤٩.
٢انظر: شرح فتح القدير: ١/٣٣٤.
٣ انظر المدونة: ١/٢٢٢.
٤ متفق عليه.
1 / 29
أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا في بيوتكم. فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة".
والعجب من الألباني أنه لم يذكر هذا الحديث في كتابه (صلاة التراويح) وهو أقوى دليل للقول الثاني.
فلم يستثن رسول الله ﷺ من الصلوات إلا الفرائض، وصلاة التراويح ليست منها.
وورد هذا الحديث في صلاة رمضان في مسجده ﷺ فإذا كانت صلاة التراويح في البيت أفضل حتى من مسجد رسول الله ﷺ! فكيف في مسجد غيره؟ !
ولكن بعد عهد عمر بن الخطاب ﵁ صارت صلاة التراويح من شعائر الإسلام، وواظب المسلمون على ذلك، لذا أجمع العلماء على أفضليتها في أدائها في المساجد وذكروا في ذلك الأدلة التالية:
(١) حديث عائشة: قالت:" إن النبي ﷺ صلى في المسجد فصلى بصلاته ناس، ثم صلى الثانية فكثر الناس. ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسوله الله ﷺ فلما أصبح قال: "رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم" وذلك في رمضان" متفق عليه.
شرح الحديث: في الحديث دليل على أن النبي ﷺ صلى صلاة التراويح بالجماعة ولم يمنعه من الاستمرار بالجماعة إلا تخوفه أن تكتب على الأمة.
فإن قيل: كيف كان يفرض عليهم وقد أكمل الله الفرائض ورد الخمسين إلى الخمس؟
أجاب البغوي على هذا السؤال قائلًا:" كانت صلاة الليل واجبة على النبي ﷺ، وأفعاله الشرعية كان الإقتداء به فيها واجبًاَ، فكان لا يأمن إن هو واظب على الصلاة بهم أن يلزمهم الإقتداء به فيه، فالزيادة من جهة وجوب الإقتداء به. لا من جهة إنشاء فرض مستأنف على أن الإنسان قد يكلف نفسه ما لم يوجبه الشرع ثم تلحقه اللائمة بتركه كما لو نذر صلاة تلزمه وكما أخبر الله ﷾ عن فريق من النصارى أنهم ابتدعوا رهبانية لم يكتبها عليهم، ثم قصروا فيها، فلحقتهم اللائمة، فقال ﷾: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ فأشفق النبي ﷺ ذلك فترك العمل" انتهى ١.
.شرح السنة: ٤/١١٨ ١٤
1 / 30
ونقل الحافظ عدة أقوال عن العلماء في شرح قول النبي ﷺ "خشيت أن يفرض عليكم" ونسب هذا القول الذي مر آنفًا إلى الخطابي، وذكر احتمالا آخر عن الخطابي، وهو: أن الله فرض الصلاة خمسين، ثم حط معظمها بشفاعة نبيه ﷺ، فإذا عادت الأمة فيما استوهب لها والتزمت مما استعفى لهم نبيُهم ﷺ منه لم يستنكر أن يثبت ذلك فرضا عليهم، ثم قال الحافظ: وتلقي هذين الجوابين من الخطابي جماعة من الشراح، كابن الجَوزي، وهو مبني على أن قيام الليل كان واجبا عليه ﷺ وعلى وجوب الإقتداء بأفعاله وفي كل من الأمرين نزاع، ثم نقل الحافظ أقوال العلماء الآخرين فقال:
١- قال المحب الطبري: " يحتمل أن يكون الله ﷿ أوحى إليه أنك إن واظبت على هذه الصلاة معهم افترضتها عليهم: فأحب التخفيف عنهم فترك المواظبة".
وقال:"ويحتمل أن يكون ذلك وقع في نفسه كما اتفق في بعض القرب التي داوم عليها فافترضت".
وقيل: خشي أن يظن أحد من الأمة من مداومته عليها الوجوب.
والى هذا نحا القرطبي فقال: قوله (فتفرض عليكم) أي تظنونه فرضا فيجب على من ظن ذلك؛ كما إذا ظن المجتهد حل شئ أو تحريمه فإنه يجب عليه العمل به.
قال:"وقيل: كان حكم النبي ﷺ إنه إذا واظب على شيء من أعمال البر واقتدى الناس به فيه أنه يفرض عليهم ".
وعلق على هذا الحافظ فقال:" ولا يخفي بعد هذا الأخير، فقد واظب النبي ﷺ على رواتب الفرائض وتابعه أصحابه ولم تفرض ".
٢- قال ابن بطال: " يحتمل أن يكون هذا القول صدر منه ﷺ لما كان قيام الليل فرضا عليه دون أمته، فخشي إن خرج إليهم والتزموا معه قيام الليل أن يسوي الله بينه وبينهم في حكمه، لأن الأصل في الشرع المساواة بين النبي ﷺ وبين أمته في العبادة ".
