Tahdhib de la langue
تهذيب اللغة
Enquêteur
محمد عوض مرعب
Maison d'édition
دار إحياء التراث العربي
Édition
الأولى
Année de publication
٢٠٠١م
Lieu d'édition
بيروت
Régions
•Afghanistan
Empires & Eras
Samanides (Transoxiane, Khorassan), 204-395 / 819-1005
(مُقَدّمَة الْمُؤلف)
قَالَ أَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بن أَحْمد بن طَلْحَة بن نوح بن الْأَزْهَر الأزهريّ:
الْحَمد لله ذِي الْحول وَالْقُدْرَة بكلِّ مَا حَمِد بِهِ أقربُ عبادِه إِلَيْهِ، وَأكْرم خلائقه عَلَيْهِ، وأرضى حامدِيه لَدَيْهِ، على مَا أسبغَ علينا مِن نِعمه الظَّاهِرَة والباطنة، وآتاناه من الْفَهم فِي كِتَابه الْمنزل على نبيّ الرَّحْمَة سيد الْمُرْسلين وَإِمَام المتَّقين، محمدٍ صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله الطيبين، صَلَاة زاكية نامية وأزلفَ مقَامه لَدَيْهِ؛ ووفقنا لَهُ من تِلَاوَته، وهدانا إِلَيْهِ من تدبُّر تَنْزِيله، والتفكُّر فِي آيَاته، وَالْإِيمَان بمحكمه ومتشابهه، والبحث عَن مَعَانِيه، والفحص عَن اللُّغَة الْعَرَبيَّة الَّتِي بهَا نزلَ الْكتاب، والاهتداء بِمَا شرعَ فِيهِ ودعا الخلقَ إِلَيْهِ، وأوضحَ الصراطَ المستقيمَ بِهِ؛ إِلَى مَا فضّلنا بِهِ على كثير من أهل هَذَا الْعَصْر فِي معرفَة لُغَات الْعَرَب الَّتِي بهَا نزلَ الْقُرْآن، ووردت سنَّة الْمُصْطَفى النَّبِي المرتضى.
قَالَ جلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (يُوسُف: ٢)، وَقَالَ جلّ وعزّ: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الشُّعَرَاء: ١٩٢) ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَْمِينُ﴾ (الشُّعَرَاء: ١٩٣) ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (الشُّعَرَاء: ١٩٤) ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ﴾ (الشُّعَرَاء: ١٩٥) . وخاطبَ تَعَالَى نبيَّه ﷺ فَقَالَ: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النّحل: ٤٤) .
قلت، والتوفيقُ من الله المجيدِ للصَّواب:
نزلَ القرآنُ الكريمُ والمخاطَبون بِهِ قومٌ عَرَب، أولو بيانٍ فاضلٍ، وفهمٍ بارع، أنزلهُ جلّ ذكره بلسانهم، وَصِيغَة كَلَامهم الَّذِي نشئوا عَلَيْهِ، وجُبِلوا على النُّطْق بِهِ، فتدَرّبوا بِهِ يعْرفُونَ وُجُوه خطابه، ويفهمون فنون نظامه، وَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى تعلُّم مشكله وغريب أَلْفَاظه، حاجةَ المولدين الناشئين فِيمَن لَا يعلم لسانَ الْعَرَب حَتَّى يعلَّمَه، وَلَا يفهم ضروبه وَأَمْثَاله، وطرقه وأساليبه، حتّى يفَهَّمَها.
وبيَّن النَّبِي ﷺ للمخاطبين من أَصْحَابه ج مَا عَسَى الحاجةُ إِلَيْهِ من معرفةِ بَيَان لمجمل الْكتاب وعامضه، ومتشابهه، وَجَمِيع وجوهه الَّتِي لَا غنى بهم وبالأمّة عَنهُ، فاستغنَوا بذلك عمّا نَحن إِلَيْهِ محتاجون، من معرفَة لُغَات الْعَرَب واختلافها والتبحُّر
1 / 5
فِيهَا، وَالِاجْتِهَاد فِي تعلُّم الْعَرَبيَّة الصَّحِيحَة الَّتِي بهَا نزلَ الْكتاب، وَورد الْبَيَان.
فعلينا أَن نجتهدَ فِي تعلُّم مَا يُتوصَّل بتعلمه إِلَى معرفَة ضروب خطاب الْكتاب، ثمَّ السُّنن المبيِّنة لجمل التَّنْزِيل، الموضّحة للتأويل؛ لتنتفيَ عَنَّا الشبهةُ الداخلةُ على كثير من رُؤَسَاء أهل الزَّيْغ والإلحاد، ثمَّ على رُءُوس ذَوي الْأَهْوَاء والبِدَع، الَّذين تأوَّلوا بآرائهم المدخولة فأخطئوا، وتكلَّموا فِي كتاب الله جلّ وعزّ بلكنتهم العجميّةِ دونَ معرفةٍ ثاقبة، فضلُّوا وأضلُّوا.
