Tafsir al-Mizan
تفسير الميزان - العلامة الطباطبائي
أقول: وهو من غرر الأحاديث، وأقل ما يدل عليه: أن ما نقل من أعاجيب المعارف الصادرة عن مقامه العلمي الذي يدهش العقول مأخوذ من القرآن الكريم.
والكافي، عن الصادق عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا أيها الناس إنكم في دار هدنة، وأنتم على ظهر سفر، والسير بكم سريع، وقد رأيتم الليل والنهار والشمس والقمر يبليان كل جديد ، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود، فأعدوا الجهاز لبعد المجاز، قال: فقام المقداد بن الأسود فقال: يا رسول الله وما دار الهدنة؟ فقال: دار بلاغ وانقطاع، فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفع، وماحل مصدق، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدل على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكم وباطنه علم، ظاهره أنيق وباطنه عميق، له تخوم وعلى تخومه تخوم، لا تحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى، ومنار الحكمة، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة، فليجل جال بصره، وليبلغ الصفة نظره، ينج من عطب، ويخلص من نشب، فإن التفكر حيوة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات، فعليكم بحسن التخلص، وقلة التربص.
أقول: ورواه العياشي في تفسيره إلى قوله: فليجل جال.
وفي الكافي، وتفسير العياشي، أيضا عن الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): القرآن هدى من الضلالة، وتبيان من العمى، واستقالة من العثرة، ونور من الظلمة، وضياء من الأحداث، وعصمة من الهلكة، ورشد من الغواية، وبيان من الفتن، وبلاغ من الدنيا إلى الآخرة، وفيه كمال دينكم، وما عدل أحد من القرآن إلا إلى النار.
أقول: والروايات في هذا المساق كثيرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة من أهل بيته (عليهم السلام).
وفي تفسير العياشي، عن الفضيل بن يسار قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن هذه الرواية: ما في القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن، وما فيه حرف إلا وله حد ولكل حد مطلع، ما يعني بقوله: ظهر وبطن؟ قال: ظهره تنزيله وبطنه تأويله، منه ما مضى ومنه ما لم يكن بعد، يجري كما يجري الشمس والقمر، كلما جاء منه شيء وقع، قال الله: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، نحن نعلمه.
أقول: الرواية المنقولة في ضمن الرواية هي ما روته الجماعة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بألفاظ مختلفة وإن كان المعنى واحدا كما في تفسير الصافي، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إن للقرآن ظهرا وبطنا وحدا ومطلعا.
وفيه، عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضا: أن للقرآن ظهرا وبطنا ولبطنه بطنا إلى سبعة أبطن.
وقوله (عليه السلام) منه ما مضى ومنه ما يأتي، ظاهره رجوع الضمير إلى القرآن باعتبار اشتماله على التنزيل والتأويل فقوله: يجري كما يجري الشمس والقمر يجري فيهما معا، فينطبق في التنزيل على الجري الذي اصطلح عليه الأخبار في انطباق الكلام بمعناه على المصداق كانطباق قوله: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين": التوبة - 120، على كل طائفة من المؤمنين الموجودين في الأعصار المتأخرة عن زمان نزول الآية، وهذا نوع من الانطباق، وكانطباق آيات الجهاد على جهاد النفس، وانطباق آيات المنافقين على الفاسقين من المؤمنين، وهذا نوع آخر من الانطباق أدق من الأول، وكانطباقها وانطباق آيات المذنبين على أهل المراقبة والذكر والحضور في تقصيرهم ومساهلتهم في ذكر الله تعالى، وهذا نوع آخر أدق من ما تقدمه، وكانطباقها عليهم في قصورهم الذاتي عن أداء حق الربوبية، وهذا نوع آخر أدق من الجميع.
ومن هنا يظهر أولا: أن للقرآن مراتب من المعاني المرادة بحسب مراتب أهله ومقاماتهم، وقد صور الباحثون عن مقامات الإيمان والولاية من معانيه ما هو أدق مما ذكرناه.
وثانيا: أن الظهر والبطن أمران نسبيان، فكل ظهر بطن بالنسبة إلى ظهره وبالعكس كما يظهر من الرواية التالية.
Page 40