قال:" ويحتمل أن يكون خشي من مواظبتهم عليها أن يضعفوا عنها فيعصى من تركها بترك اتباعه ﷺ ".
٣ – وقال الكرماني:" إن حديث الإسراء يدل على أن المراد بقوله تعالى ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَي﴾ الأمن من نقص شيء من الخمس ولم يتعرض للزيادة ".
٤- وقال البعض: " إن اتلزمان كان قابلا للنسخ فلا مانع من خشية الافتراض وعلق
1 / 31
عليه الحافظ بقوله: (وفيه نظر، لأن قوله تعالى ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَي﴾ خبر، والنسخ لا يدخله على الراجح ".
٥- قال الحافظ: وقد فتح الباري بثلاثة أجوبة أخرى:
أحدها: أن يكون المخوف افتراض قيام الليل بمعنى جعل التهجد في المسجد جماعة شرطًا في صحة التنفل بالليل، ويومئ إليه قوله في حديث زيد بن ثابت "حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم" فمنعهم من التجمع في المسجد إشفاقًا عليهم من اشتراطه، وأمن مع إذنه في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم.
ثانيها: أن يكون المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية لا على الأعيان، فلا يكون ذلك زائدًا على الخمس،بل هو نظير ما ذهب إليه قوم في العيد ونحوها.
ثالثها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام رمضان خاصة. فقد وقع في حديث الباب أن ذلك كان في رمضان. وفي رواية سفيان بن حسين: "خشيت أن يفرض عليكم قيام هذا الشهر" فعلى هذا يرتفع الأشكال، لأن قيام رمضان لا يتكرر كل يوم في السنة فلا يكون ذلك قدرًا زائدًا على الخمس.
قال الحافظ: وأقوى هذه الأجوبة الثلاثة في نظري: الأول. انتهى.
الحديث الثاني: حديث أبي ذر، قال:" شهدنا مع رسول الله ﷺ شهر رمضان فلم يقم في شيء من الشهر حتى كانت ليلة سابعة بقيت فقام بنا إلى نحو من ثلث الليل، ثم لم يقم بنا ليلة سادسة بقيت، فلما كانت ليلة خامسة بقيت قام بنا إلى نحو من شطر الليل، فقلنا يا رسول الله لو نفلتنا قيام هذه الليلة؟ فقال: "إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة"، ثم لم يقم بنا ليلة رابعة بقيت، فلما كان ليلة ثالثة بقيت قام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، قلت: وما الفلاح قال: السحور. قال: فكان يوقظ في تلك الليلة أهله وبناته ونساءه"١.
١ رواه أصحاب السنن: الترمذي (٢/١٦.)، وأبو داود (٢/١.٥)، والنسائي (٣/٨٣)، وابن ماجة (١/٤٢.)، كلهم بطرق عن داود بن أبي هند، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، عن جبير بن نفير، عن أبي ذر.
قال الترمذي: حسن صحيح.
ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره.
1 / 32
شرح الحديث: قوله "لو نفلتنا " أي لو جعلت بقية الليل زيادة لنا على قيام الشطر، وهو من التنفيل، وفي النهاية: لو زدتنا من الصلاة النافلة، سميت بها النوافل لأنها زائدة على الفرائض، وتقديره: لو زدت قيام الليل على نصفه لكان خيرا لنا، ولو " للتمني " ١.
وقال الشوكاني: المراد هنا لو قمت بنا طول ليلتنا ونفلتنا من الأجر الذي يحصل من ثواب الصلاة، انتهى.
وفي الحديث دليل على مشروعية الجماعة لصلاة التراويح.
الحديث الثالث: حديث أبي هريرة قال:" خرج رسول الله ﷺ فإذا أناس في رمضان يصلون في ناحية المسجد، فقال: " ما هؤلاء؟ " فقيل: هؤلاء ناس ليس معهم قرآن، وأبي بن كعب يصلي، وهم يصلون بصلاته، فقال النبي ﷺ: "أصابوا، ونعم ما صنعوا " ٢.
وروى هذا الحديث أيضًا محمد بن نصر المروزي٣.
والمحفوظ في هذا أن عمر بن الخطاب جمع الناس وراء أبي بن كعب كما جزم الحافظ وغيره٤.
هذه بعض الأحاديث التي رويت في مشروعية الجماعة في صلاة التراويح.