ونعوذ بِاللَّه من الخِذلان، وإياه نسْأَل التَّوْفِيق للصَّواب فِيمَا قصدناه، والإعانة على مَا توخَّيناه، من النَّصِيحَة لجَماعَة أهلِ دين الله، إنّه خير موفِّقٍ ومعين.
وأخبرَنا أَبُو مُحَمَّد عبد الْملك بن عبد الْوَهَّاب البغويّ عَن الرّبيع بن سُلَيْمَان المراديّ عَن مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي ح أنَّه قَالَ:
(لِسَان الْعَرَب أوسعُ الْأَلْسِنَة مذهبا، وأكثرها ألفاظًا، وَمَا نعلم أحدا يُحِيط بجميعها غير نبيّ، ولكنّها لَا يذهب مِنْهَا شيءٌ على عامَّتها حَتَّى لَا يكون مَوْجُودا فِيهَا. وَالْعلم بهَا عِنْد الْعَرَب كَالْعلمِ بالسنن عِنْد أهل الْفِقْه، لَا نعلم رجلا جمعَ السّنَن كلَّها فَلم يذهبْ عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْء، فَإِذا جمع علم عامّة أهل الْعلم بهَا أَتَى على جَمِيع السّنَن، وَإِذا فرِّق علم كلّ واحدٍ مِنْهُم ذهب على الْوَاحِد مِنْهُم الشَّيْء مِنْهَا، ثمَّ كَانَ مَا ذهب عَلَيْهِ مِنْهَا مَوْجُودا عِنْد غَيره. وهم فِي الْعلم طَبَقَات: مِنْهُم الْجَامِع لأكثره وَإِن ذهبَ عَلَيْهِ بعضه، وَالْجَامِع لأقلَّ ممّا جمع غَيره. فينفرد جملَة الْعلمَاء بجميعها، وهم درجاتٌ فِيمَا وعَوْا مِنْهَا. وَكَذَا لسانُ الْعَرَب عِنْد عامّتها وخاصّتها لَا يذهب مِنْهُ شيءٌ عَلَيْهَا، وَلَا يطْلب عِنْد غَيرهَا، وَلَا يُعلمهُ إلاّ من قَبله عَنْهَا، وَلَا يَشْرَكها فِيهِ إلاّ من اتَّبعها فِي تعلُّمه مِنْهَا، وَمن قبله مِنْهَا فَهُوَ من أهل لسانها، وعِلمُ أَكثر اللِّسَان فِي أَكثر الْعَرَب أعَمّ من علم أَكثر السّنَن فِي أَكثر الْعلمَاء مقدرَة) .
قلت: قد قَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى فَأحْسن، وأوضح فبيَّن، ودلّ سياقُ بَيَانه فِيمَا ذَكرْنَاهُ عَنهُ آنِفا وَفِيمَا لم نذكرهُ إيجازًا، على أنّ تعلُّم الْعَرَبيَّة الَّتِي بهَا يُتوصَّل إِلَى تعلم مَا بِهِ تجْرِي الصَّلَاة من تنزيلٍ وذكرٍ، فرضٌ على عامّة الْمُسلمين، وأنّ على الخاصّة الَّتِي تقوم بكفاية الْعَامَّة فِيمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ لدينهم الاجتهادَ فِي تعلُّم لِسَان الْعَرَب ولغاتها، الَّتِي بهَا تَمام التوصُّل إِلَى معرفَة مَا فِي الْكتاب وَالسّنَن والْآثَار، وأقاويل المفسِّرين من الصّحابة وَالتَّابِعِينَ، من الْأَلْفَاظ الغريبةِ والمخاطبات الْعَرَبيَّة فإنَّ من جهل سَعَة لِسَان الْعَرَب وَكَثْرَة ألفاظها، وافتنانها فِي مذاهبها، جَهِل جُمَل علم
1 / 6
الْكتاب، وَمن عَلمها ووقَف على مذاهبها، وفهمَ مَا تأوَّله أهل التَّفْسِير فِيهَا، زَالَت عَنهُ الشُّبَه الدَّاخِلَة على مَن جَهِل لسانَها من ذَوي الْأَهْوَاء والبِدع.
وكتابي هَذَا، وَإِن لم يكن جَامعا لمعاني التَّنْزِيل وألفاظ السّنَن كلّها، فَإِنَّهُ يَحُوز جملا من فوائدها، ونُكتًا من غريبها ومعانيها، غير خَارج فِيهَا عَن مَذَاهِب المفسِّرين، ومسالك الْأَئِمَّة المأمونين، من أهل الْعلم وأعلام اللغويّين، المعروفين بالمعرفة الثاقبة والدّين والاستقامة.
