552

وفيه، أيضا عنه (عليه السلام): أن القرآن محكم ومتشابه: فأما المحكم فتؤمن به وتعمل به وتدين، وأما المتشابه فتؤمن به ولا تعمل به، وهو قول الله عز وجل: وأما الذين في قلوبهم زيغ - فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة - وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله - والراسخون في العلم يقولون آمنا به - كل من عند ربنا. والراسخون في العلم هم آل محمد.

أقول: وسيجيء كلام في معنى قوله (عليه السلام): والراسخون في العلم هم آل محمد.

وفيه، أيضا عن مسعدة بن صدقة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه قال: الناسخ الثابت المعمول به، والمنسوخ ما قد كان يعمل به ثم جاء ما نسخه، والمتشابه ما اشتبه على جاهله.

قال: وفي رواية: الناسخ الثابت، والمنسوخ ما مضى، والمحكم ما يعمل به، والمتشابه ما يشبه بعضه بعضا.

وفي الكافي، عن الباقر (عليه السلام) في حديث قال: فالمنسوخات من المتشابهات وفي العيون، عن الرضا (عليه السلام): من رد متشابه القرآن إلى محكمه هدي إلى صراط مستقيم. ثم قال إن في أخبارنا متشابها كمتشابه القرآن، فردوا متشابهها إلى محكمها، ولا تتبعوا متشابهها فتضلوا.

أقول: الأخبار كما ترى متقاربة في تفسير المتشابه، وهي تؤيد ما ذكرناه في البيان السابق: أن التشابه يقبل الارتفاع، وأنه إنما يرتفع بتفسير المحكم له.

وأما كون المنسوخات من المتشابهات فهو كذلك كما تقدم ووجه تشابهها ما يظهر منها من استمرار الحكم وبقائه، ويفسره الناسخ ببيان أن استمراره مقطوع.

وأما ما ذكره (عليه السلام) في خبر العيون: أن في أخبارنا متشابها كمتشابه القرآن ومحكما كمحكم القرآن، فقد وردت في هذا المعنى عنهم (عليهم السلام) روايات مستفيضة، والاعتبار يساعده فإن الأخبار لا تشتمل إلا على ما اشتمل عليه القرآن الشريف، ولا تبين إلا ما تعرض له وقد عرفت فيما مر: أن التشابه من أوصاف المعنى الذي يدل عليه اللفظ وهو كونه بحيث يقبل الانطباق على المقصود وعلى غيره لا من أوصاف اللفظ من حيث دلالته على المعنى نظير الغرابة والإجمال، ولا من أوصاف أعم من اللفظ والمعنى.

وبعبارة أخرى: إنما عرض التشابه لما عرض عليه من الآيات لكون بياناتها جارية مجرى الأمثال بالنسبة إلى المعارف الحقة الإلهية، وهذا المعنى بعينه موجود في الأخبار ففيها متشابه ومحكم كما في القرآن، وقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: إنا معاشر الأنبياء نكلم الناس على قدر عقولهم وفي تفسير العياشي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليه السلام): أن رجلا قال لأمير المؤمنين (عليه السلام): هل تصف لنا ربنا نزداد له حبا ومعرفة؟ فغضب وخطب الناس فقال فيما قال عليك يا عبد الله بما دلك عليه القرآن من صفته وتقدمك فيه الرسول من معرفته، واستضىء من نور هدايته فإنما هي نعمة وحكمة أوتيتها، فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين، وما كلفك الشيطان عليه مما ليس عليك في الكتاب فرضه، ولا في سنة الرسول وأئمة الهدى أمره فكل علمه إلى الله، ولا تقدر عظمة الله واعلم يا عبد الله: أن الراسخين في العلم الذين اختارهم الله عن الاقتحام في السدد المضروبة دون الغيوب فلزموا الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فقالوا آمنا به كل من عند ربنا، وقد مدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عنه منهم رسوخا فاقتصر على ذلك ولا تقدر عظمة الله على قدر عقلك فتكون من الهالكين.

أقول: قوله (عليه السلام): واعلم يا عبد الله أن الراسخين في العلم الخ ظاهر في أنه (عليه السلام) أخذ الواو في قوله تعالى: والراسخون في العلم يقولون، للاستيناف دون العطف كما استظهرناه من الآية ومقتضى ذلك أن ظهور الآية لا يساعد على كون الراسخين في العلم عالمين بتأويله، لا أنه يساعد على عدم إمكان علمهم به، فلا ينافي وجود بيان آخر يدل عليه كما تقدم بيانه وهو ظاهر بعض الأخبار عن أئمة أهل البيت كما سيأتي.

Page 38