وأما قول النبي ﷺ: "أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" فحمل العلماء على صلاة التهجد كما خصصوا من هذا العموم بعض الصلوات التي شرع فيها الجماعة كالعيدين والكسوف والاستسقاء وكذلك صلاة التراويح، ولذلك لما أمن عمر بن الخطاب ﵁ من افتراض صلاة التراويح أمر بإقامتها في المسجد جماعة، واستمر هذا العمل منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا فصارت صلاة التراويح في شهر رمضان من شعائر الإسلام، إلا أن من ترك التراويح جماعة في المسجد، وأقامها في البيت لا يذم ولا يلام.
١ انظر: تحفة الأحوذي: ٢/٥٢١.
٢ رواه أبو داود (٢/ ١.٦)،وقال: ليس هذا الحديث بالقوي، مسلم بن خالد ضعيف. انتهى.
قال الذهبي في الكاشف (٣/١٤.) وثّق، وضعفه أبو داود لكثرة غلطه.
وقال الحافظ في التقريب: فقيه صدوق كثير الأوهام.
٣ انظر: قيام الليل: (ص ١٥٥)، بطريق خالد بن مسلم ولم يقل فيه شيئا. .
٤ انظر: فتح الباري: ٤/٢٥٢.
1 / 33
٣- عدد ركعات صلاة التراويح:
ففيه ثلاثة أقوال للعلماء:
القول الأول: ركعات التراويح ثمانية - وهو قول المحدثين والمحققين.
القول الثاني: ركعات التراويح عشرون ركعة - وبه قال الأئمة الثلاثة: الشافعي وأبو حنيفة وأحمد.
القول الثالث: ركعات التراويح ست وثلاثون - وبه قال الإمام مالك.
وإليكم بعض الأدلة للقول الأول:
١- حديث عائشة ﵂ قالت: " ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا لا تسأل عن طولهن وحسنهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن طولهن وحسنهن. ثم يصلي ثلاثًا "١.
وقد بوب ابن خزيمة في صحيحه٢ باب ذكر عدد صلاة النبي ﷺ بالليل في رمضان فذكر هذا الحديث، كما ذكره إلبيهقي في سننه٣ في باب ما روي في عدد ركعات القيام في شهر رمضان.
ويبدو أن الجميع استمسكوا به لمعرفة عدد ركعات النبي ﷺ في رمضان وغيره، كما ذكره الإمام البخاري في صحيحه عقب صلاة التراويح وسوف يأتي ذلك قريبا إن شاء الله.
٢- حديث جابر بن عبد الله قال: " صلى بنا رسول الله ﷺ في شهر رمضان ثماني ركعات وأوتر ... " رواه أبو يعلى، والطبراني في الصغير، كما قال الهيثمي وفيه: عيسى بن جارية وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه ابن معين٤.
وقال الحافظ في الفتح:٥ رواه ابن خزيمة وابن حبان، وعزاه في التلخيص٦ لابن حبان فقط ولم يتكلم على إسناد الحديث مع وجود عيسى بن جارية في إسناد ابن حبان كما في موارد الظمآن.
١ متفق عليه: ففي البخاري مع الفتح (٣/٣٣)، وفي مسلم (١/٥.٩) من طبعة فؤاد عبد الباقي.
٢ صحيح ابن خزيمة: (٣/ ٣٤١)
٣ السنن الكبرى للبيهقي: (٣/٤٩٥)
٤ انظر: مجمع الزوائد: ٣/١٧٢.
٥ فتح الباري: ٣/١٢.
٦ التلخيص: ٣/٢١.
1 / 34
وقد ذكر الشيخ الألباني هذا الحديث ونسبه لابن نصر والطبراني وقال:" سنده حسن "١. ولم يتكلم على عيسى بن جارية.
والطبراني ذكر هذا الحديث في المعجم الصغير٢ بإسناده عن يعقوب بن عبد الله القمي عن عيسى بن جارية،عن جابر بن عبد الله قال:" صلى بنا رسول الله ﷺ في شهر رمضان ثمان ركعات وأوتر، فلما كانت القابلة اجتمعنا في المسجد ورجونا أن يخرج، فلم نزل حتى أصبحنا ثم دخلنا، فقلنا: يا رسول الله اجتمعنا البارحة في المسجد ورجونا أن تصلي بنا؟ فقال: إني خشيت أن يكتب عليكم ".
قال الطبراني:" لا يروى عن جابر بن عبد الله إلا بهذا الإسناد، تفرد به يعقوب وهو ثقة، ولم يتكلم عن عيسى بن جارية ".
وذكر الذهبي هذا الحديث وقال: إسناده وسط٣.