وَقد دَعَاني إِلَى مَا جمعتُ فِي هَذَا الْكتاب من لُغَات الْعَرَب وألفاظها، واستقصيتُ فِي تتبُّعٍ مَا حصَّلت مِنْهَا، والاستشهاد بشواهد أشعارها الْمَعْرُوفَة لفصحاء شعرائها، الَّتِي احتجَّ بهَا أهل الْمعرفَة المؤتمنون عَلَيْهَا، خلالٌ ثلاثٌ:
مِنْهَا تَقْيِيد نكتٍ حفظتُها ووعيتُها عَن أَفْوَاه الْعَرَب الَّذين شاهدتهم وأقمت بَين ظهرانيهم سنيَّات، إِذْ كَانَ مَا أثبتَه كثيرٌ من أئمةِ أهل اللُّغَة فِي الْكتب الَّتِي ألّفوها، والنوادر الَّتِي جمعوها لَا ينوبُ منابَ الْمُشَاهدَة، وَلَا يقوم مقَام الدُّربة وَالْعَادَة.
وَمِنْهَا النَّصِيحَة الْوَاجِبَة على أهل الْعلم لجَماعَة الْمُسلمين فِي إفادتهم مَا لعلَّهم يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ. وَقد روينَا عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (أَلا إِن الدينَ النَّصِيحَة لله ولكتابه ولأئمة الْمُسلمين وعامتهم) .
والخلة الثَّالِثَة هِيَ الَّتِي أَكثر الْقَصْد: أَنِّي قَرَأت كتبا تصدَّى مؤلفوها لتَحْصِيل لُغَات الْعَرَب فِيهَا، مثل كتاب (الْعين) الْمَنْسُوب إِلَى الْخَلِيل، ثمَّ كتب من احتذى حَذْوَه فِي عصرنا هَذَا. وَقد أخلَّ بهَا مَا أَنا ذاكره من دَخَلها وعَوارها بعقب ذكرى الأئمةِ المتقنين وعلماء اللُّغَة المأمونين على مَا دوّنوه من الْكتب وأفادوا، وحصَّلوا من اللُّغَات الصَّحِيحَة الَّتِي روَوها عَن الْعَرَب، واستخرجوها من دواوين الشُّعَرَاء المعروفين وحفظوها عَن فصحاء الْأَعْرَاب.
وألفيت طلاب هَذَا الشَّأْن من أَبنَاء زَمَاننَا لَا يعْرفُونَ من آفَات الْكتب المصحَّفة المدخولة مَا عرفتُه، وَلَا يميزون صحيحها من سقيمها كَمَا ميزتُه. وَكَانَ من النَّصِيحَة الَّتِي التزمتُها توخِّيًا للمثوبة من الله عَلَيْهَا، أَن أنصحَ عَن لُغَة الْعَرَب ولسانها العربيّ الَّذِي نزل بِهِ الْكتاب، وَجَاءَت السّنَن والْآثَار، وَأَن أهذّبها بجهدي غَايَة التَّهْذِيب، وأدلَّ على التَّصْحِيف الْوَاقِع فِي كتب المتحاذقين، والمُعْوِر من التَّفْسِير المزال عَن وَجهه، لِئَلَّا يغترّ بِهِ من يجهله، وَلَا يعتمده من لَا يعرفهُ.
وَكنت منذُ تعاطيتُ هَذَا الفنَّ فِي حداثتي إِلَى أَن بلغتُ السّبْعين، مُولَعا بالبحث
1 / 7
عَن الْمعَانِي وَالِاسْتِقْصَاء فِيهَا، وَأَخذهَا من مظانها، وإحكام الْكتب الَّتِي تأتَّى لي سماعُها من أهل الثبت وَالْأَمَانَة للأئمة المشهّرين، وَأهل الْعَرَبيَّة المعروفين.
وَكنت امتُحنت بالإسار سنةَ عارضتِ القرامطةُ الحاجَّ بالهبير، وَكَانَ القومُ الَّذين وقعتُ فِي سهمهم عربا عامتهم من هوَازن، وَاخْتَلَطَ بهم أصرامٌ من تَمِيم وَأسد بالهبير نشئوا فِي الْبَادِيَة يتتبعون مساقط الْغَيْث أيامَ النُّجَع، ويرجعون إِلَى أعداد الْمِيَاه، ويرعون النَّعمَ ويعيشون بألبانها، ويتكلمون بطباعهم البدوية وقرائحهم الَّتِي اعتادوها، وَلَا يكَاد يَقع فِي منطقهم لحنٌ أَو خطأ فَاحش. فَبَقيت فِي إسارهم دهرًا طَويلا.
وَكُنَّا نتشتَّى الدَّهناء، ونتربع الصَّمَّان، ونتقيَّظ السِّتارَين، واستفدت من مخاطباتهم ومحاورة بَعضهم بَعْضًا ألفاظًا جمّة ونوادر كَثِيرَة، أوقعتُ أَكْثَرهَا فِي مواقعها من الْكتاب، وستراها فِي موضعهَا إِذا أتَتْ قراءتك عَلَيْهَا إِن شَاءَ الله.
