Takhrij Hadith La Yarith al-Muslim al-Kafir
تخريج حديث لا يرث المسلم الكافر
Maison d'édition
بدون
Genres
•extractions
Régions
Égypte
مقدمة
الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على أشرف أنبيائه ورسله، وخيرته من خلقه، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد ..
فإن أحد أشهر مَنْ تدور عليهم الأسانيد، وتُروى عنهم الأخبار، وانتشر حديثه في الأمصار والأقطار، وتداعت همم رواة الحديث ورجاله على الأخذ منه: الإمامُ الحافظ الكبير محمد بن مسلم بن شهابٍ الزُّهري (ت ١٢٤ هـ) ﵀.
الذي قال عنه ابن حبان (ت ٣٥٤ هـ): «كان أحفظ أهل زمانه للسُّنن، وأحسنهم لها سياقًا» (^١).
وهو ممن عليه مدار الحديث في وقته، حتى إن الإمام الناقد علي بن المديني (ت ٢٣٤ هـ) ابتدأ بذكره في أوّل حرفٍ في كتابه فقال: «نظرتُ فإذا
(^١) مشاهير علماء الأمصار لابن حبان (٤٤٤).
1 / 3
الإسناد يدور على ستة: فلأهل المدينة: ابن شهاب؛ وهو محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب …) (^١).
وكانت له اليد الطولى في المراحل الأولى المتسمة بالشموليّة لجمع الأخبار وتدوينها، ونشرها وتفرُّقها في البلدان والأمصار، وتَتَابَعَ الكبارُ على الرواية والأخذ عنه.
وكان من أوثق الرواة عنه وأثبتهم وأجلِّهم: نجمُ السنن ومستودعُ العلوم وإمام دار الهجرة؛ الإمام مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) ﵀.
وهو في الطبقة الأولى من أصحابه والآخذين عنه، ونصّ جماهيرُ النُّقّاد على أنه أثبتُ مَنْ يروي عن الزهري (^٢).
(^١) علل الحديث لعلي بن المديني (٨٦).
(^٢) قدَّمَهُ جماهير النُقّاد على أصحاب الزهري:
فقال يحيى بن إسماعيل الواسطي: سمعتُ يحيى بن سعيد القطان (ت ١٩٨ هـ) وذكر يومًا أصحاب الزهري فبدأ بمالك في أولهم ..
وقال عبد الله بن أحمد: قلت له (يعني: لأبيه): أيُّما أثبت أصحاب الزهري؟ فقال: (لكل واحدٍ منهم عِلّةٌ، إلا أن يونس وعُقيلًا يؤديان الألفاظ، وشُعيب بن أبي حمزة، وليس هم مثل معمر، معمرٌ يقاربهم في الإسناد). قلت: فمالك؟ قال: (مالك أثبت في كل شيء ..) ا. هـ. وعند ابن هانئ: قيل له: فأيُّ أصحاب الزهري أحب إليك؟ قال: (مالكٌ أحبهم إليَّ في قلة روايته، وبعده معمر ..)، وقال أبوطالبٍ: قال أبوعبدالله: (ومالكٌ أثبت في حديث الزهري من جميع من روى عنه).
وقال يحيى بن معين (ت ٢٣٣ هـ) -عَقِبَ تعداده لأصحاب الزهري-: (ذاك أرفعهم)، وقال: (مالكٌ أكبر الناس كلِّهم في الزهري وأثبتهم عندي).
وقال عمرو الفلّاس (ت ٢٤٩ هـ): (أثبت من روى عن الزهري ممن لا يختلف عنه: مالك بن أنس).
وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني (ت ٢٥٩ هـ): (مالكٌ من أثبت الناس فيه).
وقال أبوحاتم الرازي (ت ٢٧٧ هـ): (هو أثبتُ أصحاب الزهري).
وقال النسائي (ت ٣٠٣ هـ): (أثبتُ الناس في ابن شهابٍ الزُهري: مالك بن أنس، وزياد بن سعد الخراساني).
انظر: العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد رواية ابنه عبدالله (٢٥٤٣)، ومسائل ابن هانئ (٢١٢٨) و(٢٢٧٣)، والمعرفة والتاريخ للفسوي (٢/ ٢٠١)، ومشيخة النسائي (٧٧)، وسؤالات ابن الجُنيد (١٥٦) و(٥٤٥)، وتاريخ ابن معين برواية ابن طهمان (١٣٨) و(٤٠٠)، ومعرفة الرجال لابن محرز (١/ ١٢٠)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٨/ ٢٠٥)، وشرح علل الترمذي لابن رجب (٢/ ٦٧١).
1 / 4
بل ورد الثناءُ الباذخ والمدح الرفيع لَهُ من شيخه ابن شهابٍ في قصّةٍ جرت له معه:
حيثُ قال له الزهري وقد حدَّثه ببضعَةَ عشر حديثًا: «ما ينفعك أني أُحدِّثُك ولا تكتب؟»، قلت: إن شئت رددتها عليك. قال: «ردها»، فرددتها عليه، فقال: «نِعْمَ مُستودع العلم أنت!» (^١).