أقول: عيسى بن جارية: هو الأنصاري المدني، قال الحافظ:" فيه لين ". وقال الذهبي:" روى عن جرير وجابر، وعنه أبو صخر حميد بن زياد، ويعقوب القمي مختلف فيه " قال ابن معين:" عنده مناكير "٤. وفي الميزان: قال النسائي:" منكر الحديث " وجاء عنه:" متروك "، وقال أبو زرعة:" لا بأس به "، وأما يعقوب بن عبد الله القمي فهو – بضم القاف – أبو الحسن الأشعري، سبق أن وثقه الطبراني وقال النسائي:" ليس به بأس "، وقال الدارقطني:" ليس بالقوي "٥. وحكم عليه الذهبي بأنه صدوق٦.
ويبدو من هذا أن الحديث لا يقل عن درجة الحسن، ولذا سكت عليه الحافظ، وحسنه الألباني، وقال الذهبي:" إسناده وسط ". والمعروف أن الذهبي من أهل الإستقراء.
ثم أخرج الإمامان الجليلان وهما ابن جبان وابن خزيمة في صحيحيهما إضافة إلى ذلك أنه موافق لحديث عائشة.
وبهذين الحديثين أخذ المحققون من علماء أهل الحديث والفقه. فإن أحدًا منهم لم يقل بأن النبي ﷺ صلى أكثر من ثماني ركعات في رمضان أو في غير رمضان، وإنما الخلاف في الطول، والقراءة، والوقت، والجماعة، وغير ذلك.
١ انظر: صلاة التراويح ص ٢١.
٢ المعجم الصغير: ١/١٩. .
٣ انظر: ميزان الاعتدال: ٣/٣١١.
٤ انظر: الكاشف: ٢/٣٦٦.
٥ انظر الخلاصة للخزرجي: ٣/١٨٢.
٦ انظر الكاشف ٣/٢٩٢.
1 / 35
وأما التراويح، وقيام رمضان، وصلاة الليل، وصلاة التهجد في رمضان: فهي عبارة عن شيء واحد، قال الشيخ عبيد الله المباركفوري: " اعلم أن التراويح وقيام رمضان وصلاة الليل وصلاة التهجد في رمضان عبارة عن شيء واحد، واسم لصلاة واحدة، وليس التهجد في رمضان غير التراويح لأنه لم يثبت من رواية صحيحة ولا ضعيفة أن النبي ﷺ صلى في ليالي رمضان صلاتين إحداهما التراويح، والأخرى التهجد، فالتهجد في غير رمضان هو التراويح في رمضان كما يدل عليه حديث أبي ذر وغيره، وإليه ذهب صاحب فيض الباري١. (الشيخ أنور شاه الكشميري) من الحنفية حيث قال: " المختار عندي أن التراويح، وصلاة الليل واحد، وإن اختلفت صفتاهما كعدم المواظبة على التراويح وأدائها بالجماعة، وأدائها في أول الليل تارة، وإيصالها إلى السحر أخرى بخلاف التهجد فإنه كان في آخر الليل، ولم تكن فيه الجماعة. وجعل اختلاف الصفات دليلًا على اختلاف نوعيها ليس بجيد عندي بل كانت تلك صلاة واحدة، إذا تقدمت سميت باسم التراويح، وإذا تأخرت سميت باسم التهجد.
ولا بدع في تسميتها باسمين عند تغاير الوصفين فإنه لا حجر في التغاير الاسمي إذا اجتمعت عليه الأمة، وإنما يثبت تغاير النوعين عن النبي ﷺ أنه التهجد مع إقامته بالتراويح٢. انتهى.
وقد جزم أيضًا الشيخ بدر الدين العيني وهو من كبار العلماء الحنفية أن قول عائشة إن النبي ﷺ كان إذا دخل في العشر الأواخر في رمضان يجتهد ما لا يجتهد في غيره، المقصود منه التطويل في الركعات والسجود والقيام والقعود بدون الزيادة في العدد ٣.
وقد ذكر الشيخ العيني عشرات الروايات عن الصحابة الآخرين لإثبات عدد ركعات النبي ﷺ وخرج منها بأنه ما كان يزيد عن ثمان ركعات، ويزيد وينقص من ركعات الوتر ما شاء، وذهب الشيخ ابن الهُمام- من محققي الحنفية- إلى أن الثماني ركعات سنة، والبقية مستحبة، وأنكر عليه المشايخ الحنفية القائلون بسنية العشرين ٤.
القول الثاني: ركعات التراويح عشرون ركعة:
استند أصحاب هذا القول بالأثر المروى عن عمر بن الخطاب ﵁ بأنه جمع الناس وراء أبي بن كعب على عشرين ركعة كما استندوا أيضًا بحديث مرفوع إلا أنه ضعيف
١ انظر: ٢/٤٢. من فيض الباري.
٢ انظر: مرقاة المفاتيح ٢/٢٢٤-٢٢٥.
٣ انظر عمدة القاريء ٧/٢.٤.
٤ انظر شرح فتح القدير ١/٣٣٤.
1 / 36