1 / 8
(بَاب ذكر الْأَئِمَّة الَّذين اعتمادي عَلَيْهِم فِيمَا جمعت فِي هَذَا الْكتاب)
فأولهم أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: أَخذ عَنهُ البصريون والكوفيون من الْأَئِمَّة الَّذين صنّفوا الْكتب فِي اللُّغَات وَعلم الْقُرْآن والقراءات. وَكَانَ من أعلم النَّاس بِأَلْفَاظ الْعَرَب ونوادر كَلَامهم، وفصيح أشعارهم وَسَائِر أمثالهم.
وحَدثني أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر المنذريّ الْعدْل قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو الْحسن الصَّيْدَاوِيُّ عَن الرياشيّ أَنه سمع الأصمعيّ يَقُول: سَمِعت أَبَا عَمْرو بن الْعَلَاء يَقُول: مَا فِي الدُّنْيَا أحد إلاّ وَأَنا أعلمُ بالشعر مِنْهُ.
قَالَ أَبُو الْحسن الصيَّداوي: فَأخْبرت أَبَا حَاتِم السجسْتانِي بذلك فَقَالَ: فَلم لم يقل الرياشيّ: وَلَا فِي الدُّنْيَا أحد إلاّ وَأَنا أعلم بالشعر مِنْهُ؟ مَنعه من ذَلِك التَّقْوَى والزُّهد والصيانة.
قَالَ: وَسمعت الرياشيّ يَقُول: سَمِعت الأصمعيّ يَقُول: سَأَلت أَبَا عَمْرو بن الْعَلَاء عَن ثَمَانِيَة آلَاف مَسْأَلَة، وَمَا مَاتَ حَتَّى أخذَ عنّي.
وحدَّثني أَبُو مُحَمَّد المزنيّ عَن أبي خَليفَة عَن مُحَمَّد بن سلاّم الجمحيّ أَنه قَالَ: كَانَ عبد الله بن أبي إِسْحَاق الْحَضْرَمِيّ أوّل من بعج النَّحْو ومدَّ القياسَ والعلل، وَكَانَ مَعَه أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء، وَبَقِي بعده بَقَاء طَويلا. قَالَ: وَكَانَ ابْن أبي إِسْحَاق أشدّ تجريدًا للْقِيَاس، وَكَانَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء أوسعَ علما بِكَلَام الْعَرَب وغريبها. قَالَ: وَكَانَ بِلَال بن أبي بردة جمع بَينهمَا بِالْبَصْرَةِ وَهُوَ والٍ عَلَيْهَا زمن هِشَام بن عبد الْملك.
قَالَ مُحَمَّد بن سَلام: قَالَ يُونُس: قَالَ أَبُو عَمْرو: فغلبني ابْن أبي إِسْحَاق يَوْمئِذٍ بِالْهَمْز فَنَظَرت فِيهِ بعد ذَلِك وبالغت فِيهِ.
قَالَ: وَكَانَ عِيسَى بن عمر أَخذ عَن ابْن أبي إِسْحَاق، وَأخذ يونسُ عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء، وَكَانَ مَعَهُمَا مسلمة بن عبد الله بن سعد بن مُحارب الفِهري. وَكَانَ
1 / 9
حمّاد بن الزبْرِقَان، وَيُونُس يفضّلانه.
وَأَخْبرنِي أَبُو مُحَمَّد عَن أبي خَليفَة عَن مُحَمَّد بن سَلام أَنه قَالَ: سمعتُ يُونُس يَقُول: لَو كَانَ أحدٌ يَنْبَغِي أَن يُؤْخَذ بقوله كُله فِي شَيْء كَانَ يَنْبَغِي لقَوْل أبي عَمْرو بن الْعَلَاء فِي الْعَرَبيَّة أَن يؤخذَ كلُّه، وَلَكِن ليسَ من أحدٍ إلاّ وَأَنت آخذٌ من قَوْله وتارك.
وَقَالَ يُونُس: كَانَ أَبُو عَمْرو أشدَّ تَسْلِيمًا للْعَرَب، وَكَانَ ابْن أبي إِسْحَاق وَعِيسَى يطعنان عَلَيْهِم.
قلت: وَمن هَذِه الطَّبَقَة خلفٌ الْأَحْمَر: أَخْبرنِي أَبُو بكر الْإِيَادِي عَن شمر عَن أبي عُبيد عَن الأصمعيّ قَالَ: سَمِعت خلفا الْأَحْمَر يَقُول: سمعتُ العربَ تُنشِد بَيت لبيد:
بأخِرّة الثَّلبوتِ يربأ فَوْقهَا
قفرَ المراقب خوفُها آرامها
قَالَ أَبُو عبيد: وخلفٌ الْأَحْمَر معلم الأصمعيّ ومعلِّم أهل الْبَصْرَة.
وَقَالَ الأصمعيّ: كَانَ خلفٌ مولى أبي بردة بن أبي مُوسَى، أعتقَ أبوَيه، وَكَانَا فرغانيين، وَكَانَ يَقُول الشّعْر فيُجيد، وَرُبمَا قَالَ الشعرَ فنحلهُ الشعراءَ المتقدِّمين فَلَا يتَمَيَّز من شعرهم، لمشاكلة كَلَامه كَلَامهم.