(^١) إكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مُغلطاي (١١/ ٣١).
1 / 5
وإن من أشهر الأخبار التي اختُلف فيها على ابن شهابٍ الزهري:
حديثُ أسامة بن زيد ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يرث المسلم الكافر».
ويتركّزُ الاختلاف على تسمية راويه عن أسامة بن زيدٍ؛ هل هو: «عَمرو بن عثمان»، أو «عُمر بن عثمان»؟ وكلاهما من ولد عثمان بن عفان ﵁:
فرواه أصحاب الزهري بتسمية راويه «عَمرًا»، وخالفهم مالكٌ فأسماهُ: «عُمر»، وأخطأ فيه.
وكما قال ابن عبدالبر (ت ٤٦٣ هـ): «ومالكٌ ممن لا يكاد يُقاس به غيره حفظًا وإتقانًا، لكن الغلط لا يسلم منه أحد» (^١).
والشأن في جَمع الطرق والروايات بيانُ مواضع الاتفاق فيها والاختلاف، مع الإبراز والاستثمار لصنيع الأئمة وتصرُّفاتهم وطرائقهم في روايتها، والنظر في مدلولات سياقاتها الواردة فيها.
وحديث الباب هو من أشهر ما يُستدل به على اعتناء الأئمة النُّقاد ببيان أخطاء المحدِّثين الثقات وتصويبها؛ حيث نرى تتابع الأئمة والرواة على بيان الخطأ في تسمية راويه، وتنصيصهم على وجه الصواب فيه (^٢).
(^١) التمهيد: (٩/ ١٦٠).
(^٢) وقد ذكره أبو عمرو ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ) في مُقدِّمته (ص ٨٨) مثالًا للمُنكر من الحديث الذي يُخالف فيه الثقة حديث الثقات، ولم أر في كلام من تقدم وصفًا لرواية مالكٍ بالنكارة، والذي يظهر لي أن وسمها بالمخالفة أو الغرابة أولى وأحرى من وصفها وإدراجها في أبواب النكارة، سيّما على الاصطلاح الذي استقرّ للمُنكر عند المتأخرين.
1 / 6
وهذا جُزءٌ مختصرٌ في جمع طُرُقِه ورواياتِهِ والكلام عليها (^١)، مع التركيز على استثمار سياقاته الواردة فيها، والتنبيه على ما وقع في بعض المصادر من اختلافٍ في نقله مع استظهارٍ للصواب.
ومن الله أستمد العون والسداد، وأسأله نيل السؤل والمراد؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
(مكة) ١٤٤١ هـ
(^١) وهو مُستلٌّ من رسالتي للماجستير: «الأحاديث التي أعلّها الإمام النسائي في السنن الكبرى، دراسةٌ استقرائيةٌ»، وقد رُتِّب الكلامُ عليه في أصله على السياق الوارد فيه عند النسائي، فأعدتُّ ترتيبه هنا على طريقة اللف والنشر المرتب، مع الإشارة والإفادة من دلالات سياقه الذي ورد فيه.
1 / 7
نصُّ الحديث:
عن أُسامة بن زيدٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يرثُ المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ».
التخريج:
* هذا الحديث رواه ابن شهابٍ الزُهري، واختُلف عليه على أربعة أوجه:
الوجه الأول: رواه جمهور أصحابه:
عنهُ، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان (^١)، عن أسامة بن زيدٍ، قال:
(^١) عَمرو بن عثمان بن عفَّان: من التابعين الكبار، قال مُصعب الزبيري- وهو أحدُ رواة حديث الباب عن مالك-: (كان عمرو بن عثمان أكبر ولد عثمان الذين أعقبوا) ا. هـ، وقال ابن سعد: (روى عمرو عن أبيه، وعن أسامة بن زيد، وكان ثقةً له أحاديث)، وقال العجلي: (مدنيٌّ تابعيٌّ ثقة، من كبار التابعين)، وذكره ابن حبّان في ثقاته وقال: (يروي عن أبيه وأسامة بن زيدٍ، روى الزهري عن علي بن حسين عنه)، وهو صهر معاوية بن أبي سفيان على ابنته رملة، وروى له الستةُ.
ملاحظة: ورد قول مصعب الزبيري عند المزِّي والسخاوي، منسوبًا للزبير بن بكّار، والوجه في ذلك أن الزبيرَ بنى كتابه على كتاب عمّه وزاد عليه.
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد: (٧/ ١٤٩)، ونسب قريش لمصعب الزبيري (ص ١٠٥)، ومعرفة الثقات للعجلي: ٢/ ١٨٠ (١٣٩٦)، والثقات لابن حبان (٥/ ١٦٨)، وتهذيب الكمال (٢٢/ ١٥٥)، والتحفة اللطيفة (٥/ ٢٥٣).
1 / 8
قال رسول الله ﷺ: «لا يرث المسلم الكافر».