وَأَخْبرنِي أَبُو مُحَمَّد عَن أبي خَليفَة عَن مُحَمَّد بن سَلام أَنه قَالَ:
كَانَ الْخَلِيل بن أَحْمد: وَهُوَ رجلٌ من الأزد من فراهيد قَالَ: وَيُقَال رجلٌ فراهيديّ. وَكَانَ يُونُس يَقُول فُرهوديّ مثل قُردوسيّ قَالَ: فاستخرجَ من الْعرُوض واستنبط مِنْهُ وَمن علله مَا لم يَسْتَخْرِجهُ أحد، وَلم يسْبقهُ إِلَى علمه سابقٌ من الْعلمَاء كلهم.
قَالَ ابْن سَلام: وَكَانَ خلف بن حيَّان أَبُو مُحرز وَهُوَ خلفٌ الْأَحْمَر أجمعَ أَصْحَابنَا أَنه كَانَ أفرسَ النَّاس بِبَيْت شعر وأصدقه لِسَانا؛ كنَّا لَا نبالي إِذا أَخذنَا عَنهُ خَبرا أوّ أنشدَنا شعرًا ألاَّ نَسْمَعهُ من صَاحبه.
وَمن هَذِه الطَّبَقَة الْمفضل بن مُحَمَّد الضبيّ الْكُوفِي: وَكَانَ الغالبُ عَلَيْهِ رِوَايَة الشّعْر وَحفظ الْغَرِيب.
وحدّثني أَبُو مُحَمَّد عَن أبي خَليفَة عَن مُحَمَّد بن سلاّم أَنه قَالَ: أعلمُ من وردَ علينا من أهل الْبَصْرَة المفضَّل بن مُحَمَّد الضبيّ.
وروى غَيره أنَّ سُلَيْمَان بن عليَ الهاشميَّ جمعَ بِالْبَصْرَةِ بَين الْمفضل وَبَين
1 / 10
الأصمعيّ، فَأَنْشد الْمفضل قَول أَوْس بن حجر:
أيتها النَّفس أجمِلي جزَعا
إنَّ الَّذِي تحذرين قد وَقعا
وفيهَا:
وَذَات هِدمٍ عارٍ نواشرُها
تصمتُ بِالْمَاءِ تولبًا جذَعا
فَفطن الأصمعيّ لخطئه، وَكَانَ أحدث سنًّا مِنْهُ فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ (توَلبا جذَعا) وَأَرَادَ تَقْرِيره على الْخَطَأ، فَلم يفْطن الْمفضل لمراده فَقَالَ: كَذَلِك أنشدتهُ، فَقَالَ لَهُ الْأَصْمَعِي حينئذٍ: أخطأتَ، إِنَّمَا هُوَ (تولبًا جدِعًا) فَقَالَ الْمفضل: جذَعا جذعا وَرفع صَوته فَقَالَ لَهُ الأصمعيُّ: لَو نفختَ فِي الشبُّور مَا نفعك تكلم كلامَ النملِ وأصبْ، إِنَّمَا هُوَ (جدِعا) . فَقَالَ سليمانُ الْهَاشِمِي: اختارا من نجعله بَيْنكُمَا. فاتّفقا على غُلَام من بني أسدٍ حافظٍ للشعر، فبعثَ سليمانُ إِلَيْهِ من أحضرهُ، فعرضا عَلَيْهِ مَا اخْتلفَا فِيهِ فصدَّق الأصمعيَّ وصوَّب قَوْله، فَقَالَ لَهُ الْمفضل: وَمَا الجَدِع؟ قَالَ: السيء الغِذاء.
قلت: وَهَذَا هُوَ فِي كَلَام الْعَرَب، يُقَال: أجدعتْه أمه، إِذا أساءت غذاءه.
(الطَّبَقَة الثَّانِيَة)
وَمن الطَّبَقَة الَّذين خلفوا هَؤُلَاءِ الَّذين قدَّمنا ذكرَهم وَأخذُوا عَن هَؤُلَاءِ الَّذين تقدَّموهم خَاصَّة وَعَن الْعَرَب عامَّة، وعُرفوا بالصِّدق فِي الرِّوَايَة، والمعرفة الثاقبة، وَحفظ الشّعْر وَأَيَّام الْعَرَب:
أَبُو زيدٍ سعيد بن أَوْس الْأنْصَارِيّ؛ وَأَبُو عَمْرو إِسْحَاق بن مُرَاد الشَّيْبَانِيّ مولى لَهُم، وَأَبُو عُبَيْدَة معمر بن المثنَّى التَّيْمِيّ من تيم قريشٍ مولى لَهُم؛ وَأَبُو سعيد عبد الْملك بن قُريب الأصمعيّ؛ وَأَبُو مُحَمَّد يحيى بن الْمُبَارك اليزيديّ، وَإِنَّمَا سمي اليزيدي لِأَنَّهُ كَانَ يُؤَدب ولد يزِيد بن مَنْصُور الحميريّ خَال الْمهْدي، وَلَا يقدَّم عَلَيْهِ أحدٌ من أَصْحَاب أبي عَمْرو بن الْعَلَاء فِي الضَّبْط لمذاهبه فِي قراءات الْقُرْآن.
وَمن هَذِه الطَّبَقَة من الْكُوفِيّين: أَبُو الْحسن عَليّ بن حَمْزَة الْكسَائي: وَعنهُ أَخذ أَبُو زَكَرِيَّا يحيى بن زِيَاد الفرَّاء النَّحْو والقراءاتِ والغريبَ والمعاني، فتقدَّم جَمِيع تلامدته الَّذين أخذُوا عَنهُ، إلاّ عليّ بن الْمُبَارك الْأَحْمَر، فَإِنَّهُ كَانَ مقدَّمًا على الفرَّاء فِي حَيَاة الْكسَائي لجودة قريحته وتقدّمه فِي علل النَّحْو ومقاييسه. وأسرع إِلَيْهِ الموتُ فِيمَا ذكر أَبُو مُحَمَّد سَلمَة بن عَاصِم، وبقيَ الفرَّاء بعده بَقَاء طَويلا فبرَّز على جَمِيع من كَانَ فِي عصره.
1 / 11
وَمن هَذِه الطَّبَقَة: أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن سعيد: أَخُو يحيى بن سعيدٍ الأمويّ الَّذِي يروي عَنهُ أَبُو عبيدٍ، وَكَانَ جَالس أعرابًا من بني الْحَارِث بن كَعْب، وسألهم عَن النَّوَادِر والغريب، وَكَانَ مَعَ ذَلِك حَافِظًا للْأَخْبَار وَالشعر وَأَيَّام الْعَرَب.
وَمن هَذِه الطَّبَقَة: النَّضر بن شُميل الْمَازِني: سكن الْبَصْرَة وَأقَام بهَا دهرًا طَويلا، وَسمع الحَدِيث وجالس الخليلَ بن أَحْمد، وَأَبا خَيرة الأعرابيَّ، وَأَبا الدُّقيش، واستكثر عَنْهُم.
وَمِنْهُم: أَبُو الْحسن سعيد بن مسْعدَة الْمَعْرُوف بالأخفش: وَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ النَّحْو ومقاييسه، وَلم يكن حَافِظًا للغريب وَلَا مُلحقًا بطبقته الَّتِي ألحقناه بهَا فِي معرفَة الشّعْر والغريب.
وَمِنْهُم: أَبُو مَالك عَمْرو بنِ كِرْكِرَة: وَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ النَّوَادِر والغريب.
فَأَما أَبُو زيد سعيد بن أَوْس الأنصاريّ: فَإِنَّهُ سمع من أبي عَمْرو بن الْعَلَاء الْقرَاءَات وجَمعها، وَرَوَاهَا عَنهُ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ وَغَيره، وَهُوَ كثير الرِّوَايَة عَن الأَعراب، وَقَرَأَ دواوين الشُّعَرَاء على الْمفضل بن مُحَمَّد الضبيّ، وجالس أَبَا الدُّقيش الأعرابيّ، ويونسَ النحويّ وَأَبا خيرةَ العدويّ. وَالْغَالِب عَلَيْهِ النَّوَادِر والغريب؛ وَله فضلُ معرفةٍ بمقاييس النَّحْو، وَعلم الْقُرْآن وَإِعْرَابه. روى عَنهُ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سلاَّم ووثّقه. وروى عَنهُ أَبُو حَاتِم السِّجزي وقدّمه واعتد بروايته عَنهُ. وروى عَنهُ أَبُو عبد الرَّحْمَن عبد الله بن مُحَمَّد بن هَانِيء النيسابوريُّ النوادرَ وَالشعر، وَرُبمَا جمع بَينه وَبَين أبي مَالك عَمْرو بن كِرْكِرة فِيمَا يرْوى عَنْهُمَا من الْأَمْثَال والغريب والألفاظ.
وَلأبي زيد من الْكتب الْمُؤَلّفَة كتاب (النَّوَادِر الْكَبِير)، وَهُوَ كتابٌ جامعٌ للغرائب الْكَثِيرَة والألفاظ النادرة والأمثال السائرة والفوائد الجمَّة. وَله (كتابٌ فِي النَّحْو) كَبِير، وَله (كتابٌ فِي الْهَمْز)، وكتابٌ فِي (مَعَاني الْقُرْآن)، وكتابٌ فِي (الصِّفَات.
وروى أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى عَن أبي نجْدة عَن أبي زيد الْأنْصَارِيّ، أَخْبرنِي بذلك الْمُنْذِرِيّ عَن أبي الْعَبَّاس. وروَى أَيْضا عَن أبي إِسْحَاق الحرْبي عَن أبي عدنان عَنهُ. وروى أَبُو عمر الورّاق عَن أبي الْعَبَّاس عَن ابْن نجدة عَن أبي زيد شَيْئا كثيرا.