وقد رواهُ عنهُ من أصحابه:
(سفيان بن عُيينة، وعبدالملك بن جُريج، ويزيد بن الهاد، ومعمر بن راشد الأزدي، وعُقيل بن خالد، ويونس بن يزيد، وعبد الله بن بُديل، وأسامة بن زيد الليثي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومحمد بن أبي حفصة، وزمعة بن صالح).
الوجه الثاني: رواه مالكُ بن أنسٍ:
واختُلف عنه على ثلاثة أوجه:
الأول: رواه جمعٌ من أصحاب مالك، عنهُ، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن عُمر بن عثمان (^١)، عن أسامة بن زيد، به، مرفوعًا.
(^١) عُمر بن عثمان بن عفَّان: من التابعين، روى عن أبيه، قال ابن سعد: (روى عنه الزهري، وله دارٌ بالمدينة، وكان قليل الحديث)، وقال البخاري: (سمع عثمان ﵁؛ قاله إبراهيم بن عمر بن أبان، عن أبيه، في إسناده شيءٌ)، قال ابن عبدالبر: (أما أهل النسب فلا يختلفون أن لعثمان بن عفان ابنًا يُسمى عمر، وله أيضًا ابن يسمى عَمرًا)، وذكره ابن حبان في الثقات، ورَمَز المزّيُّ لرواية النسائي له لوروده في حديث مالكٍ، ولم أقف له على روايةٍ غيرها.
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (٧/ ١٥٠)، والتاريخ الكبير للبخاري (٦/ ١٧٨)، والجامع الكبير للترمذي (٢١٠٧)، والثقات لابن حبان (٥/ ١٤٦)، والتمهيد لابن عبدالبر (٩/ ١٦٠)، وتهذيب الكمال للمزي (٢١/ ٤٥٨).
1 / 9
الثاني: رواه آخرون عنه، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، به، مرفوعًا، بمثل رواية جمهور أصحاب الزهري في الوجه الأول؛ بتسمية راويه «عَمْرًا» (^١).
الثالث: رواه ابن بُكير عنهُ، على الشك؛ فقال: «عمرو بن عثمان، أو عمر بن عثمان».
الوجه الثالث عن الزهري: رواه عبدالله بن عيسى:
عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن أسامة بن زيدٍ، به، مرفوعًا.
الوجه الرابع عن الزهري: رواه هُشيم بن بشير:
بلفظ: «لايتوارث أهلُ ملّتين شتى»، وقد اختُلف عليه في إسناده على وجهين:
الأول: رواهُ مسعود بن جويرية، عنه، عن الزهري، عن علي بن الحسين، وأبان بن عثمان، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيدٍ، به.
فزاد في إسناده «أبان بن عثمان».
(^١) وسيأتي بيانُ مخالفة هذا الوجه لصوابِ المروي عن الإمام مالك من خلال واقع الرواية؛ إذ المحفوظ عنه والذي نقله جمعٌ من أصحابه؛ وتوارد الأئمة على التنصيص على روايته وخطئه فيه هو الوجه الأول.
1 / 10
والثاني: رواه عنه جمعٌ من أصحابه دون ذكر «أبانٍ» في إسناده.
1 / 11
الوجه الأول: عن الزهري بتسمية راويه «عمرو بن عثمان»
وقد رواه جماهير أصحاب ابن شهابٍ وهم:
١ - سفيان بن عيينة:
رواه أحمد في المسند: (٢١٧٤٧)، والحُميدي في مسنده: (٥٥١)، والشافعي في الرسالة: (ص ١٦٧) والأم (٤/ ٧٥) و(٤/ ٨٧) و(٧/ ٣٨٣) و(١/ ٣٠٠)، وابن أبي شيبة في المُصنّف (^١): (٣٢٠٨٨) - وعنهُ ابن أبي
عاصم في الآحاد والمثاني: (٤٥٤) - ومسلمٌ في صحيحه: (١٦١٤)، وأبو داود في
السنن: (٢٩٠٩)، والترمذي في الجامع: (٢١٠٧)، وابن ماجه: (٢٧٢٩)، والنسائي في السنن الكبرى: (٦٥٥٠)، والدارمي في مُسنده: (٣٠٤٤)، والبزَّار في
مسنده: (٢٥٨١)، وابن حبان في صحيحه: (٦٠٣٣)، وابن الجارود في المُنتقى من السنن المسندة: (٩٥٤)، والطبراني في المعجم الكبير: ١/ ١٦٩ (٤١٤)، وغيرهم=
(^١) وقد انفرد ابن أبي شيبة في مُصنفه بروايته عن ابن عيينة بلفظ: «لا يتوارث الملتان المختلفتان»، ولعلَّهُ رواه بمعناه حيثُ بوَّب عليه بقوله: «من قال: لا يرث المسلم الكافر»، وخالفه بقية أصحاب ابن عيينة، يربو عددهم على العشرين راويًا، وقد رواه ابن أبي شيبة في مُسنده: (١٤٤) - ومن طريقه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني: (٤٥٤) - وغيره من طريق ابن عُيينة بمثل لفظ الجماعة.
1 / 12