وحدّثني الْمُنْذِرِيّ عَن أبي بكر الطلحي قَالَ: حدّثني عسْل بن ذَكوان الْبَصْرِيّ عَن رُفيع بن سَلمَة عَن أبي زيد أَنه قَالَ: دخلتُ على أبي الدُّقيش الأعرابيّ وَهُوَ مريضٌ فَقلت: كَيفَ تجدُك يَا أَبَا الدُّقيش؟ فَقَالَ: أجد مَا لَا أشتهي، وأشتهي مَا لَا أجد، وَأَنا فِي زمَان سوءٍ، زمَان من وجد لم يجُد، وَمن جاد لم يَجدْ.
1 / 12
وَمَا كَانَ فِي كتابي لأبي عبيد عَنهُ، فَمَا كَانَ مِنْهُ فِي تَفْسِير (غَرِيب الحَدِيث) فَهُوَ مِمَّا أَخْبرنِي بِهِ عبد الله بن هاجَك عَن أَحْمد بن عبد الله بن جَبَلَة عَن أبي عبيد. وَمَا كَانَ فِيهِ من الْغَرِيب والنوادر فَهُوَ مِمَّا أَخْبرنِي أَبُو بكر الْإِيَادِي عَن شِمر لأبي عبيد عَنهُ. وَمَا كَانَ فِيهِ من الْأَمْثَال فَهُوَ مِمَّا أَقْرَأَنِيهِ الْمُنْذِرِيّ وَذكر أَنه عرضه على أبي الْهَيْثَم الرازيّ. وَمَا كَانَ فِيهِ من (نَوَادِر أبي زيد) فَهُوَ من (كتاب ابْن هَانِيء) عَنهُ. وَمَا كَانَ فِي كتابي لأبي حَاتِم فِي الْقُرْآن عَن أبي زيد فَهُوَ مِمَّا سمعتُه من أبي بكر بن عُثْمَان السِّجزي، حَدثنَا بِهِ عَن أبي حَاتِم. وأفادني الْمُنْذِرِيّ عَن ابْن اليزيدي عَنهُ فَوَائِد فِي الْقُرْآن ذكرتها فِي موَاضعهَا من الْكتاب.
وَأما أَبُو عَمْرو الشَّيباني: فاسمُه إِسْحَاق بن مُراد: وَكَانَ يُقَال لَهُ أَبُو عَمْرو الْأَحْمَر جاورَ بني شَيبَان بِالْكُوفَةِ فنُسب إِلَيْهِم، ثمّ قدم بَغْدَاد وَسمع مِنْهُ أَبُو عبيدٍ وروى عَنهُ الكثيرَ ووثّقه. وَكَانَ قَرَأَ دواوين الشِّعر على الْمفضل الضَّبِّيّ، وسمعها مِنْهُ أَبُو حسان، وَابْنه عَمْرو بن أبي عَمْرو. وَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ النوادرَ وحفظَ الْغَرِيب وأراجيز الْعَرَب. وَله كتابٌ كَبِير فِي (النَّوَادِر) قد سَمعه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى من ابْنه عَمْرو عَنهُ. وَسمع أَبُو إِسْحَاق الحربيُّ هَذَا الْكتاب أَيْضا من عَمْرو بن أبي عَمْرو. وسمعتُ أَبَا الْفضل الْمُنْذِرِيّ يروي عَن أبي إِسْحَاق عَن عَمْرو بن أبي عمروٍ جملَة من الْكتاب، وأودعَ أَبُو عُمرَ الورَّاقُ كِتَابه أكثرَ نوادره. رَوَاهَا عَن أَحْمد بن يحيى عَن عَمْرو عَن أَبِيه.
وَكَانَ أَبُو عمروٍ عمّر عُمرًا طَويلا، نَيف على الْمِائَة، وروى عَنهُ ابْن السّكيت وَأَبُو سعيد الضَّرِير وَغَيرهمَا، وَكَانَ ثِقَة صَدُوقًا.
وَأما أَبُو عُبَيْدَة معْمر بن المثنَّى: فَإِن أَبَا عبيدٍ ذكر أَنه تيميٌّ من تيم قُرَيْش، وَأَنه مولى لَهُم، وَكَانَ أَبُو عبيدٍ يوثقه وَيكثر الرِّوَايَة عَنهُ فِي كتبه.
فَمَا كَانَ فِي كتابي لأبي عبيد عَنهُ فِي (غَرِيب الحَدِيث) فَهُوَ مِمَّا حَدثنِي بِهِ عبد الله بن هاجَك عَن ابْن جبلة عَن أبي عبيد، وَمَا كَانَ من الصِّفَات والنوادر فَهُوَ مِمَّا أَخْبرنِي بِهِ الْإِيَادِي عَن شمر لأبي عبيد عَنهُ، وَمَا كَانَ من (غَرِيب الْقُرْآن) فَهُوَ مِمَّا أسمعنيه الْمُنْذِرِيّ عَن أبي جَعْفَر الغسانيِّ عَن سَلمَة عَن أبي عُبَيْدَة.
وَله كتابٌ فِي (الْخَيل وصفاتها)، ناولنيه أَبُو الْفضل الْمُنْذِرِيّ، وَذكر أَنه عرضه على أبي الْهَيْثَم الرَّازِيّ. وَله كتبٌ كَثِيرَة فِي أَيَّام الْعَرَب ووقائعها، وَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ الشّعْر، والغريب وأخبار الْعَرَب، وَكَانَ مُخلًا بالنحو كثير الْخَطَأ، وَكَانَ مَعَ ذَلِك مغرًى بنشر مثالب الْعَرَب، جَامعا لكل غثَ وسمين، وَهُوَ مذمومٌ من هَذِه الْجِهَة، وموثوق بِهِ
1 / 13
فِيمَا يروي عَن الْعَرَب من الْغَرِيب.
وَأما أَبُو سعيد عبد الْملك بن قُرَيب الْأَصْمَعِي: فإنَّ أَبَا الْفضل المنذريَّ أَخْبرنِي عَن أبي جَعْفَر الغساني عَن أبي مُحَمَّد سَلمة بن عَاصِم أَنه قَالَ: كَانَ الْأَصْمَعِي أذكى من أبي عُبَيْدَة وأحفظ للغريب مِنْهُ، وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة أَكثر رِوَايَة مِنْهُ. قَالَ: وَكَانَ هَارُون الرشيد استخلص الْأَصْمَعِي لمجلسه، وَكَانَ يرفعهُ على أبي يُوسُف القَاضِي ويجيزه بجوائز كَثِيرَة. وَكَانَ أَكثر علمه على لِسَانه.
وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن الصَّيْدَاوِيُّ عَن الرياشيّ قَالَ: سمعتُ الأصمعيَّ يَقُول: خير الْعلم مَا حاضرت بِهِ. قَالَ: وَكَانَ شَدِيد التوقِّي لتفسير الْقُرْآن، صَدُوقًا صَاحب سنة، عمّرَ نيفًا وَتِسْعين سنة، وَله عقب. وَأَبُو عبيدٍ كثير الرِّوَايَة عَنهُ. وَمن رُوَاته أَبُو حَاتِم السجسْتانِي وَأَبُو نصر الْبَاهِلِيّ صاحبُ كتاب (الْمعَانِي) .
وَكَانَ أمْلى بِبَغْدَاد كتابا فِي (النَّوَادِر) فَزِيد عَلَيْهِ مَا لَيْسَ من كَلَامه. فَأَخْبرنِي أَبُو الْفضل الْمُنْذِرِيّ عَن أبي جَعْفَر الغسانيّ عَن سَلمَة قَالَ:
جَاءَ أَبُو ربيعَة صَاحب عبد الله بن ظَاهر صديقُ أبي السمراء، بِكِتَاب (النَّوَادِر) الْمَنْسُوب إِلَى الْأَصْمَعِي فَوَضعه بَين يَدَيْهِ، فَجعل الْأَصْمَعِي ينظر فِيهِ، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا كَلَامي كُله، وَقد زِيد فِيهِ عليَّ، فَإِن أَحْبَبْتُم أَن أعْلِم على مَا أحفظه مِنْهُ وأضرب على الْبَاقِي فعلتُ وإلاّ فَلَا تقرءوه. قَالَ سَلمَة بن عَاصِم: فَأعْلم الْأَصْمَعِي على مَا أنكر من الْكتاب، وَهُوَ أرجحُ من الثُّلُث، ثمَّ أمرَنا فنسخناه لَهُ.
وَجمع أَبُو نصر عَلَيْهِ كتاب (الْأَجْنَاس)، إلاّ أَنه ألحق بأبوابه حروفًا سَمعهَا من أبي زيد وَأتبعهُ بِأَبْوَاب لأبي زيد خَاصَّة.
وَله كتابٌ فِي (الصِّفَات) يشبه كَلَامه، غير أَن الثقاتِ لم يرووه عَنهُ.
وروى أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى عَن أبي نصر عَن الأصمعيّ نَوَادِر وأمثالًا وأبياتًا من الْمعَانِي؛ وَذكر أنَّ أَبَا نصر ثِقَة، وَأَبُو إِسْحَاق الْحَرْبِيّ كثير الرِّوَايَة عَن أبي نصر.
وَمَا وَقع فِي كتابي لأبي عبيد عَن الْأَصْمَعِي فَمَا كَانَ مِنْهُ فِي تَفْسِير (غَرِيب الحَدِيث) فَهُوَ مِمَّا أَخْبرنِي عبد الله بن مُحَمَّد بن هاجَك عَن أَحْمد بن عبد الله عَن أبي عبيد. وَمَا كَانَ مِنْهَا فِي (الصِّفَات) و(النَّوَادِر) والأبواب المتفرقة فَهُوَ مِمَّا أَخْبرنِي بِهِ أَبُو بكر الْإِيَادِي عَن شِمر
1 / 14